ممّا لاشك ولاريب فيه أنَّ كثيراً من الناس منبهرون لما يقوم به كثير من السحرة والمشعوذين والدجاجلة من أعمال قد تبدوا في حدِّ ذاتها غريبة إلَّا أنها ليست كذلك بل هي كذبٌ، وخداعٌ، ومكرٌ، وخيالٌ، كلّها مبنيةٌ على خفَّة اليد والخديعة والتَّدليس، ومبنيةٌ على قراءة أحوال النَّاس، والنظر في مَلَامِحِهم، واستجلائها بشكل جيد إمّا عن طريق الحديث معهم مباشرة، أو الاستماع إلى بعض أحاديثهم خلسة أو عن طريق السماسرة والوسائط، ثم هم بارعون في استعمال الفراسة لمعرفة مدى ذكاء الشخص أو غبائه، فإذا ما كان ذكياً فطناً أبعدوه عنهم بطريقة أو بأخرى حرصاً منهم على أن تبقى مخططاتهم القبيحة في طي الكتمان، وألّا يُفتضح أمرهم، وإن كان غبياً أبله، وبالأخص إذا كان غنياً ثرياً حسبوه صيداً ثميناً وكنزاً لابدَّ من استعمال جميع الحيل للظفر به، ففي هذه الحالة يتقربون منه، ويجسون نبضه شيئاً فشيئاً إلى أن يتم استغفاله فيما بعد.
وهذا لا يعني أنه ليس هناك سحر، وإن ما قيل عنه هو خرافة في خرافة، لا، السحر موجود، والسحرة موجودون ومنتشرون بكثرة في شتى أقطار المعمورة، لا يقتصر الأمر في وجودهم على بلد دون بلد، لكن في بعضها يتواجدون بكثرة، وفي بعضها نادراً ما تجد ساحراً، وهكذا في حلقتنا هذه سنقتصر على ذكر بعض حيلهم التي حُكِيَت على ألسنة بعضهم أو إنهم اعترفوا بها إبان تحرير محاضر لهم في مخافر الشرطة.
فلنبدأ أوّلًا بما يعرف بجلب السحر، وكيف يخدعون الناس، ويستغفلونهم، ويأخذون أموالهم بالباطل مع إيهَامِهِمْ أنهم مرضى بمرض يدعى السحر؟
والحقيقة أنه ليس فيهم شيءٌ غير ما تأثروا به من إيحاءاتٍ كاذبةٍ من بعض أفراد هذه الطائفة الضالّة المضلّة المضللة!
وهذه الإيحاءات تنخر كيانهم، وتقضُّ مضاجعهم، وتفعل بهم الأفاعيل، فكم من أرحام قُطّعت بسبب هذا، وكم من عائلة تشتّت أفرادها، وكم من إنسان عاش معذّباً طوال حياته بسبب ذلك؟!
الـحيـلة الأولـى: جلب السحر في بيض الدجاج:
وهذه الطريقة يَعْمَدُ فيها المشعوذ الدجال إلى بيض الدجاج، فيثقبها بإحكام بإبرة الحنة - وهي إبْرَةٌ معروفة تستعملها النساء لنقش أيديهنَّ وأرجلهنَّ بالحناء -، ثم يٌفْرِغ ما بداخلها عن طريق شفطه بنفس الإبرة، ثمّ يشحن البيضة بأشياء غريبة مثل: الشعر، والمداد الأحمر الشبيه بالدم، وغيرها من الأشياء التي تدهش وتخيف من يراها، تخرج من بيض دجاجة ثم يقوم بإغلاق البيضة إغلاقاً محكماً.. إلخ
ثمّ لمّا يأتي شخص ويدَّعي أنه مسحور، فيُتَمْتِم حوله المشعوذ ويخمخم ثم يقول له: نعم، أنت مسحور، وإذا أردت أن أفك لك السحر فأتني ببيضة دجاجة سوداء بنت يومها، وكذا من المال، من أجل شراء البخور، فيعطي له ما طلبه من المال، ثم يذهب المسكين المغفل للبحث عن البيضة ذات المواصفات المطلوبة من المشعوذ والدجال، وهو لا يدري أنها أُعدَّت له منذ أيام أو أسابيع، وأن البيضة التي سيأتي بها ستُجهز لمغفل آخر سيأتي دوره فيما بعد، ولمّا يأتي بالبيضة المطلوبة، يأمره بنزع ثيابه وخاصة الثياب الذي تلي جسده مباشرة - أعني الدثار - ثم يلفّ البيضة بتلك الثياب، ويلقي بالبخور في النار الهادئة، ثم يبدّل البيضة الجديدة بالبيضة القديمة المعدَّة مسبقاً، يفعل ذلك بإحكام ودهاء شديد، وبخفة متناهية، ثم ينسحب المشعوذ ويأتي دور المغفل المسكين، فيقول له: اضرب برجلك فوق الثياب التي لُفَّتْ فيها البيضة، فيضرب ضربات، تتمزق البيضة وتتفتت ثم يأمره بنفض الثياب فيرى تلك الأشياء الغريبة قد خرجت من البيضة، فيصدِّق أنه كان مسحوراً، وأن هذا المشعوذ قد أبطل له السحر فعلاً، وهو لا يعدو كونه مخادعاً!
وهنا المشعوذ يرقب الضحية ويلاحظ حركاته وسكناته، فإذا ما لاحظ أنه ذهل لفعلته، وصدّق كلَّ ما قام به بحضرته، طلب أن يدفع له مبلغاً كبيراً من المال، ويشترط عليه شروطاً بالتردد إليه مراراً تمهيداً لجولات أخرى قد تعتمد أساليب أخرى أشد تعقيداً من سابقتها، وهكذا يعيش المسكين المغفل في دوامة لا مخرج له منها إلا بفضح أعمال هؤلاء المجرمين، ونشر ذلك بين الناس حتى لا تعمّ البلوى ويتسع الخرق على الرقيع.
لنا عودة لهذا الموضوع في الحلقة القادمة، ومع فضح حيلة أخرى من حيلهم الخبيثة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.