تـتـمَّة
كُنا قد ذكرنا في الحلقة الماضية حيلة من حيل السحرة والمشعوذين، وأنه لا بد من فضحهم والوقوف بوجههم وألا يترك لهم الباب مفتوحاً على مصراعيه، لعلهم ينزجرون أو يتعظون، أو يتفطن الناس لأفعالهم فينفرون عنهم ولا يأتون لأوكارهم.
الحيلة الثانية:
ما يسمُّونه بجلب السحر في الماء ويطلقون عليه عدَّة أسماء، ومسميات رائجة فيما بينهم، منها عملية الصحن، وعملية الكوز، "وعملية "الطنجرة"، وعملية "الطاجين"...الخ.
ويتم ذلك في صحن من الماء ذي غطاء إما مصنوعاً من الألمنيوم، أو النحاس، أو الحديد، أو من الفخار، شريطة أن يكون له غطاء لأن السرَّ المكنون عند المشعوذ يكمن في الغطاء، لأن الغاية هي ذلك الغطاء وفيه يتم فعل كل شيء، أما الأشياء الأخرى من البخور، والصحن، والماء، والنار، والعزائم، والطلاسم، والتمائم وما يقوم به من كلام غير مفهوم، وما إلى ذلك فهي وسيلة للتمويه والتعمية والتعتيم، وشغل أنظار المستهدف حتى لا يلتفت إلى ما يدور حوله، ولا إلى ما يقوم به صاحب الفعلة، وإنما الَّذي يشغل نظره وفكره ويركز عليه بالأساس، الماء، والنار، والبخور، إضافة إلى الحركات والكلمات والترانيم الغريبة الَّتي يصدرها المشعوذ أحيانًا بصوت عالٍ بين الفينة والأخرى.
أما ما يتم تخبئته فهو ما يعدّ مسبقًا من كتابات، وطلاسم، وتمائم، وحُجُب تلصق بالشمع بشكل محكم في غطاء الإناء أو الصحن، أو الكوز، أو ما يعرف بالطاجين، المهم لا بد وأن يكون الشيء الَّذي يستعمل له غطاء، ولمَّا يأتي أحد المغفلين، وبعد تشخيص حالته ومعرفة مدى انتباهه وشدة ملاحظته، يتم الشروع في العملية فيأمر المشعوذ الشخصَ المستهدف بإيتائه بكمية من الماء.
ولما يأتي بها يأمره بإلقائه في الصِّحن، ثم يأمره أن يتخطى عليه ثلاث أو سبع خطوات أو أكثر، وأن ينفث ويتفل في الماء نفثات وتفلات ثم يتولى المشعوذ تغطية الإناء بنفسه، ثم يلقي الإناء على النار الهادئة، ريثما يذوب الشمع فتسقط الكتابات، والطلاسم، والأحجبة الملتصقة في غطاء الصحن، ثم يأمر الزبون بتعرية الصحن والنظر بداخله، ولمَّا ينفّذ ما أمر به يرى كتابات وأحجبة وأشياء غريبة، فيذهل لما حدث ويصدق المسكين ما حِيكَ ضده وهو لا يدري.
الحيلة الثالثة:
ما يسمُّونه عندهم باستخراج السحر المدفون في الأرض، وهذه الطريقة هي محفوفة بالمخاطر، إذ كثير منهم سقط في الفخ واكتشف أمره ولم يتقن اللعبة كما يجب، فانتهى به الأمر إما إلى الاعتقال، وإما إلى الاعتداء عليه جسديًا، لأن هذه الحلية تعتمد أساسًا على ذهاب المشعوذ مع الضحية إلى المكان الَّذي زعم أن فيه سحراً وهو سيعمل على استخراجه وإبطاله.
وغالبًا ما يكون في مسرح العملية أشخاص عديدون والحيلة إن انطلت على البعض فليس بالضرورة أن تنطلي على الكل، وبالتالي أحد الحضور يكتشف تدليس المشعوذ فيحدث مالم يكن في الحسبان.
وملخص هذه الحلية هو أن المشعوذ يقوم بتهيئة عدة حُجُبٍ وطلاسم وتمائم يعدّها ويكتبها بنفسه، ويقحم فيها أسماء مختلفة فلان وفلان وفلان ذكورًا وإناثًا.
ويغلفها بما يمنع دخول الماء والرطوبة إليها، ثم يقوم بجلب تربة مختلفة الألوان، ويلقي كل حجاب بتربة مختلفة عن الأخرى، ويضيف كمية من الماء حتى يلتصق التراب بغلاف الطلاسم والحجب والتمائم، فإذا ما جاء زبون ما وأوهمه بأن به سحرًا مدفونًا، وبعد أخد ورد وتحديد مبلغ الصفقة يقرر الذهاب معه لاستخراج السحر وإبطاله، فيأخذ معه حجبًا مختلفة الأنواع ويخبئها معه وما إن يصل إلى المكان الَّذي أشار إليه حتى يلقي فيه نظرة فاحصة استطلاعية لمعرفة المكان الَّذي يصلح فيه تنفيذ خطة المكر والنصب والاحتيال.
فيضع حجابًا أو أكثر خفية وما إن يتمكن من ذلك حتى يباشر عملية البحث أو الحفر في المكان المستهدف، فيتم العثور على ما خُبئ مُسبقًا إن تمت العملية بنجاح فذاك ما كان يصبو إليه صاحبنا، وإن كان العكس فمصيره آنئذٍ مجهول.
وأخيرًا أستطيع أن أزعم أن كل من قال إنه يجلب السحر، أو يستحضره، أو يستخرجه من تحت التراب، أو يأتي به من مكان بعيد، بدعوى أنه يتعامل مع الشياطين، أو مع الروحانيات، أو مع الخدام فهو كذاب ودجال ومشعوذ، يُمارس النصب والاحتيال على الآخرين استغلالاً لسذاجتهم وجهلهم بحقيقة الأمور.
فواجبٌ على كل من عرف حقيقية أمرهم أن يفضحهم وألا يتركهم يفعلون الأفاعيل بالناس الجاهلين بأفعالهم ومخططاتهم الدنيئة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.