ملخص رواية العذبة/ الوديعة لفيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي

تظهر رواية «العذبة» لدوستويفسكي المأساة النفسية لصراع السيطرة والكبرياء بين الزوجين التي قادت الفتاة الشابة للانتحار هربًا من القهر العاطفي.

ملخص رواية العذبة 

نُشِرت هذه الرواية أول مرة في شهر تشرين الثاني / نوفمبر 1876 م ضمن كتاب (يوميات كاتب).

وتدور أحداث رواية «العذبة» أو «الوديعة» للكاتب الروسي فيودور ميخايلوفيتش دوستويفسكي عن صراع الكبرياء القاسي وسيكولوجية السيطرة في الزواج. ويروي القصة زوج «مرابٍ» يقف أمام جثة زوجته الشابة المنتحرة، محاولًا عبر مونولوج داخلي فهم سبب إقدامها على إنهاء حياتها بائسةً بعد حياة ممتلئة بالقهر العاطفي. ويحاول العودة لرشده بالرغم من قتامة أفكاره، وتجده يبرئ نفسه ويدينها بآنٍ واحد، ويظل يمعن التفكير إلى أن يصل إلى الحقيقة.

الكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي

الفصل الأول: من كنتُ ومن كانت؟

ها هي هنا الآن، إنني أذهب وأجيء فأنظر إليها في كل لحظة، لكنها ستُحمل غدًا، فأبقى وحيدًا، فماذا عساي أن أفعل؟ هي الآن مسجاة على طاولة، وتابوتها سيكون بالغد ناصع البياض ككفنها، حسنًا، سأخبركم بما حدث.

لقد جاءت إليّ تقترض بعض المال برهن بعض الأشياء، فقد كانت تريد دفع أجر إعلان بجريدة «الصوت» تذكر فيه أنها معلمة مستعدة للسفر… إلخ، وكنت أنا مرابيًا يقرض برهون، لم أميزها عن غيرها حينها، فقد كانت تأتي كسائر الناس، كانت نحيفة، شقراء، طويلة، ذات عينين زرقاوين، وتبلغ من العمر ستة عشر عامًا، ما إن تأخذ المال حتى تدير ظهرها وتنصرف، دون أن تنبس ببنت شفة، صحيح أن من بين المقترضات من يساومن للحصول على مبلغ أكبر، أما هي فلا.

في بادئ الأمر لفت انتباهي حليتها التي لا تساوي قرشًا، وقد كانت هي نفسها تعلم أن جواهرها لا تساوي شيئًا، لكنها كانت تعدها أشياء ثمينة؛ فتلك الجواهر هي كل ما بقي لها من والديها، جاءتني ذات مرة ببقايا معطف قديم من فراء الأرنب فلم أستطع أن أتمالك نفسي، فحدثتها متندرًا، فاحمرّ وجهها، وخرجت دون أن تقول ولو كلمة واحدة، ولملمت معطفها المهترئ وخرجت.

لقد عادت في الغد بمشرب سيجارة من خشب العنبر، فأعطيتها روبلين قائلًا: إنما فعلت هذا إكرامًا لك، ولو عرضت المشرب على (موزير) لرفضه، فاحمرّ وجهها، وأدركت أنني آلمتها، فحدثت نفسي قائلًا: هل كان يجوز أن أذلها من أجل روبلين؟ وقد علمت حينها أنها ذهبت إلى (دوبرونرافوف) و(موزير) حاملة معطفها البالي، ولكن هذين المرابيين لا يقبلان إلا الذهب.

دأبت لمعرفة تفاصيل حياتها الخاصة، وأخذت أنتظر مجيئها، ولما جاءت كلمتها بأدبٍ لم تعهده مني، فلاحظت عندئذٍ أنها طيبة، عذبة، وعلمت من قراءتي لصحيفة الصوت، أن الإعلانات الأخيرة تدل على أن مواردها قد نضبت، لقد قرأت بعدد اليوم من صحيفة الصوت إعلانًا جاء فيه: «فتاة يتيمة، تبحث عن وظيفة معلمة أو مربية لأولاد صغار، تُفضل العمل عند أرملة مسنة، والقيام بأعمال المنزل» فقلت لها: انظري، هذه نشرت الإعلان بالصباح وقد تجد عملًا بالمساء، فاحمرّ وجهها وانصرفت، وإذ بها تأتي بالغد لرهن أيقونة قديمة بها صورة للسيدة العذراء، مُغطاة بفضة مطلية بذهب، وقد لاحظت أن هذه الأيقونة عزيزة عليها، وهي مع ذلك أتت لترهنها، فأخذتها وقلت لها خذي تلك العشرة روبلات بلا حرج.

فقالت: لست بحاجةٍ لعشرة روبلات، أعطني خمسة فحسب.

فقلت لها: لكنها تساوي هذا المبلغ.

لكنها لزمت الصمت وأخذت فقط خمسة روبلات.

فقلت لها: لا تحتقري أحدًا، فأنا أيضًا كنت في عسرٍ وضيق، وأزاول مهنتي تلك لكثرة ما عانيت في حياتي...

فقاطعتني قائلة وهي تبتسم ابتسامة ساخرة: أنت تثأر لنفسك من المجتمع إذن، أليس كذلك؟

فقلت لها مازحًا: أنا جزء من ذلك الجزء من الكل، الذي يريد أن يصنع شرًا فيصنع خيرًا!

فسألتني: لقد سمعت هذه العبارة، من أين أخذتها؟

فأجبتها: لقد زكّى (مفيستوفيليس) بها نفسه لـ (فاوست)، فهل قرأت قصة «فاوست»؟

فقالت: لم أقرأها... بانتباه كبير.

فقلت: أي أنك لم تقرئيها البتة، ينبغي عليكِ أن تعترفي بذلك.

كانت تريد أن تقول: ما كنت أتوقع أن أجدك رجلًا مثقفًا.

لقد عزمت الأمر على تقصي أخبارها، فعرفت من (لوكيريا) -التي كانت خادمة ببيتهم- أهوال خفايا حياتها التي تعيشها كفريسة، كنت أكلم نفسي عنها منذ ذلك الوقت وكأنها صارت لي.

طلب الزواج

لقد مات والداها منذ مدة، فعاشت عبدة مع عمتين لها شريرتين، بل إن وصفهما بأنهما شريرتان لا يفي حقهما من الذم، كانت إحداهما أرملة ولها ستة أولاد، والثانية عانس شرسة، كان والدها كاتبًا بدائرة من دوائر الدولة، ولا مورد إلا راتبه، إن مستواي أنا أعلى من مستواه؛ فأنا ضابط متقاعد أبلغ من العمر واحدًا وثلاثين عامًا، وقد خدمت بكتيبةٍ مرموقة من كتائب الجيش، وأنتمي لأسرة نبيلة.

مع ذلك نجحت بدراستها، وقررت العمتان بيعها لبقال سمين في الخمسين من عمره، توفيت زوجتاه فطمع بالزواج منها لتربي له أولاده، ولطبيعة الأمر نفرت منه الفتاة، فلجأت لنشر إعلانات بجريدة «الصوت»، بعد أن طلبت من عمتيها إمهالها مدة قصيرة كي تفكر، ومرت الأيام وإذ بالبقال يأتي لدار العجوزين حاملًا معه رطلًا من الحلوى ثمنه خمسون كوبكًا، وكنت هناك حينها، فناديت (لوكيريا) من المطبخ، ورجوتها أن تذهب إلى الفتاة وتهمس بأذنها أنني أنتظرها أمام الباب لأبلغها أمرًا مهمًا جدًا، فسأطلبها للزواج، كنت أعلم أن البقال ينفرها أكثر مني، وأنا أطلبها للزواج ليس إلا تحريرًا لها ليس أكثر، على أية حال، لقد وافقت على طلبي.

أنبل الرجال وهو نفسه لا يصدق من الأمر شيئًا

لم أستطع النوم، ينبغي أن تفكر في الوحل الذي سأخرجها منه، لكم تمنيت أن نحتفل بزفافنا «على الطريقة الإنجليزية»، فلا يكون في الحفل سوانا والشاهدان، لكنها اعترضت، فاضطررت لزيارة عمتيها، وأعطيت لهاتين المخلوقتين مائة روبل، وقد رفضت أيضًا ابتياع ثياب جديدة، فأخبرتها أنه لا يمكن أن نتزوج بثيابها البالية، فتوليت أمر جهازها.

عمدت في بداية زواجنا للقسوة، فسرعان ما ألحت عليَّ بالمال، فقد كانت ضئيلة الحظ من الصبر، وما إن تعارضها حتى تزدريك وتحتقرك، بينما كنت أتميز أنا برحابة الصدر وسعة الفكر، ولكبرياء أردت منها أن أحظى باعتبار حين استقبلتها ببيتي لما عاشته من آلام، إن المروءة شيء جديرٌ بالإعجاب، ولكنها لا تساوي قرشًا واحدًا، لأن اكتسابها سهل، لذا، حاول أن تختار لنفسك مأثرة صعبة، مأثرة ترافقها النميمة، ولا تؤدي إلى أي مجد؛ مأثرة تظهر فيها -أنت الرجل اللامع- بمظهر الجبان الحقير بنظر الناس، مع أنك أشجع أهل الأرض.

كنت أتكلم معها بما يشبه الصمت، فأنا أستاذ بارع في فن الكلام بغير كلام، فن الكلام بالصمت، آه... أين أشقاني، لقد انفض عني الجميع وهجروني، دون أن يعلم بذلك أحد في يوم من الأيام، وها هي تتخيل بعد أن سمعت عني كلامًا من أشخاص ليسوا بشرفاء، أنها تعرف كل شيء، بينما ظل سري محبوسًا في قرارة نفسي، وإذا سألتموني لماذا صمتُّ، قلت لأنني متكبر.

كانت في أول الأمر تناقشني كثيرًا، ثم لزمت الصمت، أصبحت تكتفي بأن تحملق حين تسمع كلامي حملقة شديدة، وتنصت إليَّ إنصاتًا رهيبًا، ولمحت بوجهها ابتسامة صامتة ساخرة تنم عن أنها لا تصدقني، لقد أردت منها أن تعرف كل شيء بنفسها، دون أن أقول أنا لها، ودون أن تعتمد على نمائم دنيئة ووشايات خسيسة، أردت أن تحزر بنفسها من أنا.

خطط وخطط أخرى

لقد رفقت بها، كنت قد شرحت لها حين كنا مخطوبين، أنها سيكون عليها تولي تلقي الأشياء المرهونة وأن تؤدي مبالغ الإقراض، فلم تعترض، وكنت قد أبلغتها أننا سننفق على طعامنا روبلًا واحدًا باليوم، فلم تعترض، لكنني زدت المبلغ من تلقاء نفسي ثلاثين كوبكًا للإنفاق على حاجات البيت، وأعلم أن المرأة لا تملك إلا أن تطيع زوجها، والمرأة التي تحب، تعشق فيمن تحب حتى عيوبه وسيئاته، إن تلك الجثة المسجاة على المائدة الآن لا قيمة ولا شأن لها.

إن البيت والأثاث وكل شيء قد بقي كما كان في الماضي، إن بيتي يتألف من حجرتين، إحداهما صالة كبيرة جعلتها مكتبًا، والثانية صالة واسعة جعلناها غرفة نومنا، وكان أثاث بيتي ليس به شيء من بريق، حتى إن أثاث مسكن العمتين كان أحسن منه، وبصالة المكتب توجد أيقونات وصندوق الإقراض، وبغرفة النوم توجد خزانتي التي تضم عددًا من الكتب، إضافةً لمقاعد وسرير وطاولة.

كنت قد قلت لها إننا لن نذهب إلى المسرح أبدًا، لكنني مع ذلك سمحت بالذهاب مرة في الشهر، كنا نذهب للمسرح صامتين، ونعود منه كذلك، لماذا التزمنا الصمت منذ أول يوم؟ بالرغم من عدم نشوب أي شجار من البداية، كلا؛ لقد انفجرت مرة أو مرتين، واندفعت إليَّ تريد أن تعانقني وتقبلني، ولكنني استقبلت اندفاعها ببرود، فلم أكن أرغب منها سوى باحترام وتبجيل، فاتخذ وجهها العذب تجهمًا وشراسة، وأضحت تنفر مني وتكرهني، وأصبحت تشتكي من اقتصادي وتوفيري، وعدته فقرًا! وفجأة امتنعت عن الذهاب للمسرح، وازدادت لذاعة ابتسامتها الساخرة، فضاعفت الصمت من جهتي.

اسمعوا أيها القراء الأعزاء: من حقي أن أخرج من المأزق بفتح مكتب إقراض، لقد نبذتموني يا معشر البشر بصمتكم الذي يفيض ازدراءً، لذا، يتوجب عليَّ حماية نفسي منكم بجدار، سأجمع ثلاثين ألف روبل، ثم أمضي إلى مكان بالقرم على الشاطئ الجنوبي أقضي فيه حياتي على تلال مزروعة بأشجار الكرمة، وأحيا أنا وزوجتي مع أولادي بعيدًا عنكم.

إن السبب في ذلك الصمت المتكبر هو أنها لن تفهم الأمر؛ فهي بمطلع الصبا، فما الذي كان يمكن أن تفهمه من تبريراتي؟ إن طبعها عفوي وساذج، ثم إنها جاهلة بالحياة، ورأسها مترع بالآراء السهلة كسائر الشباب، وتنظر فقط لصندوق الإقراض بالربا ولا ترى سواه، فأنَّى لها أن تدرك! ولكن هل كنت مرابيًا جشعًا لا يرحم؟ ألم تر بنفسها أنني لا أغتني كثيرًا؟ يا للحقيقة ما أشدها هولًا! إن تلك اللؤلؤة العذبة، كانت لي جلادًا لا يرحم! أتظنون أنني كنت لا أحبها؟ من يستطيع أن يزعم ذلك؟

إن اللعنة تطارد حياة البشر عمومًا، وحياتي أنا بشكلٍ خاص، إنني أدرك أن هنالك أمرًا أخطأت فيه التقدير! كانت خطتي صافية صفاء النهار: هو قاسٍ، صلف، لا تواسيه تعزيات غيره، فيتألم ويتعذب صامتًا، إنها إن أدركت، ستقدرني عشرة أضعاف قدرها لي الآن، تلكم كانت خطتي.

كفى، ممن أطلب العفو؟ لقد انتهى كل شيء، أيها الرجل الجسور، كن متكبرًا صلفًا، فلست أنت المذنب، لسوف أقول الحقيقة، ولن أخشى قول الحقيقة وجهًا لوجه، إنها هي المذنبة!

العذبة تتمرد

بدأت المشاجرات لأنها ارتأت أن تدفع للمقترضين ما تشاء، وأن تُقدر الأشياء المرهونة بمبالغ تفوق قيمتها كثيرًا، حتى لتعطي المقترض ضعفي قيمة الرهن. سأقص عليكم حكاية امرأة الضابط، فقد جاءت امرأة عجوز هي زوجة ضابط لرهن حلية أهداها إليها زوجها المتوفى، فأقرضتها ثلاثين روبلًا، وأمرتنا المرأة بالحفاظ عليها، ثم عادت إلينا بعد خمسة أيام لتستبدلها بسوارٍ لا تساوي قيمته ثمانية روبلات، فرفضت، لكنها لاحظت بعيني زوجتي شيئًا حينذاك، فجاءت في يومٍ آخر لم أكن موجودًا فيه، فردت إليها زوجتي الحلية وأخذت منها السوار.

فلما علمت بالأمر، قلت بضع كلمات بلهجة حازمة من أجل أن أردها إلى الصواب، فأخبرتها بهدوء أن المال مالي أنا. فلما سمعت كلامي ضربت الأرض بقدميها غضبًا، ودخلت في نوبة عصبية. في الواقع لم أكن أتوقع غضبها هذا، ومع ذلك حافظت على هدوئي، وأعلنت لها رغبتي بعدم مشاركتها في عملي منذ اليوم، فانفجرت ضاحكة، وخرجت من المسكن.

لم يكن من حقها أن تترك بيت الزوجية، وقد عادت بالمساء، ولم أنطق بكلمة، وخرجت بالغد وبعد الغد، فأغلقت مكتبي، وذهبت لبيت عمتيها، بالرغم من أني كنت قد قطعت علاقتي بهما منذ يوم زواجنا، فلا هما تأتيان إلي، ولا أنا أذهب إليهما، وقد علمت هناك أنها لم تأتِ لهما.

كما علمت من عمتها العانس -بعد أن رشوتها بمائة روبل- أنها علمت من صديقتها القديمة أرملة الكولونيل السيدة (جوليا سامسونوفنا)، أن الضابط (الليوتنانت يافيموفتش) -رفيقي بالجيش- له يد بالأمر، يا للهول، إن (يافيموف) هذا ألحق بي في الجيش أذى أكثر من أي شخص آخر، لقد أتى لمكتبي منذ شهر لإيداع رهن واقتراض المال، لقد تذكرت أنه أخذ يمازح زوجتي، فأمرته بألا تطأ قدماه بيتي بعد الآن.

لقد استأجرت الغرفة المجاورة للغرفة التي سيختلي فيها (يافيموف) بزوجتي، وقبل أن يحين الموعد بيوم، حدث بيني وبينها شجار كان ذا دلالة، لقد عدت للبيت بالمساء فرأيتها مفعمة بروح التمرد، بالرغم من أن عذوبتها كانت تمنعها من الانقياد لتمردها، سألتني فجأة: هل صحيح أنك طردت من الجيش لأنك خفت من الاقتتال في مبارزة؟

فأجبتها بالإيجاب، وأوضحت لها أني قدمت طلب تسريحي قبل ذلك.

فسألت: أطردوك لجبنك؟

فأجبت: أجل، عدُّوه جبنًا. فإذا بها تضحك ساخرة كعادتها، وأردفت تسأل: وهل صحيح أنك كنت بعد ثلاث سنين مشردًا في شوارع (بطرسبرغ)، وتنام على موائد البلياردو؟

فأضفت: وأنام أيضًا بسوق العلف، ولكن هذا أمر ومضى.

فقالت: آه، طبعًا! أنت الآن شخص مرموق، أنت الآن من رجال المال، لكنك لم تحدثني بشيء من هذا قبل زواجنا.

فلم أجبها، وخرجت.

بالغد كنت منتظرًا بالغرفة آنفة الذكر أتنصت عليهما وأنتظر مصيري ومعي مسدسي في جيبي، وسمعت مبارزة بين أنبل وأشرف امرأة وبين مخلوق وضيع حقير متصنع نذل خسيس، فحدثت نفسي مندهشًا، كيف تعلمت تلك المرأة الساذجة كل هذا؟ إن أبرع كاتب مسرحيات لا يستطيع تصور مشهد كهذا، مشهد تعبث فيه الفضيلة أبدع العبث بالرذيلة، كانت تضحك بشدة من تصريحه بحبه لها، فقد اصطدم بمقاومة وولّت ظنونه كلها سدى، صحيح أنني كنت مقتنعًا بكرهها لي، ولكنني كنت مقتنعًا ببراءتها.

فتحت الباب فجأة، ودخلت عليهما، فانتفض (يافيموف)، وأمسكت يدها ودعوتها للذهاب معي، فانفجر (يافيموف) ضاحكًا وقال: خذها، ثم صاح: إنني رهن إشارتك، رغم أنه لا يسع رجلًا شريفًا أن يبارزك دون أن يُخفض من قدره، هذا إذا كان لك من الشجاعة ما يدفعك لطلب المبارزة.

ولم أتفوه بكلمة حتى وصلنا بيتنا، وهناك، رمقتني بابتسامتها الساخرة، وكانت متيقنة من أنني سأقتلها، لكني لم أفعل ذلك، فقد استلقيت على فراشي، وظلت هي بمكانها، وكانت تلك أول مرة لا ننام سويًا في سرير واحد، بالمناسبة، كان مسدسي مألوفًا لها، لقد لقمته منذ فتحت مكتبي، فقد قررت حينها الاستغناء عن كلب الحراسة وعن الخادم، وكانت (لوكيريا) هي التي تفتح الباب للزبائن.

ذكرى فظيعة

استيقظت بالثامنة، فرأيتها تمسك المسدس بالقرب من المائدة، على الرغم من أنها لم ترَ أنني استيقظت، فوجدتها تُقبل عليّ، فتظاهرت بأنني ما زلت نائمًا، لكني اضطررت لأن أفتح عيني، فرأيتها تُحدق بناظريها نحوي بنظرة ثاقبة، وقد استقرت فوهة المسدس على صدغي، التقى بصرانا، فأجبرت نفسي على أن أُغمض عيني ولا أفتحها مهما حدث، كان بإمكانها أن تفترض أنني ما زلت نائمًا فعلًا، لا سيما أني أغمضت عيني بعد أن رأيت، لكن الأمر لا يُعقل أن يحدث، إنها إذا استنتجت أني غير نائم، فلابد أن يكون رضاي بالموت قد سحقها سحقًا.

طال الصمت، وأحسست ببرودة ملمس الحديد على صدغي. ربما يسأل البعض هل كنت آمل بأن أنجو؟ اعلموا أن أملي لم يزد عن واحد بالمئة، وقد تسألونني أيضًا: لماذا لم تمنعها؟ فأجيبكم بأن نفسي كانت ممتلئة باليأس.

لم أتمالك نفسي، ففتحت عيني، فرأيت أنها قد غادرت الغرفة، فنهضت من سريري، وجلست على المائدة صامتًا، وتناولت من يديها كأسًا من شاي، وألقيت عليها نظرة فوجدتها شاحبة، وكانت تنظر إليَّ بعينيها تسأل: أيعلم أم لا؟

لما انتهيت من احتساء الشاي، أغلقت المكتب، ومضيت إلى السوق فابتعت سريرًا لها من حديد، وحاجزًا، وعدت للبيت، فأدركت حينها أنني رأيت كل شيء، وفي تلك الليلة تركت المسدس على المائدة كعادتي، ورقدت هي صامتة على سريرها الجديد، وهكذا قد انحل الزواج، وقد انتابها في تلك الليلة هذيان، واتضح بالصباح أنها أصيبت بحمى.

الفصل الثاني: حلم خيلاء وصلف

أبلغتني (لوكيريا) أنها سترحل بعد وفاة سيدتها، والشيء العجيب أنني لم أشعر برغبة بالنوم، بالرغم من أن المرء حين يعاني حزنًا كبيرًا لا يشتهي إلا أن ينام.

في أثناء مرضها الذي استمر لستة أسابيع كنا نتناوب عليها ليل نهار أنا و(لوكيريا) وممرضة، فلم أبخل عليها، حتى إنني استدعيت الطبيب (شرودر) ودفعت له عشرة روبلات، وحينما عاد إليها وعيها، أصبحت لا أُريها وجهي إلا من حين لآخر، وظلت خلال مدة النقاهة بغرفتي قرب مائدة كنت قد اشتريتها لها مع السرير ملتزمة الصمت كما عهدتها.

بلا شك لا يتصور أحد ما عانيته من ألم في أثناء مرضها، فلم يطمئن قلبي إلا حين زال عنها الخطر واستردت عافيتها.

لقد مررت في حياتي بظرف أليم، وهو فقداني سمعتي وطردي من الجيش. هناك حقيقة ينبغي ذكرها، هي أن رفاقي منذ كنت بالمدرسة كانوا لا يحبونني كوني صعب المراس، ولكن ما وقع لي بالجيش كان مصادفة.

إليكم ما حدث، في مدّة الاستراحة -في أثناء حضوري مسرحية من المسرحيات- مضيت لشرب شيءٍ ما، فرأيت ضابطًا بسلاح الفرسان، يقول لرفيقين من رفاقه بصوتٍ عالي أمام الجمهور، إن قائد فوجنا (بيزومتسيف) قد أثار فضيحة في دهاليز المسرح، وأنه ربما كان ثملًا، وكان هذا كذبًا كونه لم يكن كذلك، ولا كان ما حدث كافيًا بأن يعد فضيحة.

عَلِمَ فوجنا بالغد بالقصة، وإني لم أحتجّ على كلام ضابط سلاح الفرسان الوقح، لكن ما شأني أنا، مع ذلك لم يعدّوا الأمر أمرًا شخصيًا، وارتأوا أن الإهانة قد لحقت بالفوج كله؛ وطالما لم يرَ ما حدث أحد من ضباط الفوج سواي، فإنني بسكوتي قد برهنت للجمهور أنه يمكن أن يضم فوجنا ضباطًا لا تثيرهم إهانة تلحق بشرفهم هم وفوجهم، وأبلغوني أنني ما زلت أستطيع إصلاح الأمر، بأن أدعو ضابط سلاح الفرسان لمبارزةٍ غسلًا للعار، فلم أرغب بذلك، فقدمت استقالتي، تلكم قصتي.

كان بإمكاني أن ألتمس وظيفة مدنية، لكنني لم أرتضِ لنفسي هذا؛ فكيف يمكن أن أقبل وظيفة من الوظائف بالسكك الحديدية، بعد أن كنت أرتدي بزة عسكرية، وهكذا بقيت على هذه الحال ثلاث سنوات، وقد شاء القدر أن زوج أختي، القاطن في (موسكو)، قد بدد إرثنا المتواضع، فصرت بالشارع لا أملك قرشًا.

منذ سنة ونصف، ماتت مربيتي العجوز الثرية في (موسكو)، فأورثتني بوصيتها مبلغ ثلاثة آلاف روبل، فعزمت الأمر أن أفتح بذلك المال مكتب إقراض برهون، وقلت لنفسي: هكذا سأجني مالًا، فأكوِّن أسرة، وأبدأ حياة جديدة بعيدة عن ذكريات الماضي.

كيف لي أن أقنعها بأنني لست جبانًا، وأن اتهامي في الجيش بالجبن كان ظلمًا كما علمتم، لا يمكن أن أكون بعد الآن بنظرها جبانًا، بل على الأرجح إنسان غريب الأطوار، وهذه فكرة لا يمكن أن تسوءني.

لجأت العذبة في مدّة مرضها لقراءة كتبي وتطريز بعض الأغطية، وكنت أصطحبها كل يوم بعد العشاء بنزهة، فنتروض قليلًا، دون أن نلتزم بصمتنا المعتاد، ومع ذلك حرصنا على ألا يطول الحديث.

أذكر أنني في تلك المدّة فعلت خيرًا؛ فقد ألغيت دينين، وأقرضت امرأة فقيرة بعض المال دون رهن، وتعمدت ألا أذكر ذلك لزوجتي، ولكن المرأة جاءت تُعبّر عن امتنانها، فعلمت امرأتي وبدا لي أنها شعرت بالسرور.

آه… لكأنما كانت على عيني غشاوة وزالت، فإذا بي أفهم كل شيء، لقد وقع الحادث بالخامسة مساءً.

الغشاوة التي سقطت

لاحظت عليها أن صمتها قد تحول لاكتئاب، ثم إنها صارت هزيلة نحيلة، فهرولت مسرعًا إلى الطبيب (شرودر)، فدهشت من مجيئه بشدة، وتبسمت بابتسامةٍ غير مفهومة وقالت: أنا بخير.

بعد أن تفحصها أخبرني أن عليها السفر إلى البحر أو الذهاب إلى الريف لاستنشاق الهواء، وحين انصرف قالت لي: أنا بخير، لست مريضة، حين قالت ذلك اصطبغ وجهها بحمرةٍ شديدة خجلًا كوني ما زلت زوجها، لكنني لم أفهم من ذلك شيئًا حينذاك، ونسبت احمرار وجهها إلى شعورها بالمذلة (آه من الغشاوة!).

في يومٍ من الأيام كنت جالسًا بمكتبي أُجري بعض الحسابات، فسمعتها تدندن بالغرفة المجاورة -في أثناء عكوفها على التطريز- أغنية بصوتٍ خافت، فشعرت بدهشةٍ رهيبة عجيبة، فيها ما يشبه أن يكون حقدًا ورغبة بالانتقام: «ماذا؟ أتغني بحضوري؟ أنسيت أنني هنا؟»، لم أكن قد سمعتها تغني قبل ذلك، اللهم إلا في الأيام الأولى من دخولها بيتي، أما الآن فإن غناءها ضعيف للغاية، ثم اعترتها نوبة سعال قصيرة.

سألت (لوكيريا): أهي تغني أول مرة؟

فلم تفهم (لوكيريا) ونظرت إليَّ مرتبكة وأجابت: كلا، هي تغني في أثناء غيابك عن البيت.

لقد سقطت الغشاوة أخيرًا عن عيني، فما دامت قد غنت بحضوري، فمعنى ذلك أنها نسيت، لكني لما دخلت عليها الغرفة، توقفت عن الغناء، وألقت عليّ نظرة دون اكتراث، فمضيت إليها، وجلست بقربها على مقعدٍ كالمجنون، فإذا بها تنظر إليّ مذعورة، فتناولت يدها، ولا أتذكر ماذا قلت لها، وقد انحبس صوتي، فلم أعد أنطق بحرف، ثم إني كنت لا أدري ما عساني أقول لها، لكني قلت لها: هلا تكلمنا قليلًا؟ قولي لي شيئًا.

فاندهشت أشد اندهاش، وكأنها تسألني لتفهم: أجئت الآن تطلب حبًا؟ قرأت ذلك بوجهها على الرغْم من أنها لم تقل شيئًا، فإذا بجسدي يهتز، وأهوي على قدميها، لقد اعتقدت بأن حيني قد حان، وأني أموت، لقد شعرت بخزيٍ رهيب حين رأتنّي أقبل قدميها، فسحبتهما، وضحكت شعورًا منها بالخجل، وكانت على وشك الدخول في نوبةٍ عصبية، أما أنا، فكنت أبكي، وأتكلم دون أن أجد إلى الكلام سبيلًا، كنت أتمتم قائلًا إنني أحبها ولن أكف عن حبها، وسأقضي حياتي كلها مصليًا لها، فإذا بها ترتعد وترتعش، وتدخل في نوبةٍ عصبية، فحملتها إلى السرير، وبقيت معها حتى هدأت، فرأيت بوجهها علامات الإعياء والإرهاق الشديد، وأمسكت يدي تترجى أن أهدأ، وتقول لي: «لا تعذب نفسك»، ثم استأنفت بكاءها.

لم أتركها طوال المساء، وظللت أقول لها إني سآخذها إلى (بولوني) لتستحم في مياه البحر، وإني قد سمعت في صوتها بالأمس من التحطم ما جعلني أقرر أن أغلق المكتب، وأبيعه إلى (دوبرونرافوف)، كما أخبرتها أننا سنبدأ كل شيء من جديد، فكانت تصغي إلى كلامي، وكان الجزع يجتاحها أكثر فأكثر، فكانت تراودني رغبة بأن أرتمي على قدميها مقبلًا مرة أخرى، وأن أقبل الأرض التي وطئتها قدماها، وأرجوها متوسلًا ألا تحبني وألا تكترث بشأني، فقط دعيني أنظر إليك، ولو من بعيد.

لم يكن بوسعي أن أفقد الأمل، كنت بذلك اليوم قد أرهقتها بكلامي، فخارت قواها حين هبط الليل، فأقنعتها بأن تنام، فنامت نومًا عميقًا، ولبثت أنا الليل كله أقوم في كل لحظة، فأقترب منها دون أن أحدث جلبة، كي أنظر إليها، وأتأمل وجهها.

آه… ألم تكن لا تزال حية؟ هي أمامي وأنا أمامها، غدًا تستيقظ، فأحكي لها كل شيء، ذلك ما كنت أفكر فيه حينها، وعلى هذه الحال كنت أنتظر بزوغ الفجر.

فهمت كل الفهم

كان هذا منذ خمسة أيام فحسب، بيوم الثلاثاء الماضي، ألم تكن قد هدأت؟ لقد أصبحت تُصغي إليَّ مبتسمة على الرغم من ارتباكها، إن ما كنت ألاحظه بها الخجل والارتباك والخوف أيضًا، لكنني لم أكترث بمخاوفها، إن فجرًا جديدًا قد بزغ، وكان لا بد أن أعترف لها بما أخفيته طوال حياتي.

فأخذت أهذي قائلًا لها: إنني كنت واثقًا بحبها، وأن وجود مكتب الإقراض هذا ليس إلا لضعف إرادتي وقلة حيلتي، وهو أسلوب ابتكرته لمعاقبة نفسي والمباهاة بها في ذات الوقت، وأن ما وُصِفت به من جبن كان حقًا، فقد كنت جبانًا فعلًا عندما حدث ما حدث بالمسرح، وأن خوفي لم يكن من المبارزة، بل من أن أظهر للملأ سخيفًا مضحكًا، وتزوجتها بعدئذٍ بذلك من أجل أن أعذبها، فأمسكت يدي وقالت: إنك تبالغ وتعذب نفسك، وأخذت تبكي من جديد، وأوشكت أن تدخل في نوبةٍ عصبية، وكانت ترجوني أن أصمت وألا أثير تلك الذكريات.

ولكني واصلت حديثي، فاقترحت عليها أن نوزع كل شيء على الفقراء، باستثناء الثلاثة آلاف روبل التي ورثتها من مربيتي، فبهذا المبلغ سنسافر لـ (بولوني)، ثم نعود ونبدأ حياة جديدة، لكنها لم تقل شيئًا واكتفت بالتبسم، على ما أظن كي لا تؤلمني، واتضح لي أن كلامي قد أتعبها.

أذكر أنها أخذت تقص عليّ بالغد وهي تضحك عما قرأته، وقالت لي يوم الثلاثاء: «كنت أظن أنك ستتركني على هذه الحال». كانت تعتقد بأن كل شيء سيبقى على حاله، فيجلس كلٌ منا عند مائدته، ونبقى على هذه الحال لسن الستين، وها أنا ذا أتدخل بصفتي زوجًا يطلب من زوجته أن تحبه، ذلك كان سوء فهمي، وتلك هي الغشاوة التي أعمتني.

اعترفت لها فجأة بكل ود عما أكنّه لها من احترام، وأنها تفوقني أدبًا وثقافة. فاحمرّ وجهها خجلًا وقالت إنك تبالغ، ثم وضعت رأسها في يديها وانفجرت باكية، فلم أستطع أن أكبح جماحي، فركعت على قدميها أقبلهما، فاعترتها نوبة عصبية حتى الصباح.

أدهشتني حينما اقتربت مني فجأة، وضمت ذراعيها لبعضهما بعضًا وأخذت تقول لي إنها مجرمة، وإن جريمتها ما برحت تعذبها حتى الآن، وإنها تقدر مروءتي قدرًا عظيمًا. وأضافت: «لسوف أكون خليلتك الوفية»، فانتفضت معانقًا ذراعيها كالمجنون، وقبلت وجهها وشفتيها.

غبت عن البيت ساعتين، فخرجت لأنجز إجراءات سفرنا للخارج، يا إلهي، لو أنني عدت مبكرًا، لكان يمكن ألا يحدث ما حدث، لقد رجعت للبيت، فإذا بي أرى أمام باب بيتنا حشدًا كبيرًا من الناس أبصارهم كلها تنظر إليّ.

أخبرتني (لوكيريا) أنه عقب خروجي من البيت بعشرين دقيقة، دخلت على سيدتها في غرفتنا لتسألها عن أمرٍ ما، فلاحظت أن أيقونة السيدة العذراء لم تكن بمكانها، فقد وضعت زوجتي الأيقونة أمامها على المائدة، فيما يبدو أنها كانت تصلي بتلك اللحظة، ثم سألتها: ما بكِ سيدتي؟ فأجابتها: لا شيء، اذهبي لشأنك، بل انتظري، وتقدمت منها وقبلتها، فسألتها (لوكيريا): «سيدتي، هل أنت سعيدة؟» فأجابتها: «أجل يا (لوكيريا)»، فقالت: «كان ينبغي لسيدي أن يطلب منك العفو منذ مدة طويلة، حمدًا لله كونكما تصالحتما»، فقالت مبتسمة: حسنًا يا (لوكيريا)، اذهبي الآن لشأنك.

ولكن ابتسامتها كانت غريبة، ما جعل (لوكيريا) تعود إليها بعد عشر دقائق، فوجدتها تفتح النافذة، فقالت لها: «الهواء بارد يا سيدتي، حذار أن يصيبك برد». لكنها لم تأبه لكلامها، واحتضنت الأيقونة بكلتا يديها، وألقت بنفسها من النافذة.

حين اجتزت الفناء سمعت صرخات وصيحات، وتنحى المحتشدون عن طريقي ليفسحوا لي ممرًا، كانت راقدة هناك، تقدمت بصمتٍ أتأملها، كانت (لوكيريا) هناك، لكنني لم أبصرها ولم أسمعها، إنني لا أتذكر سوى البائع الذي صاح قائلًا: «خرج من فمها خيط نحيل من دم»، وما كان مني إلا أن زأرت زئيرًا شديدًا.

بسبب خمس دقائق تأخير

ربما كان سبب موتها لأنها تساءلت: أأقبله أم لا؟ ولم تطق احتمال هذا السؤال، فآثرت أن تموت، هذا كل شيء، واحسرتاه، كان بإمكاننا أن نتفاهم، لو تبادلنا بضع كلمات أخرى، لو تريثت يومين آخرين لا أكثر، لكان يمكن أن تفهم كل شيء، يا له من ظلمٍ وجور، خمس دقائق من تأخر! لو أنني عدت قبل خمس دقائق لا أكثر، لانقضت تلك اللحظة المشؤومة كما ينقضي حلم، وما خطر الأمر ببالها بعد ذلك في يومٍ من الأيام.

إنني أتساءل حقًا لماذا ماتت؟ كان بإمكاني تركها على تلك الحال، ما دامت تلك رغبتها، لكنها لم تصدقني، تلك هي حقيقة الأمر كله، كلا إنني أكذب، فالحقيقة أنه كان سيتوجب عليها في المستقبل أن تحبني بصدق، لكنها أعف وأطهر وأشرف من أن ترتضي هذا النوع من العاطفة، فرفضت أن تخدعني وتهبني ربع حب، هنالك أمرٌ يهمني كثيرًا معرفته، أكانت تحتقرني أم لا؟ آه… أي أذى في أن تحتقرني شريطة أن تبقى حية، آه… على كل حال لن أدع (لوكيريا) ترحل بأي حالٍ من الأحوال.

ها هي الغرف تقفر من جديد، وهأنذا أبقى وحيدًا من جديد، إنني أسير ذهابًا وإيابًا، لا أعرف ما عساي أفعل، إنها لم تترك حتى ورقة تعلن فيها أنه لا ينبغي اتهام أحد بأنه سبب موتها، مثلما يفعل جميع من ينتحرون، ألم يكن بوسعها أن تفكر بأن من الممكن الزج بـ (لوكيريا) فيقال لها: لقد كنت بمفردك معها، فلا بد أنك أنت التي دفعتها، على أية حال، كان يمكن اعتقال بريئة لولا أن كان بفناء المنزل أربعة أشخاص رأوا ما حدث.

حين سقطت على الأرض لم تُصب بجرحٍ ولا كسر، لم يظهر إلا ذاك الخيط النحيل من الدم الذي يملأ ملعقة قهوة بأكثر تقدير، لو كان بالإمكان عدم دفنها؟ يستحيل أن تؤخذ مني، لكنها لا بد أن تؤخذ، ما أبشعه من كابوس.

صرتِ ميتة، لا تسمعينني، ألا تدرين؟ كنت سأضعك في جنة قلبي، وكان يمكن أن تبقى الأمور على حالها، لكنكِ كنت ستحكين لي شؤونك، كما يحكي صديق لصديقه، وكنا سنبتهج ونبتسم، وهكذا كان يمكننا العيش مع بعضنا بعضًا، حتى إن أحببتِ رجلًا آخر وذهبتِ معه، ما كنت سأهتم، ما قيمة هذا كله الآن، لو تفتحين عينيك من جديد ولو مرة واحدة وتنظرين إلي، كما كنت تنظرين من قليل.

ساعة الحائط تدق بغير إحساسٍ دقًا رتيبًا منفرًا، إنها الثانية بعد منتصف الليل، كيف يمكنني العيش حين يأخذونها غدًا، تلكم هي الأرض أيها البشر، أحبوا بعضكم بعضًا.

أفضل مقتطفات من رواية العذبة لدوستويفسكي

عن الصمت والكبرياء: «أنا سيد الكلام بصمت.. كل حياتي تحدثت بصمت، وعشت فيها مآسي كاملة في صمت».

عن قسوة الكبرياء: «لقد غادرت فخورة، ولكنها مع روحي سُحقت».

عن الحزن: «إن المرء حين يعاني حزنًا كبيرًا لا يشتهي إلا أن ينام».

عن سقف الطموح العالي: «لقد كنت دائمًا فخورًا، كنت دائمًا أريد كل شيء أو لا شيء!».

عن المعاناة: «لم أطلب يدًا تمسح دموع الفزع، ولم أوقظ أحدًا ليعانقني كي أهدأ، علام يجب أن أكون ممنونًا؟ لقد عشت أسوأ اللحظات بمفردي».

تنويه: إن ما قرأتموه لا يغني إطلاقًا عن قراءة الرواية.

إذا حاز ما كتبناه على إعجابكم فلا تنسوا الاشتراك حتى يتسنى لكم قراءة كل جديد.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة