يمكن النظر إلى «الزمن الموحش» بوصفها مرآة لخيبة المثقف العربي بعد هزيمة 1967؛ إذ يصوّر حيدر حيدر الهزيمة باعتبارها أزمة ثقافية وإنسانية عميقة أكثر من كونها إخفاقًا عسكريًا، من خلال شخصية «شبلي عبد الله» وحوارات تيار الوعي التي تكشف العزلة والانكسار وفقدان الثقة بالمستقبل. وقد احتلت الرواية المركز السابع ضمن قائمة أفضل 100 رواية عربية، وتُعد من أبرز الأعمال التي وثّقت أثر الهزيمة في الوعي العربي.
تأتي رواية «الزمن الموحش» للأديب السوري الكبير حيدر حيدر ضمن أفضل الروايات العربية التي كُتبت في القرن الـ20 وتحظى بخصوصية كبيرة بين باقي الروايات، نظرًا لطبيعتها المتشائمة التي اتسمت بالبؤس والسلبية الشديدة على مستوى مناخ الرواية الداخلي وانعكاسات الأحداث والحوارات على أبطالها، نظرًا لكونها جاءت كردة فعل بعد هزيمة العرب عام 1967، وهو ما جعل كثيرًا من المثقفين والنقاد يقولون إن رواية «الزمن الموحش» من أكثر الروايات العربية التي عبَّرت عن الخيبة والحسرة التي أصابت المثقف العربي بعد الهزيمة.
كما جاءت الرواية ضمن أفضل 100 رواية عربية بحسب اتحاد الكُتَّاب العرب، واحتلت رواية «الزمن الموحش» المركز السابع، وهو ما يجعلنا نتناولها بالقراءة والتحليل من خلال هذا المقال الذي يمثل دعوة للدخول إلى رواية «الزمن الموحش» للتعرُّف على المؤلف، والأفكار الأساسية، والسمات الفنية، وملخص الرواية من خلال السطور التالية.
عن الكاتب حيدر حيدر
يُعد الروائي والأديب السوري الكبير حيدر حيدر من ألمع الأسماء في الكتابة العربية وأكثرهم جدلًا، إذ حُظرت روايته «وليمة لأعشاب البحر» في عدد من الدول العربية، كما صدرت آراء سلبية كثيرة بخصوص الكاتب، وتضمَّن الأمر ردود فعل غاضبة من جهات دينية وغير دينية.
وُلد حيدر حيدر عام 1936 وتوفي عام 2023، وكان أحد مؤسسي اتحاد الكتَّاب العرب عام 1968. كما كانت رواية «الزمن الموحش» هي روايته الأولى، التي كتبها على مدار سبعة أعوام، منذ عام 67 وحتى نُشرت عام 1973. وكان حيدر حيدر قد استقر في لبنان قبل أن ينضم إلى المقاومة الفلسطينية، إلا أنه لم يتخلَّ عن الكتابة، وقد صَدرت له عدة روايات في ذلك الوقت.
في آخر أيامه، عاد حيدر حيدر إلى سوريا بعد مدة قضاها في قبرص، وتفرغ للعمل الأدبي حتى وفاته في مايو عام 2023 عن عمر يناهز 87 عامًا، وتجربة كبيرة كتب خلالها عددًا من الروايات والمجموعات القصصية.

عن الرواية «الزمن الموحش»
صَدرت الطبعة الأولى من رواية «الزمن الموحش» عام 1973، وصُنِّفت كسابع أفضل الروايات على قائمة أفضل 100 رواية عربية. وتُعد الرواية تجربة ثرية كتب فيها حيدر حيدر عن الثورة، والسياسة، والحب، والعدم، والوجود، والميتافيزيقا، والاضطهاد.
وكان الباعث الأكبر لكتابة الرواية والنقاشات والحوارات التي دارت بها هو هزيمة يونيو 1967، التي يرفض الكاتب أن يُطلق عليها لقب «النكسة» حتى لا يخفف من آثارها، بل يُصرّ على تسميتها «هزيمة» أو «زلزال» كان سببًا في تدمير الإنسان العربي وإظهار أمراضه الاجتماعية والثقافية، خاصة بعد مدة من الوهم والكذب والوعود التي صدّقها العرب عن قدرة القيادات العربية على مواجهة إسرائيل، إذ كانت الهزيمة قاسية وسريعة وفاضحة لكل شيء.
من هنا تأتي أهمية رواية «الزمن الموحش» باعتبار أن الأدب يؤدي دورًا تاريخيًّا في رصد الأحداث، ويُحللها، ويُسجِّل ردود الأفعال حولها، فكانت الرواية أشبه بمرآة كبيرة للشخصية العربية المثقفة بعد الهزيمة، لكي نرى ملامح الخيبة والحسرة الكبيرة في تركيبة المثقف العربي، وخاصة اليساري، من خلال الحوارات التي صاغها حيدر حيدر ببراعة.
ورغم أنه لا يُقدِّم سردًا متصلًا حول النكسة، فإنه يصف الزمن الصعب «الموحش»، كما يصف الحال الذي وصل إليه المثقف العربي، ولا يُرجِع الكاتب الهزيمة في حرب 1967 إلى أسباب سياسية أو عسكرية بقدر ما يُرجع الهزيمة إلى الثقافة العربية، خاصة تهميش المرأة ومنحها حرية وهمية. وبالتالي، فإن المستقبل الذي يتخيله الكاتب يبدأ بتغيير الثقافة وكسر القيود من أجل صناعة شخصية عربية جديدة قادرة على الانتصار.
في رواية «الزمن الموحش» ورغم وضوح الهزيمة بشكل لا يحتاج إلى المواربة والرمزية، يخلط حيدر حيدر بين المرأة الحبيبة التي يُقدِّمها في الرواية في شخصية «منى» التي هربت أو غادرت دمشق ورفضت الحياة مع المثقف العربي اليساري، ولم تعد تؤمن به، وبالتالي فهي رمز للوطن الذي رفض هذا المثقف ولم يقتنع به.
وهي لغة رمزية تحتمل التأويل بين الوطن والعشيقة، وهو أمر كان يُعد جديدًا أو غير مألوفًا آنذاك عند كتابة الرواية. وبالتالي، فإن حيدر حيدر حينما كتب «الزمن الموحش» كان يصنع منتجًا انتقائيًّا يصعب التعامل معه، إذ يتطلّب أيضًا مثقفًا واعيًا من أجل فهم التداعيات والأبعاد التي تقوم عليها الرواية، بالإضافة إلى قدرة هائلة على تحمّل هذا القدر الكبير من التشاؤم من أجل إكمال صفحات الرواية.
كذلك يجب أن نوضح أن رواية «الزمن الموحش» ترتبط ارتباطًا كبيرًا بالسياق الزمني والظروف التاريخية التي كُتبت فيها الرواية، وإلا فإن كمية الوجع والحسرة والألم لن تكون واقعية أو ذات تأثير إذا تم تفريغ الرواية من إطارها الزمني. وبالتالي، فإن السوداوية الشديدة التي تسيطر على رواية «الزمن الموحش» تحتاج إلى متلقٍّ ارتبط بالنكسة وشعر بمرارتها، أو على الأقل قارئ مثقف واعٍ قادر على التخيل ومعايشة هذه الظروف التاريخية.
الشخصيات الرئيسية في رواية «الزمن الموحش»
يعتمد الكاتب حيدر حيدر في روايته «الزمن الموحش» على راوٍ يتم من خلاله سرد الأحداث والتحرك داخل الرواية، وبالتالي يكون الراوي هو الشخصية المركزية، إذ يحضر بقوة وكثافة على امتداد الرواية من الصفحة الأولى إلى الصفحة الأخيرة، وهو ما يُمثله بطل الرواية «شبلي عبد الله» الذي يأتي من الريف إلى دمشق ويحكي حكايته في السنوات الأخيرة، ومن خلاله يتم تقديم الشخصيات الأخرى والتعرّف على ملامح «شبلي عبد الله» الداخلية من خلال المحادثات والحوارات والنقاشات التي تدور مع الشخصيات الأخرى.
توجد أيضًا شخصية رئيسية هي «منى» الأنثى الجميلة التي يحبها الراوي، إلا أنها ترفض الزواج منه بعد أن تعرَّضت لكثير من الكذب والخداع من الجميع، فقد عاشرها الجميع ثم لاذوا بالفرار، فهي أيضًا لا تجد ما تبحث عنه في دمشق كحال الراوي وكحال باقي أبطال الرواية، وهو ما يسعى إليه الكاتب حيدر حيدر حين يصف الوضع العام، إذ إن الهزيمة طالت الجميع، وبالتالي تغادر «منى» دمشق بمفردها تاركة خلفها أحلامها وعلاقاتها، وتاركة بطل الرواية وحيدًا.
نعرف من خلال الرواية أن «منى» هي رمز للثورة والوطن والعشيقة، وكيف كانت الخيانة سببًا في سقوط هذا الرمز، ومن خلالها أيضًا نعرف كيف تعرّض عشّاقها للسجن والضرب والجوع والطرد، وفي النهاية يفضح الكاتب أمراض المجتمع من خلال سقوط هذا الجيل والتهميش الذي أصاب المثقفين بسبب العزلة التي فرضتها السلطة عليهم، وبالتالي يكون البديل هو التسكّع والخمر وتفريغ الشهوة وغياب القيم والمبادئ والأخلاق.
تظهر في الأحداث شخصية «راني» وهو شخص مثقف وكاتب على درجة من الوعي والإدراك، تدور بينه وبين الراوي «شبلي عبد الله» حوارات ومحادثات نكتشف من خلالها أفكاره وأيديولوجيته وآرائه في الوضع العربي وفي الثورة، وبالتالي يستطيع الكاتب حيدر حيدر أن يعرض بضاعته من خلال هذه الحوارات التي تدور بين الراوي وأبطال الرواية الفرعيين، إذ يُعد هو الخيط الذي يربط الجميع عندما يتحرك بين الشخصيات الرئيسية والثانوية، فنرى الشخصيات تتغيّر وتتبدّل وتغيب، ويأتي مكانها شخصيات أخرى، إلا أن الراوي يبقى دائمًا حاضرًا.

ملخص رواية «الزمن الموحش»
تختلف الرواية في بنيتها عن الشكل النمطي للرواية العربية، فلا يدور المحور حول القصة والأحداث والحبكة والعقدة والحل كما يحدث دائمًا، وإنما تأتي ضمن ما يُعرف بتيار الوعي، إذ تتركز على الشخصية الرئيسية التي تؤدي دور الراوي للأحداث بصورة غير منتظمة، فيستدعي الذكريات تارة، ويتحدث عن المستقبل تارة أخرى، ثم يعود إلى الحاضر، وبالتالي تحتاج الرواية إلى قراءة متأنية وواعية.
تدور أحداث الرواية في دمشق عن أحد المهاجرين القادمين من الأرياف والمناطق السهلية، وهو يُمثِّل البدو والفلاحين الذين اندفعوا نحو دمشق في سبعينات القرن الماضي، وقد دخل البطل إلى عالم النخبة المثقفة، وبالتحديد اليسار السوري، من خلال أصدقائه. وتظهر الشخصيات الأخرى في الرواية التي تشاركه في الأحداث، ومنها اللاجئ الفلسطيني وزوجته، والمثقف الوسطي، ورجل الاستخبارات المجنون، والشاعر الحزبي.
وتُعد اللغة من أهم عناصر رواية «الزمن الموحش»، فتدور كمية واسعة من الحوارات الساحرة ذات اللغة البديعة المغايرة التي تعتمد على التداعي والاضطراب، والأفكار غير المرتبة، والذكريات، والمشاعر، وهو ما يصنع مزيجًا هائلًا من المتعة التي لا ترتبط بالحكاية والحدود، وإنما بالشاعرية القصصية الناتجة من الحوارات بين الأبطال.
تنقل الرواية القارئ إلى مرحلة من أصعب مراحل التاريخ العربي، وبالتحديد في أجواء المعسكر اليساري الثوري، كما يمكن ملاحظة بوادر الأزمة التي ستعيشها سوريا بعد ذلك نتيجة هجرات الريف إلى المدن، وعلى رأسها مدينة دمشق. وبالتالي، فالرواية لا ترصد الواقع فقط، وإنما تتنبأ بالمستقبل الذي حدث فعليًّا بعد ذلك بعدة سنوات.
كما لا تنتهي الرواية كأي رواية تقليدية، وإنما تنتهي نهاية مفتوحة تُعبِّر عن الوضع الذي وصل إليه الحال فيما يخص علاقة المثقف العربي بالوطن الذي دمَّرته الهزيمة، ويبقى الأمر مفتوحًا على المستقبل المبهم المرتبط بحلول وتغيرات جذرية لا يظهر أي منها في الأفق.

نقد رواية «الزمن الموحش»
رغم أن الرواية لاقت نجاحًا كبيرًا لدى النقاد والمثقفين، فإنها تُعد من الروايات الصعبة على القارئ العادي؛ نظرًا للقدر الكبير من التشاؤم والبؤس الذي يغلب على الشخصيات وعلى الواقع الذي حاول حيدر حيدر التأصيل والتأسيس له في روايته، بالإضافة إلى عدد من الملاحظات المتعلقة بشخصيات الرواية التي جاءت كقوالب معروفة ومكرَّرة للشخصيات المثقفة واليسارية في عالمنا العربي، ولا تعكس بصورة حقيقية طبيعة تاريخ المناضل اليساري العربي.
الأمر الآخر أن الرواية على مستوى الشكل تنتمي إلى مرحلة تيار الوعي التي سقطت منذ مدة طويلة، وبالتالي لم يسمح لها شكلها الفني بالاستمرار والبقاء بصفتها رواية عابرة للزمن، كما أنها على مستوى المضمون ارتبطت بأحداث تاريخية معينة وظروف زمنية تحتاج إلى استعادة ذلك السياق من أجل قراءة الرواية وهضمها، وهو أمر صعب، وبالتالي فقد كانت الرواية رهانًا رابحًا في زمنها، (نشرت عام 1973)، إلا أن المردود يقل تدريجيًّا مع مرور الزمن.
قصيدة مقتبسة من رواية «الزمن الموحش»
غير الصدى لا أسمع
مبحوحًا داخل الأوردة
غير الظلال لا أرى
شموسنا انكسفت
جياع ومقرورون عبر صحاري الثلج
وما عاد للإنسان بيت
تيه هو العربي بلا مدن
وطن دامس ولا نجم
زمان موحش ولا أنس
صحراء، صحراء، والرياح عفَّت آثار الإبل
ألا من ينزع من عروق القلب هذا المبضع المسنون؟
لو أن الأرض تدور
لأشرقت الشمس
وفي النهاية بعد أن قرأنا معًا تلخيص رواية الزمن الموحش للكاتب السوري الكبير حيدر حيدر ندرك أنها وثيقة أدبية وتاريخية بالغة الأهمية، لا لكونها تسرد أحداث حرب أو ترصد معارك عسكرية، بل لأنها غاصت عميقًا في وجدان وبنية العقل الثقافي العربي في لحظة انكساره الكبرى عام 1967.
ورغم السوداوية المفرطة وأجواء البؤس التي قد تجعل قراءتها تحديًا حقيقيًا للقارئ العادي، فإن جرأة حيدر حيدر في استخدام تيار الوعي والرمزية المعقدة المتمثلة في شخصيتي شبلي ومنى، جعلت الرواية عملًا نخبويًا بامتياز يستحق مكانته المتقدمة في قائمة أفضل 100 رواية عربية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.