ملخص رواية صوت الطبول من بعيد: قصة فلاح رحيم مع أدب الحرب

رواية صوت الطبول من بعيد هي سيرة روائية وتوثيق إنساني عميق لمعاناة المجندين من أهوال الحرب العراقية الإيرانية من منظور إنساني، فيتخذ الكاتب فلاح رحيم من الحب والأمل أسلحة لمقاومة بشاعة المعارك. وتُعد من أفضل روايات أدب الحرب العراقي؛ لأنها تركز على هزائم الإنسان وخيباته وأحلامه بعيدًا عن الملاحم والانتصارات.

في هذا المقال نقدم لك قراءة في رواية صوت الطبول من بعيد للروائي العراقي الكبير فلاح رحيم بأسلوب سريع وسهل، ونتعرف فيها على أهم السمات الأدبية والأفكار الرئيسة في الرواية المندرجة تحت أدب الحرب.

ربما لا نستطيع حصر كل الأعمال الروائية التي تناولت الحرب العراقية الإيرانية على مدى العقود الثلاثة الماضية، لكننا نقول بأريحية شديدة: إن رواية صوت الطبول من بعيد للكاتب العراقي الكبير فلاح رحيم هي الرواية الاستثناء بعيدًا عن كل الحديث عن الملاحم والانتصارات.

تناولت الواقع المعيش من زاوية إنسانية، وأسست كثيرًا من صور الخوف والدمار والخيبات والهزائم على صعيد الحب والعمل والحلم والغرابة التي عاشها الناس بسبب الحرب، فكانت لغة الكاتب أشبه بالأسلحة التي يقاوم بها بشاعة الحرب وقسوتها.

من هو فلاح رحيم؟

فلاح رحيم قامة أدبية مرموقة، ويُعد من أهم الكُتاب والمترجمين في العراق، حاصل على الماجستير في الأدب الإنجليزي من جامعة بغداد عام 1989، وعمل أستاذًا للأدب واللغة الإنجليزية في جامعات عدة بليبيا وعُمان والعراق، ونقل عددًا من الأعمال الفكرية إلى العربية.

له كثير من الأعمال المهمة في مجال الرواية لتشكيل الرواية العراقية الحديثة. ولعل أشهرها رواية (القنافذ في يوم ساخن)، ورواية (حبات الرمل حبات المطر)، لتأتي رواية "صوت الطبول من بعيد" كدرة تاج في مسيرته، مخلدةً رؤيته الفلسفية والإنسانية العميقة.

مراجعة رواية صوت الطبول من بعيد

وتُعد الرواية التي تدخل تحت إطار ما يسمى (أدب الحرب) من أهم الروايات العراقية التي رصدت مرحلة الحرب الإيرانية، وهي المدة التي انتزعت من كاتب الرواية 9 أعوام في الخدمة العسكرية الإلزامية في أقسى تجربة فلاح رحيم في الحرب.

وربما كان هذا الأمر هو دافعه الأكبر إلى كتابة الرواية التي ترصد بشاعة الحرب وتأثيرها على الناس. وكيف أن دقات الطبول الخاصة بالحرب قادرة على إسكات الحب والحياة والأمل والسعادة في قلوب الناس هنا وهناك.

لماذا تأخرت الرواية 40 عامًا؟

صدرت الرواية للمرة الأولى في عام 2020 على الرغم من أنها تتناول أحداث الحرب العراقية الإيرانية، وهو ما يعد أمرًا غريبًا. خاصة وأن معظم الأعمال وروايات عن الحرب العراقية الإيرانية التي صدرت عن تلك المدة صدرت في أعقاب انتهاء الحرب. لكن هذه الرواية كان لها خصوصية كبيرة. يقول كاتب الرواية فلاح رحيم: «تأخر صدور الرواية 40 عامًا عن الحدث الذي تصفه وتعلق عليه».

وجاء في لحظة تأزم عراقية لا تختلف حرجًا عن سابقتها، يحاول فيها جيل جديد من العراقيين لتصحيح ما تراكم من أخطاء، أيضًا تقدم الرواية حالة من حالات المعايشة الفنية، فهي تأخذ القارئ معها إلى ميدان الحرب عن طريق تجربة إنسانية، يعيشها بطل الرواية مع فتاة بولندية تصادف وجودها لتختلط الحرب بالحب، وتختلط الحياة بالموت.

وتختلط الأيديولوجيا بالمشاعر البشرية التي لا تعرف المعسكرات والخنادق، وهو ما يصنع خيطًا سحريًّا من المتعة والألم في تلك المعايشة التي يتورط فيها القارئ في رواية صوت الطبول من بعيد وكاتبها المبدع فلاح رحيم.

ملخص رواية صوت الطبول من بعيد

تبدأ أحداث الرواية عام 1980 مع صعود نجم الدكتاتور في العراق، فيكمل (سليم كاظم) بطل الرواية مدة خدمته المقررة في الجيش العراقي، ويغادر معسكره في البصرة ويصل إلى بغداد ليشتري رغيفًا من الخبز الحار بفرحة كبيرة، وكأنه يبحث عن الدفء وليس عن الخبز، وهو ما يوضح لنا أن تجربة الجيش كانت صعبة على سليم في سياق تحليل رواية صوت الطبول من بعيد.

بعد أيام عدة يبدأ سليم في العمل مترجمًا في إحدى الشركات التي تعمل في (الرمادي)، وفي أثناء عمله يلتقي بفتاة بولندية جميلة اسمها بيانكا، كانت متزوجة من مدير الشركة إلا إن علاقتهما كانت فاترة؛ وهو ما دفع بيانكا إلى التقرب من سليم على مدار ثلاثة أشهر من العلاقة التي كانت مصدرًا للمتعة والسعادة لكلا الطرفين.

بعد مدة قليلة يُستدعى سليم مرة أخرى إلى جيش الاحتياط على الرغم من أنه أنهى مدة تسريحه منذ ثلاثة أشهر، لكنه يضطر إلى الذهاب إلى معسكر التدريب ثم إلى جبهة القتال حيث الحرب العراقية الإيرانية، وهو ما ينقلنا إليه الكاتب الذي يصف المدن التي تسقط على الجبهة التي تمتد أكثر من 1500 كم.

يبدأ سليم في كتابة يومياته التي نستطيع منها التعرف على واقع الحرب الكريه، وعدم وجود روابط إنسانية بين الجنود الذين يتوقون للحياة أكثر ما يتوقون للعودة إلى السلام وممارسة الحياة الطبيعية؛ وهو ما دفع سليم إلى كتابة اليوميات من أجل أن يشعر بإنسانيته ويخفف حالة التوتر والضغط التي يشعر بها. 

فقد كان كثير من الجنود الذين يقدمون على الانتحار بسبب هذا الضغط، وهي أمور لم تكشفها كثير من الروايات التي كتبت عن الحرب العراقية الإيرانية.

يحكي الكاتب في مذكرات سليم عن كثير من الشخصيات التي تواجه الخطر من ضباط وجنود، ويحكي أيضًا عن طريقة كل منهم في التعامل مع الحرب والموت والتمسك بالحياة.

ويصف الكاتب الأمكنة التي يعيشون فيها كأنها قبور مظلمة، ويصفهم بأنهم يعيشون كالقوارض والسحالي الصغيرة، وهو الوجه البشع الذي يرغب الكاتب أن يظهره للقارئ بعيدًا عن قصص الانتصار الزائف والمجد الوهمي.

تصبح الأيام صعبة مع لحظات القصف وموت الزملاء والإحساس بالخطر المستمر وتوتر الأعصاب، على الرغم من أن هناك بعض المسرات الصغيرة التي يحاول الجنود صناعتها عن طريق الرهانات والألعاب، أو حتى عند الاستحمام بعد أيام من العرق والغبار، أو عند الحصول على قسط من النوم دون إزعاج.

أيضًا فسليم قد وجد ثقبًا صغيرًا يسمح بدخول الشمس إلى المكان، فقد دخل شعاع حاد من ضوء النهار إلى عتمة المكان؛ فسمح لسليم بقراءة رواية، ومن خلال هذا الثقب بدأ سليم يسترجع ذكرياته مع بيانكا من أجل أن يظل حيًّا.

أثر الحرب على الإنسان في الرواية العربية: مأساة عائلة كريم

على الرغم من أن سليم بطل الرواية قد نجا من الحرب في النهاية، فإنه لم ينجُ على نحو كامل، فقد قُتل أخوه كريم في القادسية، وهو ما ينقلنا إلى الأسرة التي تظهر فيها مشاعر اللوعة والحزن والألم نتيجة الفقد، حيث الأم والأخت والأب، وأيضًا زوجته الأرملة التي تشرف على بناء قبره، إضافة إلى كثير من التفاصيل التي يعيشها القارئ مع حالة استشهاد كريم ودفنه في مقبرة النجف والصلاة عليه في المسجد في الكوفة.

وعلى الرغم من أن سليم صاحب فكر وفلسفة ماركسية يجد نفسه محملًا بالحزن والأسى، يقرأ القرآن على روح أخيه، ويصلي بخشوع لم يعهده في نفسه من قبل، ويدعو لأخيه بحرارة شديدة.

وبموت كريم نرى وجهًا آخر من أوجه الحرب وبشاعتها، فالسلطات العراقية لم تعترف بكون كريم شهيدًا على الرغم من وجود ثقب كبير في صدره نتيجة الشظية القاتلة التي استقرت في النهاية في قلبه وقضت عليه؛ فقد جاء تقرير الوحدة الطبية للميدان أنه مات نتيجة حادث سيارة.

ولم تحاول الأسرة أبدًا أن تثبت أن ابنها الراحل مات شهيدًا على الرغم من أن أسر الشهداء كانت تحصل على كثير من الحقوق والامتيازات مثل المال والسيارة وقطعة الأرض، وهو ما يمكن أن نعده موقفًا سياسيًا ضمنيًا للأسرة.

الرواية وثيقة إدانة للحرب

بصفتي ناقدًا أدبيًّا ومتابعًا للمشهد الثقافي، أرى أن مراجعة رواية صوت الطبول من بعيد فلاح رحيم تكشف عن تحول ناضج في الرواية العراقية الحديثة. هذه الرواية لا توثق المعارك، بل توثق الإنسان المقهور في الخندق الذي يبحث عن رغيف دافئ وشعاع شمس.

المتمعن في الرواية العراقية الحديثة يدرك أن تدوين المأساة هو الحائط الأخير لصد محاولات تزييف التاريخ، لقد استطاع فلاح رحيم أن يوثق عبر مذكرات (سليم كاظم) هشاشة الروح البشرية أمام ترسانات السلاح.

قوة هذا العمل تنبع من صدقه المطلق؛ فهو لم يصنع أبطالًا خارقين، بل بشر يخافون، ويحتمون بشعاع شمس أو ذكرى عابرة مع امرأة ليحافظوا على عقولهم من الجنون. إنها صرخة إنسانية خالدة تؤكد أن أدب الحرب الحقيقي هو ذلك الذي يُعري بشاعة القتل، وينتصر للحب كخلاص وحيد.

إن تحليل رواية صوت الطبول من بعيد يثبت أن الأدب الحقيقي هو الذي يتجاوز الدعاية السياسية، ليخلد لحظات الحب والمقاومة النفسية كأهم انتصار على دمار الحروب، وكأصدق تعبير عن مأساة أجيال برمتها.

اقتباسات من رواية صوت الطبول من بعيد

  • «ما يبلغ الأعماق السحيقة من النفس لا يُدفن كما يحدث مع الأشياء المادية، بل يتعشق بنسيج الوجود نفسه».
  • «الإنسانية لا تحتاج إلا إلى شيء واحد؛ أن تُترك وشأنها، أن يرفع عنها السياسيون والحكام والفلاسفة أيديهم. هل تابعت الطريقة التي تنمو بها الحشائش أو يرتب بها النحل حياته؟ التلقائية الخالية من الجبر والإكراه هي الحل».

تساؤلات عن روايات توثيق الحروب

إليك إجابات دقيقة أكثر التساؤلات شيوعًا عن هذا العمل الأدبي البارز:

عن ماذا تتحدث رواية صوت الطبول من بعيد؟

تتحدث الرواية عن التجربة الإنسانية والنفسية القاسية للجندي العراقي (سليم كاظم) الذي يُستدعى للحرب، وكيف يحاول النجاة من دمار الجبهة عبر استرجاع ذكريات حبه للفتاة البولندية (بيانكا)، موثقًا مآسي الجنود وانتحارهم.

من مؤلف رواية صوت الطبول من بعيد؟

المؤلف هو الكاتب والمترجم العراقي الكبير فلاح رحيم الحاصل على الماجستير في الأدب الإنجليزي الذي أمضى تسع سنوات في الخدمة العسكرية.

متى صدرت رواية صوت الطبول من بعيد؟

صدرت عام 2020، متأخرة 40 عاماً عن الحدث الأصلي، لتشكل رسالة لجيل جديد يحاول تصحيح أخطاء الماضي.

كيف تناولت الرواية الحرب العراقية الإيرانية؟

تناولتها بعيدًا عن الملاحم والانتصارات؛ بل ركزت على الخراب، الموت، العزلة، والتحول النفسي للجنود الذين عاشوا في خنادق تشبه القبور، مفضلة إبراز عبثية الحروب.

ما أبرز أعمال الكاتب فلاح رحيم؟

إضافة لترجماته المهمة، من أبرز أعماله الروائية: (صوت الطبول من بعيد)، (القنافذ في يوم ساخن)، و(حبات الرمل حبات المطر).

كيف صورت رواية فلاح رحيم الحرب العراقية الإيرانية؟

صورتها كأنها وحش يبتلع إنسانية الأفراد؛ حيث تختفي الأيديولوجيا ليبقى الصراع الفطري للبقاء عبر "مسرات صغيرة" مثل الاستحمام أو القراءة من ثقب تصله الشمس.

ما أفضل روايات أدب الحرب العراقي؟

تُعد رواية (صوت الطبول من بعيد) في طليعة هذه الأعمال، بجانب روايات أخرى وثقت المشهد بصدق مثل أعمال (أحمد سعداوي) و(علي بدر) و(سنان أنطون).

ما موقف عائلة كريم من استشهاده في الرواية؟

اتخذت عائلة كريم موقفًا سياسيًّا صامتًا ورافضًا؛ فلم تحاول إثبات وفاته شهيد حرب بعد أن زوّرت الوحدة الطبية تقرير وفاته، متخلية بذلك عن امتيازات وأموال أسر الشهداء التي كانت تمنحها السلطة.

في الختام، تبقى رواية صوت الطبول من بعيد وثيقة أدبية صادقة تضعنا وجهًا لوجه أمام أسئلة الوجود والعدم، وتؤكد أن الكلمة هي الملاذ الأخير لتوثيق أنين الأرواح المنسية في ساحات القتال.

هل قرأتم من قبل أي روايات عن الحرب العراقية الإيرانية أثرت فيكم؟ شاركونا آراءكم وانطباعاتكم عن الرواية العراقية الحديثة في التعليقات أسفل المقال.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة