يمكن قراءة رواية «الوشم» بوصفها شهادة أدبية على أثر القمع في تحطيم الإنسان؛ إذ ترصد التحول النفسي لكريم الناصري من شاب مؤمن بالتغيير إلى شخصية فاقدة للأحلام والمعنى بعد تجربة الاعتقال والتعذيب. ومن خلال رمز «الوشم»، تكشف الرواية كيف يظل الخوف والاتهام يلاحقان الفرد حتى بعد تخليه عن أفكاره، لتتحول مأساة البطل إلى انعكاس لأزمة الإنسان العربي في مواجهة الاستبداد والهزيمة.
تعد رواية «الوشم» للكاتب العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي من أكثر الروايات العربية قبولًا وتناولًا للتحليل والدراسة منذ سبعينيات القرن الماضي وحتى الآن، ولا نحصر هذا الاهتمام في النطاق العربي، وإنما حظيت الرواية باهتمام عميق من الأقلام الغربية، وهو ما لا يتكرر كثيرًا حتى مع غزارة الإنتاج العربي من الرواية، وهو ما يدفعنا للبحث عن مواطن خصوصية رواية «الوشم» على المستوى الفني، وكذلك على مستوى الطرح والمضمون.
وفي هذا المقال، نتناول رواية «الوشم» للكاتب عبد الرحمن الربيعي، ونعرض قراءة سريعة من خلال إبراز أهم السمات الأدبية والأفكار الرئيسية والأبطال، ونقدم تلخيصًا للرواية بما لا يخل بتجربة القراءة والمتعة التي يمكنك الحصول عليها عند الرجوع إلى العمل وقراءته في أي وقت.
عن الكاتب عبد الرحمن مجيد الربيعي
يعد الكاتب عبد الرحمن الربيعي من أبرز الأسماء العربية في مجال الرواية، وهو من مواليد عام 1939، وتخرج من معهد الفنون الجميلة في بغداد، وجاءت أول أعماله القصصية عام 1966 بعنوان «السيف والسفينة»، وكان له باع في مجال الصحافة والعمل الدبلوماسي، وقد شغل منصب مستشار صحفي لدولة العراق في بيروت، بالإضافة إلى عضويته في اتحاد الكتَّاب العراقيين ونقابة الصحفيين.
للكاتب عبد الرحمن الربيعي عدد من الإسهامات الإبداعية في مجال القصة والرواية والشعر والدراسات النقدية، وتعد روايته «الوشم» من أكثر أعماله شهرة وتداولًا على المستوى النقدي والانتشار داخل وخارج الوطن العربي. كما كان دائمًا مهتمًا ودارسًا للرسم والفن التشكيلي، غير أنه لم يهتم كثيرًا باحتراف الفن حتى توفي عام 2023 عن عمر ناهز 83 عامًا.
على مستوى الأسلوب الأدبي، فقد كان عبد الرحمن مجيد الربيعي أحد الكتَّاب الذين سعوا إلى كتابة مغايرة، فحاول كثيرًا الاستفادة من الطرح الغربي في القصة والرواية على مستوى الإبداع والنقد، مع الاحتفاظ بالهوية والملامح العربية، في مرحلة شهدت تغيرات كبيرة في شكل الرواية العربية.
كما كان يهتم كثيرًا بانتقاء شخصياته من الواقع، والتعبير عن الآلام والمشكلات الحقيقية التي يعاني منها الإنسان العربي. وبالتالي، كانت قضية عبد الرحمن الربيعي تتسع لتشمل الواقع الإنساني من المحيط إلى الخليج، وهو ما يظهر في رواية «الوشم» والكثير من أعماله الأخرى.

عن رواية الوشم
تأتي رواية «الوشم» لتلقي الضوء على أحد أمراض المجتمع العربي، وهو الظلم والاضطهاد من قبل السلطات، والقمع المستمر لأي أصوات مخالفة، في ظل الاعتقالات المستمرة، والسجن لأوقات طويلة، والبطش الذي ساد في الستينيات من القرن الماضي، وبالتحديد بعد الثورة العراقية عام 1958.
وتدور أحداث الرواية لتنقل لنا الصراع الذي يدور على أرض الواقع، والصراع الذي يدور في صدر البطل، الذي جسّد الثورة والأمل والخيبة والهزيمة والتحول والضياع، ليس فقط كمجرد شاب عراقي خاض تجربة صعبة مع الاعتقال، وإنما بوصفه مواطنًا عربيًّا يعيش مسجونًا سواء في السجن أو في الوطن، طالما لا يستطيع تغيير هذا الحال، ولا يملك الأدوات، ولا يُسمح له، بل ويعيش مطاردًا يحمل «وشم مواطن غير صالح».
تنسحب أحداث الرواية إلى الواقع العربي القومي، إذ تتكرر الأحداث نفسها بتفاصيل مختلفة في معظم الدول العربية، ويسود الحكم العسكري والاستبداد، والمحاولات المستمرة غير الكافية من نخبة المثقفين لتغيير الأوضاع، وذلك يتوازى مع ضعف كبير في الحركات والفئات التي يقع عليها عبء التغيير والمقاومة، والمعتقلات التي تمتلئ بأصحاب الرأي والمثقفين، بالإضافة إلى الأشخاص الذين انضموا إلى أحزاب معارضة ظنًا منهم أنها الوسيلة الممكنة للتغيير.
يجب أن نشير إلى أن رواية «الوشم» لكاتبها العراقي عبد الرحمن الربيعي، التي صدرت عام 1972، نالت كثيرًا من التقدير والبحث والتنظير، حتى إن البحوث والدراسات التي صدرت في مجلات أدبية معروفة عن الرواية بلغت 74 بحثًا، معظمها كان خارج العراق، ومنها كانت أطروحة قوية للدكتوراه قامت بها الباحثة الإيطالية ماتيلدا جالياردي، بالإضافة إلى المئات من الدراسات والمقالات في الصحف المتنوعة.
تنتقل الرواية بين ثلاثة أزمنة، ربما لم تكن فقط أزمنة تراتبية يعيشها بطل الرواية، وإنما أزمنة نفسية تشهد كثيرًا من التحولات على مستوى المواقف والرؤى، وتشير إلى نجاح الفكر الاستبدادي في قمع الأفكار وتحويل الشخصيات كتجربة متكررة في معظم البلدان العربية، إذ انتقل البطل من زمن الحلم والأفكار الثورية والانضمام إلى أحد الأحزاب اليسارية طمعًا في التغيير وصناعة المستقبل، إلى زمن آخر، وهو زمن المعتقل والسجن والسقوط والانكسار والانهزام، وتقبّل فكرة التخلي عن كل الأحلام والأفكار الثورية، وبالتالي مرحلة التحول تحت الضغط والبطش.
ثم يأتي الزمن الثالث، وهو خروج المعتقل بشخصيته الجديدة إلى واقع السقوط القيمي والنفسي، بين الخمور والنساء وغياب المثل والأحلام، وكأنه يسقط إلى منطقة أبعد من التخلي عن أفكاره الثورية. كما أنه يكون محل شك واتهام دائم من السلطة باعتباره حصل على «الوشم»، وهو وشم المواطن غير الصالح، وحتى مع مرور السنوات، فإنه يبقى معرضًا للسجن والاعتقال في أي لحظة.
ملخص رواية الوشم
تدور أحداث الرواية في العراق بين عام 1958 الذي شهد قيام الثورة العراقية، وحتى عام 1967، وهو عام النكسة والهزيمة العربية، ويظهر فيه بطل الرواية كريم الناصري الذي ينحدر من عائلة فقيرة تعمل في الفلاحة، بالإضافة إلى كونه من مدينة الناصرية، وهي مدينة تعيش ظروفًا صعبة وتتسم بكونها مناضلة ومقاومة لتلك الظروف.
ويلقي الضوء على كريم الذي يمثل الشباب العراقي المثقف الذي يبحث عن التغيير والبطولة والمشاركة في صناعة الأحداث بكثير من الحماس والوعي وقليل من الخبرة، فينضم إلى أحد الأحزاب اليسارية التي تستوعب نشاطه وثورته وحماسه الكبير في المشاركة.
في أثناء هذه المرحلة، كانت تجري حملات اعتقال كبيرة للأصوات المعارضة، وقمع مستمر لأي محاولة للمعارضة، وملاحقة ظالمة لكل العناصر التي ترفض أن تسير مع القطيع. وبالتالي، قُبِض على كريم ودخل المعتقل ليتعرض للتعذيب بسبب أفكاره وقناعاته وانحيازه، ويتعرف على جانب آخر من الوطن المهزوم الضائع، ويرى ألوان الظلم والفساد والقمع من الداخل.
وتدور بينه وبين شخصيات أخرى داخل المعتقل حوارات تجسد الصراع النفسي الذي يدور داخل كريم وداخل الشخصيات الأخرى، التي يركز الكاتب عبد الرحمن الربيعي أن تكون شخصيات متنوعة من جميع طبقات الشعب ومن مختلف الاتجاهات والتيارات السياسية، حتى إن بعض المساجين لا ينتمي لأي تيار سياسي، وإنما تضرب يد البطش والظلم دون أن ترى، فلا مانع من القبض على أشخاص ليس لهم أي نشاط أو توجه ضمن حملات القمع والاستبداد.
ما يحدث داخل المعتقل يؤدي إلى سقوط شخصية كريم الناشط السياسي الشاب المتحمس، صاحب القيم والمبادئ والرغبة في العدالة والمساواة، فينقلب على هذه القيم ويهاجم الأحزاب، سواء كان الأمر خوفًا من السلطة ونفاقًا للحاكم المستبد، أو حتى من باب سقوط القيم والمبادئ والمثل العليا في ذهن البطل الذي نال من الظلم ما يجعله يفقد وعيه واتزانه.
وبالتالي، يحدث تحول كبير في شخصية البطل ليدخل في مرحلة جديدة، يفقد خلالها كل ملامح شخصيته القديمة، ليتحول إلى شخصية مبتذلة لا تؤمن بشيء، ولا تحلم بشيء، وإنما تبحث فقط عن الحياة كأي حيوان يأكل ويشرب ويستمتع بشهواته دون الانشغال بما يحدث من حوله.
تبدأ مرحلة جديدة في حياة البطل كريم الناصري بعد الخروج من المعتقل، إذ ينتقل إلى العاصمة بغداد ليعمل هناك بإحدى الجرائد ليمارس الصحافة، بجانب عمله في شركة أخرى لا يوضح الكاتب عنها أي معلومات، إلا أن الوضع العام للبطل كان أشبه بالضياع والتشرد، إذ يعيش حياة قائمة على ممارسة الجنس مع البغايا مقابل المال، وشرب الخمر، بالإضافة إلى علاقات أخرى وشخصيات يتعامل معها البطل، مثل مريم زميلته في الجريدة، المرأة الجميلة المتزوجة التي لديها ولدان، وكذلك زميلته الأخرى سلمى، الطالبة الجامعية الشقراء.
وعبر الحوارات بين البطل والشخصيات، نتعرف على الواقع العراقي في تلك المرحلة، ونستشعر الأزمة التي وقع فيها كريم بعد القمع والاضطهاد، والسقوط في بئر الاشمئزاز والتخبط، وكأنه الواقع العربي الذي تحول من الإيمان بالمبادئ السياسية والقدرة على التغيير إلى حياة السقوط في الملذات وغياب الوعي وضياع المستقبل.
يستعمل الكاتب عبد الرحمن الربيعي في سرد الرواية مستويين من السرد، يقوم أحدهما على خطاب البطل كريم الناصري الذي يعد الشخصية الرئيسية التي تتفرع منها الأحداث، ومستوى آخر من السرد، وهو ضمير الغائب الذي يؤدي دور الراوي عندما يتحدث عن كريم، موجهًا خطابه إلى قارئ الرواية.
وأحيانًا يتقاطع المستويان الخطابيان بطريقة رائعة تعكس التجريبية العالية من الكاتب، خاصة إذا وضعنا الأمر في إطاره الزمني، إذ كانت تلك التقنية صعبة ونادرة في ذلك الوقت، وهي من الأمور التي وضعت الرواية في منطقة مختلفة على مستوى التنظير السردي لما أُطلق عليه «الرواية الجديدة»، وهو ما يُحسب للكاتب عبد الرحمن الربيعي.

إشارات في رواية الوشم
لعل أبرز الإشارات التي نلاحظها في رواية «الوشم» هي الشخصية الانهزامية التي تتجلى في الصراع العميق والتحول الكبير الذي يطرأ على بطل الرواية، وتبدأ ملامح الشخصية في التكشف مع الاستذكار والتداعي والوصف والحوار والأسئلة التي لا تستطيع الإجابة عليها، في حالة مركبة بين الحاضر والماضي والمستقبل، ويمكن قراءتها باعتبارها إسقاطات قد تؤدي في الأخير إلى حالة من حالات الجنون أو العجز أو الهجرة.
كما أن الكاتب أضاف إلى الشخصية عدة سمات يمكن اكتشافها مثل الوعي والتراث الثقافي، لتصبح شخصية مركبة، لكنها تعاني الاضطهاد والحرب من المؤسسات الاجتماعية والدينية والسياسية، وينسحب ذلك على الشخصية العربية، أو بالأحرى شخصية المثقف اليساري العربي.
الإشارة الأخرى التي تدور حولها الرواية هي إشارة «الوشم»، الرمز الدال على الاضطهاد والقمع، إذ يُوشم الشخص الحامل أفكارًا معارضة أو توجهات ثورية أو رغبة في التغيير، ولا ينزوي تحت لواء السلطة والنظام الحاكم.
وحتى بعد تعذيبه وسجنه وإجباره على التخلي عن مبادئه، فإن «الوشم» يبقى ملازمًا للمواطن لبقية عمره، ليظل دائمًا محل شك، محاصرًا بالخوف. ويظهر هذا الوشم في أحداث الرواية حين يرى كريم الناصري، بطل الرواية، وشمًا على جسد إحدى الفتيات اللاتي يمارسن البغاء، فيسقط عليه معنى «الوشم» الذي بات يميّزه هو نفسه بعد أن فقد قيمه العليا.
وهو إسقاط ينطبق أيضًا على المواطن العربي، الموشوم بدوره، الذي لا يختلف وضعه كثيرًا عن تلك الفتاة التي تمارس الجنس مقابل المال، ولا عن كريم الغارق في شهواته، والماضِي في السقوط.
وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن قراءة سريعة لرواية «الوشم» للكاتب العراقي عبد الرحمن مجيد الربيعي، التي صدرت عام 1972، وجاءت في المركز الثاني عشر على لائحة أفضل 100 رواية عربية، تظل هذه الرواية علامة فارقة في تاريخ الرواية العربية، شاهدة على آلام مرحلة تاريخية عصيبة، ومجسدة للصراع الأزلي بين الفرد والسلطة الجائرة.
لقد نجح الربيعي في تقديم عمل أدبي متكامل، جمع بين التميز الفني والجرأة في الطرح، فحظي بقبول واسع من القراء والنقاد على حد سواء، لذا فإن قراءة هذه الرواية رحلة تأمل في واقع الإنسان العربي، ودعوة لمراجعة الذات وبناء مستقبل أفضل خالٍ من الظلم والاضطهاد.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.