ملخص قصة السيد بروهارتشين لدوسويفسكي

تتحدث قصة «السيد بروهارتشين» عن مأساة موظف روسي يعيش في تقشف مدقع مدعيًّا الفقر الشديد، في حين تحكمه حالة مرضية من البخل وهوس الاكتناز. وتقوده مخاوفه من فقدان وظيفته إلى جنون الارتياب والانهيار العقلي والموت، ليكتشف جيرانه لاحقًا أنه كان ينام على ثروة طائلة مخبأة داخل مرتبته.

معلومات عن قصة السيد بروهارتشين

تُعد قصة السيد بروهارتشين التي نُشرت في شهر تشرين الأول/ أكتوبر عام 1846 م، واسم (بروهارتشين) مشتق من فعل «Probartchit»، ومعناه (أنفق)، ليكون بذلك اسم هذا الرجل البخيل: (السيد منفق)، من أهم المحطات المبكرة في مسيرة الأدب الروسي؛ لأنها تغوص ببراعة منقطعة النظير في دهاليز النفس البشرية المظلمة.

وتظهر هذه القصة القصيرة صراع الإنسان مع مخاوفه الداخلية، وتُشرّح بدقة متناهية سيكولوجية الاكتناز التي تحول المال من وسيلة للعيش إلى غاية تُدمر العقل والروح. وبتتبع حياة موظف بسيط ومهمش، نُدرك كيف يمكن لجنون الارتياب والعزلة الاجتماعية أن يقودا الفرد نحو هاوية الانهيار التام. 

يقدم هذا المقال تحليلًا شاملًا لأحداث قصة السيد بروهارتشين، مبينًا كيف سقطت أقنعة الفقر المصطنع في النهاية لتكشف عن مأساة إنسانية عميقة يتداخل فيها الوهم مع الحقيقة.

ملخص قصة السيد بروهارتشين

يقطن العجوز (سیمیون إيفانوفيتش بروهارتشين) بأحلك أركان مسكن الأرملة الموقرة (أوستينيا فيدوروفنا) بمقاطعة (بيسكي) مقابل خمس روبلات بالشهر، بعكس باقي المستأجرين، فقد كانوا يدفعون ضعفي ما يدفعه، ويرجع السبب بذلك لمكانته عندها، إذ أكرمته بعد أن فُقِئت عينه وبُتِرت ساقه وأحيل للتقاعد، وكانت ترى أنه وقور متحفظ بعكس ما كان يراه باقي الجيران.

لقد كان موظفًا صغيرًا، يتقاضى مرتبًا يتفق مع كفاءاته، وكان عاقلًا حكيمًا، لا يشرب الخمر إلا قليلًا، لكنه بالرغم من ذلك أسرف بشرب الخمر ذات مرة، فمات سكيرًا، واليوم يقبع جثمانه بمقبرة (فولكوفو).

الأديب الروسي فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي

علاقات متوترة وعادات متقشفة

لم تكن علاقته مع المستأجرين -ككاتب المحكمة (سودبين)، والمثقف (مارك إيفانوفيتش)، و(أوبلافانييف)، والرجل الشهم (بريبولوفينكو)، والحالم بالوصول للمجتمع الراقي (زينوبي بروكوفتيش)، والبورجوازي (كانتاريوف)، وكاتب المحكمة (أوكييانوف) الذي يذوب في حب (أوستينيا فيدوروفنا)، وغيرهم الكثير- على ما يرام، بالرغم من أنهم كانوا يعيشون مع بعضهم كالإخوة، فقد كان صعب المراس، لكنهم مع ذلك عدّوه رجلًا طيب القلب دمث الخلق، وتغاضوا عن نقائصه وعيوبه التي كان من أبرزها أنه بخيل شحيح، رث الهيئة بثيابه البالية التي كان يرتديها، ولم يكن لدى أحد شك في أنه قد اختل عقله.

كان ثمن الوجبة التي تقدمها (أوستينيا فيدوروفنا) لسكان بيتها خمسين كوبكًا، فكان (سيميون إيفانوفيتش) يدفع خمسة وعشرين كوبكًا، ويتناول أجزاء منها كالخضار مثلًا، وأحيانًا يكتفي بالخبز مع بصل أو جبن أو بيض أو أي طعام آخر زهيد الثمن، بل ويعزف عما يأخذه من تلك الوجبة إلا حين يتضور جوعًا، وكان لا يرضى بأي حالٍ من الأحوال أن يُعير أحدًا غلاية الشاي التي يملكها ولو لحظة، على الرغم من أنه قلما يشرب الشاي، فقد كان يشرب بدلًا منه شرابًا من أعشاب برية يختزن منها كمية كبيرة، وربما لم يُعطِ يومًا ملابسه لصاحبة الدار لغسلها.

الصندوق الغامض واقتراض الوهم

كان لديه صندوق صغير يضعه تحت سريره يحافظ عليه كبؤبؤ عينه، بالرغم من أنه لا يحوي سوى خرقٍ باليةٍ، وأحذيةٍ لا يمكن انتعالها، وأنواعًا شتى من ملابس عتيقة، وقد قرر شراء قفلٍ جديدٍ له، فظن (زينوبي) أنّه يخفي به مدخراته لورثته، فصب عليه السيد (بروهارتشين) جام غضبه، فوصفه بأنه ليس إلا صبيًا، وأنه لن يستطيع أن يصبح ضابطًا بسلاح الفرسان، وأن محاولاته للولوج للمجتمع الراقي ستبوء بالفشل الذريع.

كان جيرانه ينظمون حفلة شاي، فينضم إليهم ويدفع عشرين كوبكًا نصيبه من نفقات الحفل، ويشرب الشاي بنهم. إن الإنسان الفقير لا يمكن أن يخطر بباله التوفير والادخار، لأنه ليس إلا إنسانًا فقيرًا. وبأحد الأيام، انتهز تلك الفرصة ليعترف لهم بفقره، فقال إنه فكر مرة باقتراض روبل من رجل وقح، لكنه صرف النظر كي لا يمضيَ ذلك الرجل متباهيًا، وأضاف أنه يرسل كل شهر خمسة روبلات لامرأة أخيه كي لا تموت جوعًا، ووصف لهم شدة عوزه بأنها لو ماتت لاستطاع أن يبتاع لنفسه رداءً جديدًا.

إشاعة الوظيفة والهوس بالخوف

بإحدى حفلات الشاي تلك، قال أحد الحضور إنّ صاحب السعادة السيد (ديميد فاسيليفتش) قال: «إنّ الناس لجهلهم بآداب المجتمع، عُدَّ قبولهم به أمرًا مستحيلًا، لذلك قررت السلطات العليا تفاديًا لذاك الوضع السيئ، حسم مبلغٍ معينٍ من رواتبهم مقابل تعليمهم الخصال الحميدة، وسيخضع جميع الموظفين، حتى أقدمهم، لاختبار تُعرف به درجة ثقافتهم، وربما سيطرد منهم كثيرين».

وكان الحضور يصغون ويبدون اهتمامهم ويتظاهرون بالتصديق، ويصطنعون الحزن والأسى، ولكون السيد (بروهارتشين) إنسانًا ذا عقلٍ محدود، مضى إلى (ديميد فاسيليفتش) يسأله عن صحة تلك الأنباء، ولا داعيَ لذكر ما حدث إكرامًا لذكراه.

اختفاء مفاجئ وصحبة شائكة

اختفى (بروهارتشين) بضعة أيام، فأرجعت (أوستينيا فيدوروفنا) سبب اختفائه لسخرية الجيران منه، وألزمتهم في اليوم الثالث بالذهاب للبحث عنه، فذهب كاتب المحكمة (سودبين) وعاد فقال إنّه شاهده بسوق (تولكوتشي)، لكنه لم يجرؤ أن يتحدث معه وجهًا لوجه، ورآه كلٌ من (أوكيانوف) و(كانتاريوف) بصحبة رجل ربما يكون شحاذًا، وكان هناك ساكنان آخران يشبه حالهما حاله قالا إنهما يعلمان أنه على علاقةٍ بهذا الشحاذ، وأنه عربيد منافق سيئ السيرة اسمه (زيموفايكين)، ولا شك أنه قد فتن (بروهارتشين) بحيلةٍ من الحيل، فعرف كيف يستميله، وأمسى صديقًا له.

لقد ظهر هذا الرجل أول مرة رفقة الرفيق (رمينوف)، فمكث بمنزله بضعة أيام، مدعيًا أنه كان موظفًا بالأقاليم، وطُرِدَ من وظيفته مع بعضٍ من رفاقه، ثم تمكن من الحصول على عملٍ بمكانٍ ما، ولسوء حظه وجد نفسه بلا عمل مجددًا بسبب عجزه الإداري، فضلاً على حبه للحقيقة وعن مؤامرات زملائه.

العودة والانهيار العقلي

اطمأنّ قلب (أوستينيا فيدوروفنا) حين علمت أنه لم يصب بأذى، وقرر جيرانه أن يحسنوا استقباله، فهيّأوا غرفته وانتظروه، لكنه تأخر، فسئموا الانتظار، وخلد كل منهم لفراشه، وبالرابعة فجرًا أحدث (سيميون إيفانوفيتش) بقدومه جلبة أيقظت النائمين، فقد كان كالمغشي عليه، محمولًا على كتفي حوذي، بعد أن تسلمه من جماعةٍ كانوا عائدين من (كولومنا).

فحمله جيرانه للفراش، فأحس بتغير موضع صندوقه، فأطلق صرخة رهيبة، وأخذ ينظر بمن حوله نظرات وحشية مذعورة كأنه يقول لهم إنّه يؤثر الموت على أن يترك ولو جزءًا من مئة جزء مما يملك، ولبث بفراشه ربما لثلاثة أيام تطارد عقله الهلاوس، إلى أن ألمّ بعقله المرض، فالتف نزلاء الدار جميعًا حوله حتى تماثل من تلقاء نفسه للشفاء فقد أشفقوا عليه ورثوا حاله، لكنه بالمقابل لم يعترف بالجميل، فشعر جيرانه باستياءٍ شديد، وبدا لهم أنه لم يسترد توازن عقله بعد.

رأوا أمامهم فجأة السيد (زيموفايكين)، فطلبوا منه إنقاذ جارهم، فقال له: «هيا يا (سينكا)، انهض، وإلا كشفت أمرك»، فوثب (سيميون إيفانوفيتش) من مرقده فجأة وانتابه الهلع، وأخذ جيرانه يسألونه عما حل به، فكان يجيبهم بإجابات ما هي بإجابات لأسئلتهم، فبلغ بهم الحنق والغيظ أن اضطروا من فورهم لمغادرة غرفته بعد تيقنهم أنه قد فقد عقله إلى الأبد، وأنه صار إلى الجنون.

الساعات الأخيرة والوفاة

لقد علموا -بعد ذلك- أن هلوسته تلك كانت بسبب مخاوف جمة تراوده خشية أن يطرد من وظيفته، فحاول (مارك إيفانوفيتش) طمأنته، لكن ذهبت محاولاته أدراج الرياح، وفي المساء ألمت الحمى بجسده وراح يهذي من جديد، فتناوب على عيادته جميع جيرانه خشية أن يصيبه مكروه، لكنهم كلفوا (زيموفايكين) بنهاية المطاف بالسهر عليه والمبيت معه.

بالصباح رأوا (رمينوف) و(زيموفايكين) يقتتلان ويكيل كل منهما للآخر التهم والشتائم، وصاح (رمينوف) يقول: «لست أنا، هو من قتله»، فصرخ (زيموفايكين) قائلًا: «أحلف إنني لبريء».

أما (سيميون إيفانوفيتش) فربما أمره قد انتهى، فأعضاؤه قد تصلبت، وجسده كله يرتعش، كان يحاول أن يومئ أو يتكلم، ولكنه لا يستطيع، بتلك الأثناء انسلّ (أوكيانوف) خارجًا من البيت، وبتلك اللحظة رأى أمامه مأمور قسم الشرطة بالحي (ياروسلاف إيلتش)، الذي تقدم صوب سريره وجسه.

ثم أعلن أنه قد فارق الحياة، فخرج، وأمر المفوض بمباشرة التحقيق، وأمسك بالصندوق الذي كانت صاحبة البيت تتهيأ لفتحه، وطلب مفتاح الصندوق، وقد عُثِرَ عليه في جيب (زيموفايكين)، ولما فتح مأوى كنوز (سيميون إيفانوفيتش) لم يعثر على شيء سوى الأشياء المهترئة البالية آنفة الذكر.

اكتشاف الكنز وسقوط الأقنعة

ثم اتجه للفراش فوجد به لفافة بها عشرة روبلات، فلفافة أخرى، فارتأى أنّه من الأفضل شق المرتبة، فأمر بإحضار مقص، والتف الجميع حوله متسمرين مشدوهين، فصعقوا إذ رأوا كومة من قطع فضية ونقودٍ أخرى كثيرة وعملات ورقية وأخرى معدنية من كافة الفئات، حتّى إنّهم رأوا عملات نادرة، وكان (سيميون إيفانوفيتش) حينها لا يعلم ماذا عساه يفعل، إنه لا يقوى حتى على الحراك.

على الفور أمر (ياروسلاف إيلتش) بإخلاء مكان التحقيق، لقد تخيّل جيرانه أن تلك الأموال الطائلة قد تصل مليونًا، لكنها لم تزد عن ألفين وأربعمائة وسبعة وتسعين روبلًا وخمسين كوبكًا فحسب.

وأخذوا يبحثون في شأن امرأة الأخ لإخبارها، فاتضح أن امرأة الأخ تلك لم تكن إلا أسطورة، نشأت عن فقرٍ بخيال المرحوم (بروهارتشين)، وأخذ الناس يتبادلون بينهم نظرات الريبة، ويقولون لبعضهم البعض: يا له من رأسمالي خبيث، كيف أمكن لهذا الرجل جمعِ مبلغٍ كهذا؟ وكانت (أوستينيا فيدوروفنا) تبكي حظها العسر بالزاوية وتقول: يا له من كذاب، لقد خدعني أنا اليتيمة الفقيرة، بموته كُشِفَت الحقيقة، حقيقة أن الموت ينزع جميع الحجب، ويهتك جميع الأسرار، ويعري جميع المكايد.

في الختام، تقف قصة «السيد بروهارتشين» كوثيقة أدبية ونفسية خالدة تفضح هشاشة النفس البشرية أمام هوس المال. لقد نجح الكاتب في تحويل قصة موظف فقير إلى مأساة فلسفية تؤكد أن الموت هو الكاشف الأعظم للحقائق الزائفة.

إن العبرة المستقاة من هذا العمل تتجاوز حدود الزمان والمكان، لتذكرنا بأن الثروة التي لا تُنفق في صناعة الحياة وتنمية الروابط الإنسانية، تتحول إلى قيد حديدي يخنق الروح، ويدفع العقل تدريجيًا نحو هاوية الجنون المظلمة. وتبقى هذه القصة مرجعًا أساسيًّا ومثالًا حيًّا لكل باحث مهتم بنقاط التقاطع العبقرية بين الأدب الكلاسيكي وعلم النفس البشري.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة