يختم الألماني باتريك زوسكيند رائعته رواية «العطر: قصة قاتل» بمشهد سريالي صادم؛ فعند عودة بطل الرواية جان باتيست غرونوي إلى باريس، يتجه لا شعوريًا إلى مسقط رأسه، إلى أكثر أمكنة العاصمة عفونة: سوق السمك.
هناك، يقرر صبَّ قارورة عطره السحري بالكامل فوق جسده، مما يحوله في أعين الحشود المتواجدة من عاهرات وسكارى ومتشردين إلى هيئة ملاك، فينجذب إليه هؤلاء بعنف ووحشية، لدرجة نهش جسده وافتراسه، وبعد نصف ساعة فقط، لم يبقَ لغرونوي وجود على وجه الأرض.
عن ماذا تتحدث رواية العطر؟
تُعد رواية «العطر: قصة قاتل» للكاتب الألماني باتريك زوسكيند (ولد في 26 مارس 1949)، واحدة من أبرز الأعمال التي استعرضت فلسفة الحواس وسيكولوجية الجماهير، حيث تتبع حياة جان باتيست غرونوي الذي وُلد في أكثر أمكنة باريس عفونة وهو «سوق السمك».
تميز بطل رواية العطر بامتلاك حاسة شم خارقة للطبيعة ترافقت مع خلو جسده من أي رائحة بشرية، مما دفعه إلى الانعزال عن العالم في رحلة بحث عن هويته من خلال الروائح، قبل أن يتحول هذا البحث إلى هوس إجرامي يهدف لامتلاك «العطر المثالي» القادر على إخضاع البشر.
تطرح الرواية بُعدًا فكريًا يتجاوز السرد القصصي، حيث تُصور العطر كأداة للتلاعب بالعقول (Mind Manipulation)، وهي آلية تختلف عن التجييش التقليدي؛ إذ تُحول البشر في لحظات إلى قطيع غرائزي تحت تأثير المادة الكيميائية.
وتستلهم رواية العطر القاتل مفاهيم من كتاب «سيكولوجية الجماهير» لغوستاف لوبون، مبرزةً كيف تذوب استقلالية الفرد الفكرية لصالح روح جماعية موحدة تنقاد خلف المحفزات الحسية، مما يجعل من البطل «سيدًا» استثنائيًا نجح في نقل عدواه الباطنية إلى الجمهور عبر حاسة الشم.

العطر أداة للتلاعب بالعقول
المثير للانتباه في هذا الطرح، هو ما يشبه أدب الخيال العلمي في بادرة سباقة؛ حيث استخدم الروائي المادة الكيميائية للتأثير على الحشود بسرعة فائقة، وهي آلية تختلف عن الطقوس الدينية أو التجييش الإعلامي والعاطفي الذي نشهده اليوم. إنها عملية تلاعب بالعقول Mind Manipulation، عملية تحوّل البشر في لحظات وبدون سابق تحضير إلى قطيع غرائزي شره للدم والعنف.
ما الذي ألهم زوسكيند هذا الخيال؟ هل كان يتابع أسرار المختبرات العلمية التي تسعى لامتلاك تكنولوجيات قادرة على التحكم في الجماهير عن بُعد وتحويلها إلى كتل هستيرية؟
هل استوطن غرونوي في أحشاء الحشد؟
إن المتأمل في تلك الخاتمة يجد أن أحدًا لم يتعاطف مع القاتل غرونوي في نهايته المأساوية، ولم تشفع له مأساته عند القراء بالنظر لجرائمه الفظيعة. لكن الروائي ترك الباب مفتوحًا أمام تساؤل مخيف: هل استوطن جزء من غرونوي أحشاء وعقول ذلك الحشد؟ وهل تغيرت طبيعتهم الفسيولوجية والسيكولوجية بعد تلك الوليمة البشرية؟
هل تحولوا إلى كائنات راقية تتحسس الجمال والأناقة من خلال ذلك العطر، كمفهوم الحضارة الذي تعيشه الإنسانية اليوم؟ أم أن جينات القاتل قد تبرعمت داخلهم، وزرعت بذور الإجرام والوحشية في سلالاتهم؟ وهناك خيار ثالث يتناغم مع مفهوم حروب الإبادة ونشر الأوبئة بطرق مبتكرة كما نعيش في العصر الحالي.
سيكولوجية الجماهير
هل يستعير زوسكيند من كتاب سيكولوجية الجماهير لغوستاف لوبون فكرته المحورية؟ وهي أن الفرد حين ينخرط في جمهور يفقد شخصيته الواعية وتذوب استقلاليته الفكرية لصالح روح جماعية موحدة، ويتصرف الشخص بناءً على دوافع غريزية ولاواعية تختلف تمامًا عن سلوكه كفرد منعزل.
ولكن هذا القطيع الذي لا غنى له عن سيد، وجد سيده في أكثر الناس غرابة وإجرامًا! فهو دون إطلاق شعارات، ودون تكرار أفكاره، نجح في نقل العدوى المستوطنة في داخله إلى الجمهور عن طريق حاسة الشم وبثوانٍ معدودة.
ماذا حول الحواس الأخرى كالسمع والبصر؟ هل يحذرنا زوسكيند من فرط الانسياق وراء التقانات القادرة اليوم -عن طريق ذبذبات مرسلة مثلًا بأقمار صناعية- من السيطرة على عقل وجسد الجمهور؟! هل يقصد الإنترنت مثلاً؟ هل نستشف أن زوسكيند يستبصر العلم والتقانات الحديثة كخطر على البشرية؟ هل المعرفة المتراكمة هي وبال علينا؟

الرمزية الألمانية في الرواية
قدم لنا الروائي غرونوي كمجرم ذكي، مصمم، وقادر على التحكم في الجموع، فهل كانت نهايته انتحارًا مقصودًا للتخلص من عذاباته الروحية؟ أم أنها كانت عملية استنساخ وإعادة انتشار؟
لا ننسى أن الروائي ألماني، وتدور أحداث روايته في فرنسا منذ ولادة بطلها عام 1738. فهل منتصف القرن الثامن عشر، وما شهده من يقظة للروح القومية الألمانية العنيفة نتيجة الإحساس بالاضطهاد، هو الرمز المختبئ خلف الرواية؟ خاصة وأن اجتياح نابليون لوسط أوروبا قد أخرج المارد من قمقمه، وجمع شتات الولايات الألمانية المتنافسة في دولة واحدة اجتاحت باريس لاحقًا لمرات عدة.
هل غرونوي هو تمثيل لـ هتلر؟ الألماني المأزوم، المرفوض، والمتهم الحانق الذي حُكم عليه بالتقوقع، لكن عطره ما زال -كما يشير الراوي- يسكن هضاب وسهول ألمانيا، سواء شاء التاريخ أم أبى.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.