ملاحظات في فن القص و الحكي


ملاحظات في فن القص والحكي
طارق أحمد عبد الله
فديتك ليلى إحدى روايات الكاتب المصري (يوسف السباعي )، الذي يكفي اسمه ليعرف من هو، فهو صاحب النتاج الأثر الغزير من القصص. . وتسليط النقد على هذه الرواية ليس من قبيل اختبارها فقد قضي الزمان بحكمه عليها. . ولكن نسلط عليها سهام النقد حتى يعلم الجيل من الكتاب بعض فنيات كتابة القصة.
الفصل الأول من الرواية يبدأ بحلم ينتاب البطل. ثم يسترسل الكاتب معرفاً بشخصيات روايته من خلال مشاهد وأحداث الرواية دون أن يدع للقارئين ما يوقعه في الملل أو الضيق؛ وهذا نابع من تملك الكاتب لأدواته ومقدراته الفنية الفائقة.
قد يعثر لقارئي القصص العربي على نفسية الكاتب مادية كانت أم روحيه، وذلك من خلال العمل الأدبي ( الرواية أو القصة أو الشعر ) الذي نقرأه له. وإنه لمن التدخل غير اللائق أن ينحاز الكاتب لأحد شخصياته، بحيث يترك بصماته على تلك الشخصية أكثر من الشخصيات الأخر، مما يؤدي لتهميش دور الشخصيات الأخرى، فيفسد على القارئين متعة التصور لأشخاص الرواية. فنرى القارئ يضع الكاتب نفسهُ موضع شخصية بعينها؛ هي تلك التي ينصر الكاتب مذهبها، فيضحي العمل الأدبي مقيداً في مدى من الخيال لا يترك القارئين يحلق في رحاب أوسع. . ولا يمكن العمل الأدبي من التغلغل في أعماق ذات القارئ
هذه ناحية في النقد الأدبي تدعونا للبحث عنها، لنتعرف على مدى نجاح العمل الروائي. . وعند تطبيقنا لهذه الناحية على رواية ( فديتك ليلى ). . نجد ( يوسف السباعي ) قد كفي نفسه شر هذه الناحية، وقد محي آثر نفسه من على شخصياته، فجعلها حرةً في مذاهبها، لم ينصر مذهباً بنفسه لنعلم ما هي ميوله: روحيةً كانت أم مادية. وبذلك ترك المجال للقارئين ليحلق بتلك الشخصيات في مدى أرحب من الخيال جعل من تلك الرواية نَمُوذَجًا يقتدي به في هذه الناحية النقدية.
وللتدليل على ما نقول، فلننظر إلى هذا الجانب من الحوار الذي جرى بين البطلة وخادمتها، حيث تقول البطلة التي لا تود إبن عمها زوجاً لها: ( ولم أكن أكره عبد الرحمن، بل على النقيض. . كنت أحس له بما تحسه الأخت لأخيها، فقد أمضينا معاً معظم طفولتنا وصبانا، ولكني كنت أكره مذهبه في الحياة وطريقة إحساسه بها. . وإغراقه في عمله واعتباره كل شيئ عداه توافه لا قيمة لها. . وقد يكون هو غير مخطئ وقد يكون الواجب على الإنسان أن يكون كذلك. . وقد أكون أنا الشاذة بتفكيري، المراهقة بإحساسي الفياض. . فلست أزعم عندما أقول إني أكره طريقته في الحياة أنه هو الخاطئ وأنا الصائبة. . ولكن كل ما هناك أني كنت أحس أننا مخلوقان متباينان وان ميولنا شتى. . وأهواءنا متفرقه ولذلك كنت أتجنبه. . وأتجنب مناقشته أو الحديث معه. )
لقد صور الكاتب بطلة قصته في موقف الحياد رغم اتصافها بالناحية الروحية. . حيث جعل البطلة لا تذم مذهب إبن عمها إلا بالقدر الذي يحفظ مكانة مذهبها، فهي لا تتفق مع مذهب إبن عمها. ولا يعني هذا بالضرورة خطأ مذهب إبن عمها، فقد يكون إبن عمها على حق في ذهابه هذا المذهب. وتكون هي المخطئة في ذهابها مذهبها الروحي. فهي لا تنكر ذلك بل تقره.
أثبت الكاتب من خلال القطعة السابقة أن الإنسان في الحياة لا بد له من التزام الناحيتين: الروحية والمادية حتى تستقيم أمور حياته. وبذلك لم نلمس تدخلا من الكاتب يفسد علينا طبيعة الأشياء.

ثم تمضي الرواية وتتوالى الأحداث شيقة، ممتعة للقارئ. إلا إننا نأخذ على الكاتب مأخذا ما تظنه بالقليل، فإحدى شخصيات روايته – وهي الخادم- ظهرت في وضع تناقض، ذاك حيثما أوردها الكاتب في صورة المرأة الحكيمة. وأني لأعجب من حكمتها ومدى شاعريتها، وهي المرأة البسيطة حيث كان يفترض عند تناولها للحكمة أن تكون من واقعها البسيط، بلغة أكثر بساطة. ولكن الكاتب –سامحة الله – يأبى علينا إلا وأن يظهرها في ثوبٍ شاعري من الحكمة، لا يتصف به إلا ذو العلم والثقافة حيث تقول شخصية الخادم ( سيدة)( مخاطبة سيدتها أني لا استكثر على الشمس أن تشرق لكِ وحدكِ، ولا على النسيم أن يهب من أجلك. . ولو كان الأمر بيدي لمحوت من صفحتكِ شوائب الكدر وجعلت حياتكِ هناء خالصا ولكن الدنيا لا تفعل ذلك. . الدنيا تستكثر علينا النسمة التي يشاركنا فيها الملايين. . فلا تشرق علينا الشمس إلا وقد حرمناها. . ونحن أتم ما نكون صحة. . )

       إذا كان هذا حال الخدم في هذا العصر فمن منا لا يود أن تكون له خادما شاعرية الإحساس. وليس هذا بكل شيء عن حكمة هذه الخادم، فالكاتب يوردها في موضع آخر بذاتِ الثوب، ثوب الحكمة الشاعرية – حيث تقول مخاطبة سيدتها: ( كل الأخطاء تحدث لنا من الأفعال التي نفعلها بلا وعي. ولو كنا في وعينا ما فعلناها. أني أريد منك أن تتعقلي وتتئدي. إن لم يكن من أجل مصلحتكِ. . فعلى الأقل من أجل متعتك. . كلما زاد تسترك زادت علاقتكِ به طولاً واستمراراً. . فالناس لا يقدرون الأخطاء بوقوعها ولكن بظهورها. . فاحذري يا حبيبتي ما أَمْكَنَك. . ولا تعبي كأسك مرةً واحدة. . لأنه كلما بطء الرشف زادت فترة الاستمتاع. )

أين تلك الخادمة التي تتحدث عن الكأس بهذه الشفافية والرقة؟ أن الشاعر ( الحسن بن هاني ) لا شك يغبطها على بلاغتها في الخمريات. يقول ( يوسف السباعي ) عقب هذه القطعة مباشرةً وبعد أن أحس بحرج موقفه: ( وكانت سيده ( الخادم ) تبدو في بعض الأحيان حكيمة. . ولستُ أشك أن قولها هذا كان إحدى حكمها الرائعة. . ).
نحن لا ننكر أن يكون الخادم صاحب حكمة، فالإنسان البسيط يمكنه أن يكون حكيما بلغته البسيطة، لأنه لا يمتلك أدوات غيرة من أرباب العلم والمعرفة. .
ولكن أن يقول لنا الكاتب: (هذه إحدى حكمها الرائعة ). فهذا مالا يقنع بإثارة هذه القضية، فليس هناك خادما نعلمه يعبر عن حكمته بهذه الشفافية المفرطة.
يتضح لنا تناقض شخصية الخادم( سيدة) في صورة أوسع عند إيراد الكاتب لها في ثوبها البسيط في كثير من المواقف، فهذه الخادم لا تداوم على حكمتها وجدارتها، فهي تعود إلى طبيعتها في بعض الأحيان. طبيعتها التي كان يجدر بالكاتب ألا يخرج بها عنها. وللتدليل على ذلك فللنظر للخادمة وهي تخاطب سيدتها قائلةً لها: ( لا فائدة منك. . كلما حاولت نصحكِ. . حدثتني بما لا أفهم. . وقلتِ لي كلاماً من كلام الكتب. . حيرتني، حيركِ الله. . )
أني لأعجب من تلك الخادمة أن قالت: إنها لا تعلم كلام الكتب؟ . . كيف ذلك وهي ما فتئت تتحدث بكلام الكتب. . حقاً ما كان ليوسف السباعي أن يقع في مثل هذا الخطأ لو لا اندفاعه السريع في التأليف. . فليس بالسهل أن تفوت على كاتبٍ مثله هذه الناحية. . وهو صاحب القصص الجيد.
في الوقت الذي سقطت فيه شخصية الخادم ( سيده ) بتناقضها الذي تحدثنا عنه. سطعت شخصية الخادم ( مدبولي )، فهو لم يخرج عن طوره خادم كما حدث لشخصية الخادم ( سيده )، فالكاتب أبقاه على بساطته. . وليته فعل ذات الشيء مع شخصية الخادم ( سيده ). فلننظر إلى هذا الجزء من الرواية لنرى صدق ما نقول. .
( قال الطبيب توفيق متلطفاً مع الخادم ( مدبولي ): ( كيف الحال يا عم مدبولي؟ .
- ( والله ردائي يا سيدي الدكتور. . كلما رايت سيدي إبراهيم وهو على حاله هذه أحسست أن سكيناً تمزق أحشائي. . سيدي إبراهيم الرجل الطيب الأمير يحدث له هذا؟ اَلْمَعْقُول أنه لا يعرفني؟ . عشرة هذه السنين الطوال؟ )
هكذا يجب أن تتسم شخصية الخدم ومن على شاكلتهم من البسطاء. فليس في استطاعت الكاتب أن يقنعنا بهوية الشخصية التي يريدها إلا بالتعبير عنها بالكلمات التي تدل عليها، ولكل شخصية ما يدل عليها من التعابير. . فالقارئ – المسكين – لا يرى تجسيداً لشخوص الرواية ليستدل عليهم، بل يقرأ تعبيراً يساعده على تصوير شخوص الرواية في خياله. من هنا وجب على الكاتب أن يعني باداة التعبير التي يمتلكها، فلا ينشئني ما يحطم صور الخيال لدى القارئ
ومما أعجبني في رواية ( فديتكِ ليلى ) بث الكاتب الكثير من الحكم الجيدة. التي من بينها قول الرجل البسيط ( صاحب الطاحونة ) مخاطباً الطبيبين: توفيق وزكي، قائلاً لهما حينما سأله أحدهم:
- ( ألا تخرج من بيتك هذا لترى الدنيا؟ )
أجابهما قائلاً:

- ( ماذا أرى في الدنيا أكثر مما أرى هنا. . عجلة تدور كما تدور المروحة. . واحدة تديرها ريح الزمن والأخرى تديرها ريح البحر، واحدة تطحن بأيامها أبناء آدم والأخرى تطحن بحجارتها حبات قمح. وفي النهاية. . يصبح هذا تراب وهذا دقيق. . ومن التراب ينمو القمح. . ومن الدقيق ينمو إبن آدم. . والعجلة تدور، لا تشعر بهذا ولا بذاك، والذي يذهب هذا. . ينبت ذاك. . لا فارق بين إبن آدم وحبة القمح إلا الغرور. يظن نفسه شيئاً. . وهو حبةٌ في الرحى. . )
ليت الكاتب أجري هذه الحكمة على لسان أحد الطبيبين، فالدقة التي صيغت بها لا تلائم الرجل البسيط صاحب الطاحونة. . لا أريد أن أوغل في أكثر من هذا. . فالرواية جيدة من ناحية الموضوع، عظيمة الفائدة. . جديرةٌ بالاطلاع. .

             tarig201677@gmail.com               

 

بقلم الكاتب


شاعر و قاص و ناقد


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

شاعر و قاص و ناقد