ملامح الموضة وملابس المرأة

تقول الشاعرة والناقدة العراقية نازك الملائكة "قد يبدو للوهلة الأولى، أن الزي عرض خارجي لا يرتبط بأعماق الإنسان، غير أنني لست من أنصار هذا المذهب، وإنما أدين بأن كل مظهر من حياة الإنسان مرتبط بصميم روحه، فالحياة مترابطة موحدة لا يمكن تجزئتها". لم تكن الموضة عاملًا مؤثرًا في حياة الفرد أو العالم الحضاري، كانت سابقًا تستمر لمدة تطول إلى قرن أو أعوام، ولم يبدأ التغير في شكل ملابس المرأة إلا بعد انقضاء فترة القرون الوسطى، حيث كانت الموضة تتمثل في الملكات وكان المتحكم فيها أصحاب القصور الملكية، ولم يتخلى القصر عن زعامته للموضة حتى جاءت الثورة الصناعية، فأصبحت رمزًا للأغنياء وأصحاب السلطة ورأس المال والزعامة، وأخذت الأزياء تتغير وتتطور بخطوطها وأبعادها وألوانها من عام لعام، ثم من فصل إلى فصل  في إطار مقاييس العصر الجمالية وخاضعة للظروف الحياتية المختلفة.

ملامح الموضة (1900- 1910)

لاشك أنه يمكن اعتبار العقدين الأولين من القرن العشرين المرحلة الأكثر جذرية في الموضات النسائية، ومن أهم المظاهر الاجتماعية في تلك الفترة ابتعاد المرأة عن المجالات العملية، فلم تتطلع المرأة العادية إلى الخروج من المنزل واهتمت بالأسرة وبالتزين لساعات طويلة، وتمثلت الموضة في الطبقة الراقية وتعدد تنويعات ملابسهم حسب المناسبات المختلفة طوال فترة اليوم ( زي صباحي، رحلات، صيد، بعد الظهر، حفلات..) وقد يتغير شكل الزى في اليوم الواحد من خمس إلى ست مرات في اليوم الواحد.

اتجهت أهداف الموضة بالدرجة الأولى خلال هذه الفترة نحو سد احتياجات الطبقة الأرستقراطية والأثرياء في الملابس والتأكيد على إظهار سمات الثراء والفخامة، مع الميل إلى الاتجاه الرومانسي، فكانت معظم أزياء السيدات غنية بالزخارف ومطرزة تطريزًا يدويًا بخيوط من الذهب والفضة والترتر البراق اللامع والخرز والجواهر، تتركز غالبًا في الجزء الأسفل من الجونلة ثم باقي الزي.

وكانت المرأة في تلك الفترة تظهر بخصر نحيلًا جدًا وقوام ممشوق طويلة القامة وممتلئة الصدر، والمظهر العام على شكل حرف (S)، ولذلك كان يلبس مشد (كورسيه) على الهيكل بنفس الشكل، يعمل على دفع الصدر الممتلئ إلى الأمام وجعل الأرداف إلى الخلف. وبقيت المرأة سجينة هذا المشد حتى سنة 1910م. وسمي بالمشد الصحي ((Health Corset، وكانت فتحة الرقبة ضيقة لأزياء الصباح وبياقة مرتفعة غالبًا، وتخفي كل الجسم ماعدا الوجه وتغطى اليدان بالقفازات، وواسعة أحيانًا في فساتين المساء، ثم تغير الهيكل البنائي للزي في أواخر هذه الفترة من شكل حرف ( S) إلى هيئة الحرف (A). 

أما الأكمام فكانت طويلة محبكة من أعلى تتسع من بعد المرفق إلى المعصم وتُضم بقلابة ليُحدث انتفاخ أو العكس، بحيث تكون محبكة من أعلى وتتسع بعد المرفق وتضم بأسورة عند المعصم Pouch Sleeve، وهناك الكم المحبوك من أعلى وتنسدل باتساع حتى منتصف الساعد وتنتهي بفتحة واسعة وانحدار نحو الخارج، ثم أخذت الأكمام شكلاً مغايرًا فظهر الكم الكيموند الياباني Kimone Sleeve. 

وانعكس فن الباليه الروسي على الموضة بلمسات شرقية، ثم ظهر اتجاه لرفع خط الوسط عن موضعه خاصةً مع ملابس النساء، مما أظهر الرداء أكثر فخامة، واستخدم الجاكت القصير (Short Jacket or bolero) وانتشرت ملابس السهرة بصورة كبيرة. وكانت الملابس تُصنع من الخامات الطبيعية والأقمشة الخفيفة والكريب دي شين، والقطيفة والصوف والكشمير، واستخدم قماش المخرمات (الدانتيل) وأحيانًا كان يستبدل بأشغال الكروشيه والشيفون والتل (Tull).

كانت القبعات جزء أساسي لا يمكن الاستغناء عنها وخاصًا في الطبقات الأرستقراطية، وكانت تزين من الريش والطيور المحنطة أو بشرائط والزهور الاصطناعية، واستعملت القبعات الكبيرة مع ملابس السهرة. والشعر إما مجعد أو يُجمع أعلى الرأس في شكل عقدة. وسيطرت الألوان الباستيل، وانتشرت ظلال اللون البنفسجي والأزرق الفاتح، والقرمزي،  والوردي الهادئ، واللون الذهبي والفضي بطابع البهجة والنضارة. 

ملابس المرأة (1910 - 1920)

كانت الحرب العالمية الأولى في أوربا سنة 1914م سبب رئيس في خروج المرأة للعمل بدلاً من الرجال المخصصين للحرب، واكتسبت النساء حقوقًا متساوية مع الرجل وشاركت المرأة في جميع الأعمال الإدارية والمهنية والوظائف الخاصة، فتكونت شخصية جديدة للمرأة ذات طبيعة خاصة، تحتاج إلى نوعية خاصة من الملابس، وتأثرت ملابس النساء والموضة فأخذ التصميم الطابع العملي وأصبحت الملابس العملية الجاهزة البسيطة أساسية بدلاً من الملابس المزركشة الممتلئة بالتفاصيل واختفت منها المبالغة والتي كانت في السابق. 

وتعتبر هذه بداية التحول من إنتاج الأزياء فزاد الطلب على إنتاج الملابس وظهرت لأول مرة تقسيم عملية إنتاج الملابس لمراحل متتالية، يقوم بكل مرحلة عمال مختلفين للاستفادة من المهارات المحدودة. وظهرت بدلة للسيدات تقلد بدل رجال الأعمال، كما قلت ملابس السهرة بصورة كبيرة عن الفترة السابقة.

كانت خطوط السائدة في هذه الفترة متغيرة عن الفترة السابقة، ولم يعد قوام المرأة يأخذ الشكل المتميز ببروز الصدر والأرداف،فأصبحت الأزياء أكثر ميلاً للشكل الطبيعي لجسم المرأة، وتحررت من المشد (الكورسيه) وأصبح قوامها معتدل تمامًا، حيث أثرت الظروف السياسية والاقتصادية الاجتماعية على الموضة وانتشرت الملابس ذات الوظائف المتعددة بصورة أساسية في الأزياء.

اختفت الجونلة الضيقة Hobble Skirt والتي جعلت السير متعذرًا من شدة ضيقها وظهرت الجونلة الواسعة Bell Skirt بالإضافة إلى تقصيرها بحيث ترتفع عن الكعبين بدرجة بسيطة، وأحيانًا تضاف جونلة أخرى أقصر من الأولى تأخذ أشكالاً مختلفة عند نهايتها، ثم أكتفي بالجونلة العلوية مع إطالتها قليلًا حتى تتمكن المرأة من التحرك بسهولة. وحدث تقارب في طراز ملابس كل من الرجال والنساء، وظهرت الموضة الرجالية، حيث بدأ شكل الجسم أنبوبيًا مسطحًا بدون إظهار لبروز الصدر والأرداف مع تجاهل الوسط الطبيعي وامتد ليصل إلى الأردافمع تقصير الجونلة بشكل واضح حتى وصلت إلى الركبة.

انعكس الفن الياباني على الأزياء حوالي 1912م لتصبح الفساتين تشبه كثيرًا زي المرأة اليابانية، بفتحة الصدر (الديكولتيه) المقفلة المثلثة والمربعة، وكان الجزء العلوي (الكورساج) من الفستان عادةً مفتوح من الأمام ومقفلًا على شكل متقاطع (كروازيه) ويصل طوله إلى تحت الوسط بقليل، وغالبًا يلتف حوله حزام عريض في العادة. وظل الكم الكيموند الذي يُقص قطعة واحدة مع الجزء العلوي من الفستان وبأطوال مختلفة. وقد نتج عن الحرب نقص في الأقمشة الصناعية واستخدمت الخامات النسيجية الرقيقة. وتنوعت الألوان لتتناسب مع ظروف العصر العملية، وغلبت الألوان الداكنة. واستخدم المصمم أكثر من نوعية من الاقمشة في الموديل الواحد لتحديد "الياقات، والجيوب، وذيل الزى".

ظهرت الأحزمة المختلفة التي حددت خط الوسط في الزى، واستخدمت تنويعات عديدة من الشرائط والأزرار الكبيرة مع الملابس، واستُخدم أسلوب الكسرات المتعددة في بعض الملابس ذات النهايات الواسعة، وتنوعت الزخارف على الملابس رغم قلتها في هذه الفترة، وظهرت الزخارف النباتية والزهرية، والشريطية الهندسية. وظهرت استُخدمت الأساليب اليدوية في زخرفة المنسوجات (الطباعة بالقوالب)، وأساليب الزخرفة بالتطريز، والقص والتركيب. وكان من أهم مصممي هذه الفترة "إرت" (Erte)، ومصمم الأزياء "بول بوارييه" (Paul Poiret) في باريس، و"لوسيل" (Lucille) في لندن.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.