ملخص كتاب «الموجز في تاريخ القدس» لعارف باشا العارف ج 3

الجزء الثالث من ملخص كتاب «الموجز في تاريخ القدس» لعارف باشا العارف الصادر عام 1951م الذي يسرد تاريخ القدس منذ عهد اليبوسيين في سنة 3000 ق.م حتى أواخر عهد الانتداب البريطاني عام 1947م، وقد استقى كاتبنا عارف باشا العارف كتابه هذا من عشرات الكتب والمراجع العربية والأجنبية.

في الجزء الأول من ملخص كتاب «الموجز في تاريخ القدس» سرد المؤلف تاريخ القدس من القدس اليبوسية (3000 ق.م) إلى القدس في عهد الفرس (538 ق.م)، وفي الجزء الثاني من ملخص كتاب «الموجز في تاريخ القدس» سرد العارف تاريخ القدس من القدس في عهد اليونان (332 ق.م) إلى القدس البيزنطية (330 م)، وصولًا إلى الجزء الذي بين أيدينا.

الفتح الإسلامي للقدس في عهد عمر بن الخطاب (15 هـ / 637 م)

كان المسلمون يرون أنه لا غنى عن فتح بيت المقدس، ولمَ لا، فقد ورد ذكره في القرآن، وعلى لسان النبي المصطفى في أحاديثه الشريفة، كما أن النبي قد أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وكان النبي على يقينٍ تامٍّ بأنه لا حياة للعرب في جزيرتهم ما لم تكن تخومهم الشمالية محمية، لذلك فقد حث قومه على فتح بيت المقدس، لكن المنية فاجأته قبل أن يدرك غايته.

أكمل «أبو بكر الصديق» ما أوصى به النبي، فأعد أربعة جيوش لهذا الغرض، كان على رأس تلك الجيوش كل من «عمرو بن العاص»، «شرحبيل بن حسنة»، «يزيد بن أبي سفيان»، «أبو عبيدة بن الجراح»، وبعد أن انتصر المسلمون على الروم في اليرموك، فتحوا الشام، وتوجهوا صوب «فلسطين»، فحاصر «أبو عبيدة بن الجراح» «إيلياء»، وفتح «عمرو بن العاص» باقي المدن الفلسطينية الأخرى، وفي تلك الأثناء كان «أبو بكر الصديق» قد انتقل إلى دار البقاء، فحمل الراية من بعده «عمر بن الخطاب».

أبو بكر الصديق وفتح بيت المقدس

وصول عمر بن الخطاب وعهدة الأمان

ذكر كاتبنا أن هناك آراء تقول إن «عمر بن الخطاب» هو الذي أوعز إلى «أبي عبيدة بن الجراح» بالزحف إلى «إيلياء»، فلبى أمره، فاستقدم سبعة من قادة الجيش، كان تحت إمرة كل منهم خمسة آلاف مقاتل، فدخل في اليوم الأول «خالد بن الوليد».

وفي اليوم التالي تبعه «يزيد بن أبي سفيان»، ثم «شرحبيل بن حسنة» و«المرقال بن هاشم» و«مسيب بن نجبة الفزاري» و«قيس بن المرادي» و«عروة بن مهلهل بن زيد».

ثم لحق بهم قائد الجيش «أبو عبيدة بن الجراح»، ولما وصل إلى «الأردن»، بعث رسله إلى أهل «إيلياء» وبطاركتها ليدعوهم إلى «شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله»، فإن شهدوا بذلك حُرِّمت على المسلمين دماؤهم وأموالهم وذراريهم، وإن أبوا ذلك وجب عليهم دفع الجزية، وإن أبوا ذلك أيضًا، فسيرسل لهم «أبو عبيدة بن الجراح» قومًا أشد حبًّا للموت منهم لِشُربِهم الخمر وأكل لحم الخنزير، ولن يخرج من هناك إلا بعد أن يقتل جنودهم ويسبي ذراريهم.

انقضت أربعة أيام دون حرب ودون أن يتلقى المسلمون ردًّا من الروم، وفي اليوم الخامس خيّرهم «يزيد بن أبي سفيان» بين التسليم أو الجزية أو القتال، فاختاروا القتال، فأخبر «أبا» عبيدة بن الجراح بما حدث، ولما علم بذلك، أصدر أوامره بالزحف، وكان بنو حمير ورجال اليمن في مقدمة الصفوف، ونشبت معارك ضارية استمرت 10 أيام، وفي اليوم الحادي عشر وصل «أبو عبيدة بن الجراح» برفقة «عبد الرحمن بن أبي بكر» وزمرة من المجاهدين.

دام حصار المدينة 4 أشهر، لم ينقضِ يومٌ منها دون قتال، ولما حلّ الجوع بالسكان، قرروا التسليم شريطة أن يسلموا المدينة للخليفة، فأخبر «أبو عبيدة بن الجراح» بما حدث لـ«عمر بن الخطاب»، فغادر «عمر بن الخطاب» المدينة، وذلك بعد أن استشار المسلمين في الأمر، ولما وصل إلى بيت المقدس، أمر بإبلاغ البطريرك بقدومه، فجاء البطريرك رفقة عددٍ من الأساقفة والشمامسة والرهبان، وتحدثوا في أمور التسليم، فكتب «عمر بن الخطاب» وثيقة الأمان، التي عُرفت فيما بعد بـ«العهدة العمرية»، ومما جاء في هذه الوثيقة أنه أعطى أهل «إيلياء» الأمان لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم وصلبانهم، كما أنه لن تُهدم كنائسهم ولا تُسكن، ولا يُكرهون على دينهم، وألا يسكن معهم أحد من اليهود، وعليهم أن يُخرجوا الروم من المدينة.

وكان ذلك في عام 15 هجريًّا، وقد شهد على ذلك «خالد بن الوليد» و«عمرو بن العاص» و«عبد الرحمن بن عوف» و«معاوية بن أبي سفيان»، وكما أن «عمر بن الخطاب» أعطاهم عهدًا، فقد أخذ عليهم عهدًا، ومما جاء في هذا العهد أنهم لا يُواروا جاسوسًا في كنائسهم ولا منازلهم، وألا يُعلِّموا أولادهم القرآن، ولا يمنعوا أحدًا من أقربائهم من دخول الإسلام إن هو أراد، وألا يتشبهوا بلباس المسلمين، ولا يتكنَّوا بكُناهم، وألا يُظهروا صلبانهم على كنائسهم.

صلاة عمر بن الخطاب في القدس وتعمير الهيكل

وبذلك دخل «عمر بن الخطاب» «إيلياء» ومن ورائه المسلمون، وقد كان عدد من دخل منهم في ذلك اليوم أربعة آلاف، وكان أول ما توجه إليه «عمر بن الخطاب» كنيسة القيامة، فاستقبله البطريرك «صفرونيوس»، وفي تلك الأثناء حان وقت الصلاة، فأشار عليه البطريرك أن يصلي في الكنيسة قائلًا له: «مكانك صلِّ»، لكن «عمر بن الخطاب» رفض ذلك خوفًا من أن يتخذ المسلمون صلاته داخل الكنيسة ذريعة فيضعوا أيديهم عليها، لذلك خرج وصلى على مقربةٍ منها، وقد قُبِلَ عمله هذا بالشكر من المسيحيين والمؤرخين.

عمر بن الخطاب يدخل القدس

بعد ذلك توجه «عمر بن الخطاب» إلى مكان الهيكل الذي كان في حالة خراب في ذلك الوقت، فقد تجمعت فيه القاذورات، فأصبح مزبلة، فأخذ يحفن التراب وينحّيه بكفيه، ففعل الصحابة مثله، ثم نظفوا المكان حتى برزت الصخرة، فأمر «عمر بن الخطاب» ببناء مسجد، فبُني مسجد من خشب، وكان ذلك في عام 637م.

إصلاحات عمرية في القدس

قسَّم «عمر بن الخطاب» البلاد إلى مناطق، وعيّن لكل منطقةٍ أميرًا، ووضع التاريخ الهجري، وأسَّس ما يُعرف بـ«الحسبة» أي البلدية، وذلك للإشراف ومراقبة الموازين والمكاييل ومنع الغش، وقد أمر رجاله بالعدل، فقد قال لهم: «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا».

وقبل أن يعود إلى المدينة، أقام «يزيد بن أبي سفيان» في بيت المقدس، على أن يُؤتمر بأوامر «أبي عبيدة بن الجراح»، وانتدب للصلاة من بعده «سلامة بن قيصر»، وجعل «علقمة بن حكيم» على النصف الشمالي من «فلسطين»، و«علقمة بن مجزر» على النصف الجنوبي منها.

القدس في عهد بني أمية (41 - 132 هـ / 661 - 750 م)

في عام 21 هـ - 641 م، ضُمّت «القدس» إلى الشام، وخضعت لحكم مؤسس الدولة الأموية «معاوية بن أبي سفيان» الذي أصبح واليًا على الشام في عهد عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، إضافة إلى فلسطين بعد أن مات عبد الرحمن بن علقمة، وبذلك أصبح حاكمًا على الشام والبلقاء والأردن وفلسطين ومصر والعراق والحجاز، حتى بويع بالخلافة في عام 41 هـ - 661 م.

أقام «معاوية بن أبي سفيان» «سلامة بن قيصر» على «القدس»، وكان «سلامة بن قيصر» يُقيم في المكان نفسه الذي كان يقوم عليه قصر «هيرودس». وكان للقدس سورٌ في ذلك الوقت، وكان عليه أربعةٌ وثمانونَ برجًا، وكان له ستةُ أبوابٍ، منها ثلاثة لدخول وخروج الناس. وكان أحد تلك الأبواب في غرب المدينة، والثاني في الشرق، والثالث في الشمال.

كانت تأتي إلى «القدس» جماهير غفيرة من مختلف الأجناس والأديان في منتصف شهر أيلول/سبتمبر من كل عام بغرض التجارة، وكان في «القدس» أيضًا مسجد مربع الأضلاع يسع ثلاثة آلاف مصلٍّ، ويُعتقد أن هذا المسجد بناه «عمر بن الخطاب».

إنجازات عبد الملك بن مروان في القدس

حينما تولى «عبد الملك بن مروان» الحكم في عام 65 هـ - 684 م، بنى المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وعبّد كثيرًا من الطرق، كالطريق الرابط بين القدس والشام، وأتم بناء المسجد الأقصى ولده «الوليد» حينما بويع بالخلافة عام 705 م. وفي عهده بلغت الدولة الأموية أقصى اتساع لها، فقد اشتمل ملكه على بلاد الترك والروم والهند، وذلك بالإضافة إلى الأندلس، والأندلس التي فُتحت على يد «موسى بن نصر».

بناء المسجد الأقصى وقبة الصخرة

تعاقب الملوك على الحكم بعد وفاة «عبد الملك بن مروان»، فقد تولى الحكم بعده أخوه «سليمان»، ثم ابن عمه «عمر بن عبد العزيز»، ثم «يزيد بن عبد الملك»، ثم أخوه «هشام»، ثم «الوليد بن يزيد»، ثم «يزيد بن الوليد»، ثم «إبراهيم بن الوليد»، وأخيرًا «مروان بن محمد» الذي قد ساءت أحوال البلاد في عهده، فثار عليه زعيم فلسطين في ذلك الوقت «الحكم بن ضبعان بن روح بن زنباع»، وثار عليه أيضًا «أبو العباس»، وبايعه أهل العراق وخراسان، وأعد جيشًا ليقاتل به «مروان بن محمد»، فلحقه بعد أن هرب، ثم قتله في «مصر»، وبذلك قضى على الدولة الأموية تمامًا.

القدس في عهد بني العباس (132 - 264 هـ / 750 - 878 م) 

في عام 750 م أعلن «الحكم بن ضبعان بن روح بن زنباع» خضوع «فلسطين» للعباسيين، فأرسل «أبو العباس عبد الله بن محمد» السفاح عمه القائد «صالح بن علي»، فدخلها على رأس جيشٍ قوامه خمسون ألف مقاتل، وألقى القبض على زعماء الأمويين البالغ عددُهم ثلاثةً وثمانين، وأرسلهم إلى السفاح فقتلهم جميعًا.

الترميمات في عهد العباسيين

تولى «أبو جعفر المنصور» الخلافة في عام 754 م، وكان المسجد الأقصى قد تعرّض لزلزالٍ مدمّر قبل ذلك بثمانية أعوام، ولأن «أبا جعفر المنصور» لم يكن لديه ما يكفي لترميم المسجد، فنزع صفائح الذهب والفضة من على أبواب المسجد، وصكّها دنانيرَ، وبذلك عُمّر المسجد الأقصى.

عمارة المسجد الأقصى

قبل أن يتولى «محمد المهدي بن المنصور» الخلافة في عام 775 م، حدث زلزالٌ آخر مدمّر، ولم يكن في خزينة الدولة ما يكفي لترميم المسجد، فأمر العمال في جميع أرجاء المملكة بترميمه.

علاقات هارون الرشيد بشارلمان

لما تولى «هارون الرشيد» الخلافة في عام 786 م، سمح للإمبراطور «شارلمان» بترميم الكنائس، كما سمح له ببناء كنيسة العذراء على أنقاض كنيسة الدباغة. لذلك أهداه «شارلمان» «فيلا» وساعة وأقمشة نفيسة، ثم إن «هارون الرشيد» قد أخذ على عاتقه حماية حجاج بيت المقدس، لذلك أرسل إليه «شارلمان» وفدًا كل عام حاملًا معه الهدايا إلى الخليفة والأموال لفقراء المسلمين، وفي إحدى المرات عاد ذلك الوفد حاملًا معه مفاتيح القيامة والقبر المقدس.

تقهقر الدولة العباسية وثورات فلسطين

في عهد «المعتصم بالله بن الرشيد» تقهقرت الدولة العباسية، وذلك لأنه أول من استعان بالأتراك وجنّدهم في الحرب، وقطع العطايا عن العرب، كما أنه كان أميًّا جاهلًا.

في عهد «الواثق بالله (هارون أبو جعفر)» ثار «تميم اللخمي»، وهو أحد زعماء «فلسطين»، ودعا لنفسه، لكن «الواثق بالله» تغلّب عليه.

بعد وفاة «الواثق بالله» بويع أخوه «المتوكل على الله جعفر بن المعتصم» في عام 847 م، وقسَّم مملكته بين أبنائه، فكانت فلسطين والأردن وحمص ودمشق من نصيب «المؤيد»، وأضحت خراسان وطبرستان وأذربيجان وأرمينيا وفارس لـ«المعتز»، وأصبحت أفريقيا والمغرب وسورية والحجاز وما بين النهرين واليمن والبحرين من نصيب «المنتصر».

في عهد الخليفة «المعتز بالله» استولى «عيسى بن الشيخ بن سليل الشيباني» على «الرملة»، ثم «فلسطين» بعد ذلك، ثم الأردن في عهد «المهتدي بالله بن الواثق» ابن عم «المعتز بالله»، وحينما قُتل ذبحًا، بايع الجميع «المعتمد على الله» بالخلافة باستثناء «عيسى بن الشيخ»، فأعطاه الخليفة حكم «أرمينيا» علاوةً على ما معه من بلاد الشام، فوافق «عيسى بن الشيخ» وبايعه ودعا له، لكنه اقتتل معه بعد ذلك، فأمر «المعتمد على الله» قائد القوات المصرية «أحمد بن طولون» بإعداد جيشٍ لقتاله، لكن الخليفة استبدله بعد ذلك بـ«أماجور التركي»، فتقلّد أمور الشام بعد أن فرّ «عيسى بن الشيخ» إلى «أرمينيا».

شهادة برنارد الحكيم

قال العالم الشهير «برنارد الحكيم» في زيارته إلى «القدس» خلال السنوات الأخيرة من عهد بني العباس إن المسيحيين والمسلمين على تفاهمٍ تام، وإن الأمن مستتبّ، ويُفرض على من يسافر ليلًا أن تكون معه وثيقة تُثبت هويته، وإن لم تكن بحوزته يُزجّ به في السجن حتى يُحقّق في أمره، وإذا سافر من مكانٍ لآخر ونفقت دابّته، وترك المسافر أمتعته وذهب لجلب دابةٍ أخرى، فإنه سيجد عندما يعود كل شيء على حاله، لم تمسّه يد.

القدس في عهد ابن طولون (264 - 292 هـ / 878 - 905 م)

في 878 م دخلت «القدس» في حكم قائد القوات المصرية «أحمد بن طولون»، وقد قاسى المسيحيونُ في عهده، إذ حرّم عليهم ركوب الخيل، وفي عهده أيضًا اقتتل بنو لخم وبنو جذام، وهما قبيلتان من القبائل الفلسطينية.

عندما مات «أحمد بن طولون» في عام 883 م، تولى الحكم ابنه «خمارويه»، وقد وطّد صلاته بالخليفة العباسي، وعندما قُتِل، تولى الحكم ابنه «جيش» والملقب بأبي العساكر، فثار عليه أهل مصر والشام، وقتلوه وولُّوا من بعده أخاه «هارون» في عام 896 م، وعندما قُتِل في عام 904 م أُرسل «محمد بن سليمان» ليتولى الحكم من قِبل الخليفة العباسي «المكتفي بالله».

القدس في عهد الإخشيد (327 - 355 هـ / 938 - 966 م)

في عام 327 هـ - 938 م، عيّن الخليفة العباسي «القاهر بالله بن المعتضد» «أبا بكر محمد بن طغج» والملقب بالإخشيد واليًا على مصر والشام، وفي العام التالي وقعت حرب بينه وبين أمير فلسطين «محمد بن رائق»، وانتهت تلك الحرب باتفاق قُسّمت على إثر ذلك فلسطين إلى قسمين، فأصبح الجزء الواقع ما بين «الرملة» والتخوم المصرية تابعًا للإخشيد، وأما باقي الشام فأصبح من نصيب «محمد بن رائق»، على أن يدفع له الإخشيد مئة وأربعين ألف دينار سنويًا تعويضًا عن «الرملة»، وعندما قُتِل «محمد بن رائق» بعد ذلك بثلاثة أعوام، أصبحت مصر والشام والأردن وفلسطين تحت سلطته، إضافة إلى الحجاز التي تولى حكمها بعد ذلك بعامين.

تقسيم فلسطين في عهد الإخشيد

عندما مات الإخشيد في عام 334 هـ - 945 م، تولى الحكم ابنه «أبو القاسم محمد» والملقب بأنوجور، وفي عهده زار «القدس» السائح الفارسي المشهور «ناصري خسرو»، ووصف في كتابه «سفر نامه» ما رآه هناك، فقال إنه كان في القدس ذلك الوقت عشرون ألف نسمة، وأن أسواق المدينة جميلة وأرضها مرصوفة بالحجارة، وتوجد على حافة سهل السامرة قرافة عظيمة بها الكثير من مقابر الصالحين.

عندما مات «أبو القاسم محمد» في عام 960 م، تولى الحكم أخوه «علي» والملقب بأبي الحسن، وكان «كافور» مديرًا لمملكته، فلما مات «علي» في عام 965 م، انفرد بالحكم «كافور»، ولقبه الإخشيدي، وفي عهده كان «محمد بن إسماعيل الصنهاجي» واليًا على «القدس»، وقد أحرق أتباعه كنيسة القيامة فسقطت قبتها، ونهبوا كنيسة صهيون وأحرقوها، وقد ذكر «ابن بطريق» أن لليهود أصابع في تلك الحوادث، ولما مات في عام 966 م، وقعت خلافات بين الإخشيديين، فادّعى كلٌّ منهم الإمارة.

كانت «القدس» في عهد الإخشيديين كأسلافهم الطولونيين دون أهمية تُذكر، فما كانت تُقصد إلا لغايات دينية، لكنها في ذلك الوقت كانت دون «الرملة».

القدس في عهد الدولة الفاطمية (355 - 465 هـ / 966 - 1072 م)

على إثر الخلاف الذي دبّ بين الإخشيديين بعد وفاة «كافور»، استولى قائد «المعز لدين الله» الفاطمي «جوهر الصقلي» على «القدس» في عام 966 م، وأصبحت «القدس» فاطمية تمامًا في عام 969 م، وأصبح جل سكانها البالغ عددهم عشرون ألفًا من الشيعة، وكانت «القدس» في عهدهم أقل أهمية من «الرملة».

حينما تولى «العزيز بن المعز» الخلافة في عام 975 م، قامت حروب بين المغاربة والقرامطة، وبينهم وبين عرب فلسطين وبني طيء بقيادة أميرهم «مفرج بن الجراح»، لكن قائد الفاطميين التركي «بلتكين» تغلب عليهم.

كان «العزيز بن المعز» قد عيّن وزيرًا قبطيًا على ولاية «فلسطين»، وهو «الشيخ أبو اليمن قزمان بن مينا الكاتب»، وقد فرّ هذا هاربًا وبحوزته مئتا ألف دينار من أموال الدولة حينما اقتتلت جيوش مصر والشام.

احترم الخليفة «المنصور بن عبد العزيز» الملقب بالحاكم بأمر الله المسيحيين في بداية عهده، إلا أنه احتقرهم بعد ذلك، فأرغمهم على لبس السواد، وأمر بهدم كنيسة القيامة، ومنعهم من الاحتفال بعيد الشعانين، لكنه عاد فوقّرهم مرة أخرى، وسمح لهم بتعمير الكنيسة، وقيل إنه عمّرها على نفقته الخاصة. وبالنسبة لليهود، فقد قام باضطهادهم حتى مات.

في عهد «الظاهر لإعزاز دين الله»، سُمِحَ للذين دخلوا الإسلام عنوة أن يرجعوا إلى دينهم القديم، وأعاد بناء الكنيسة المهدمة، وفي عهده حدث زلزال كبير، كادت أن تتحطم قبة المسجد الأقصى من شدته، لكن «الظاهر لإعزاز دين الله» هرع لتعميرها، فأصبحت أفضل مما كانت عليه.

القدس في عهد الفاطميين

على الرغم من أن الدولة الفاطمية اتسعت في عهد «المستنصر بالله»، فإن البلاد أضحت في عهده مرتعًا للأتراك، فنهبوا خيرات البلاد، وبذلك انتهى حكم الفاطميين لـ«فلسطين».

يُعد الفاطميون أولَ من بنى مشفى ببيت المقدس، كما أنهم قد بنوا دار العلم، وهي فرع لدار الحكمة التي أُنشئت بمصر عام 1004 م.

القدس في عهد الأتراك والسلاجقة (465 - 470 هـ / 1072 - 1077 م)

في عام 1072 م، استولى «ألب أرسلان» على بيت المقدس من الفاطميين، وبذلك، انضمت «فلسطين» إلى ملكهم الشاسع الممتد من «الصين» إلى «اليمن».

عندما مات «ألب أرسلان»، تولى ابنه «محمد ملك شاه» الملقب بالسلطان العادل الحكم، وفي عهده ثار المقدسيون، فأرسل قائده «آتسز بن أوق الخوارزمي» على رأس جيشٍ لمحاصرة المدينة، ففتحها عنوة، ثم نهبها وقتل أهلها، فلم ينجُ منه أحد، حتى الذين احتموا بالمسجد الأقصى، وهناك من قال إنه قتل ثلاثة آلاف من سكانها، إضافة إلى سبيه لنسائها.

القدس في عهد الأرتقيين (470 - 488 هـ / 1077 - 1095 م)

كان الأمير «أرتق بن أكسك» أحد الذين تولوا إدارة بيت المقدس في عهد السلطان السلجوقي «محمد ملك شاه»، لكن الأمير «أرتق بن أكسك» استولى بعد ذلك على بيت المقدس بحد السيف، وكان ذلك في عام 1077 م، فأسس بذلك ما عُرف بدولة الأرتقيين.

وعندما مات «أرتق بن أكسك» في عام 1091 م، آلت «فلسطين» إلى ولديه «إيلغازي» و«سقمان»، واستمر الحال على ذلك حتى جاء من «مصر» الأفضل أمير الجيوش لمحاصرة «القدس» في عام 1095 م، فنصب المنجنيق، وقاتلهم 40 يومًا.

تنويه: إن ما قرأتموه يعرض فقط بعض ملامح الكتاب ولا يُغني إطلاقًا عن قراءة الكتاب.

إذا حاز ما كتبناه على إعجابكم فلا تنسوا الاشتراك حتى يتسنى لكم قراءة كل جديد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة