في سنة 1916 وضع تيرمان ثاني رائز ذكاء في التاريخ، وأطلق لويس تيرمان عليه اسم مقياس ستانفورد-بينيه للذكاء (Stanford–Binet Intelligence Scale). وقد شاع تسميته اختبار ستانفورد بينيه في الأوساط العلمية، وما زال يُستخدم حتى اليوم في صورة مطورة لغرض قياس الذكاء لدى الأطفال والبالغين.
من يكون لويس تيرمان (Lewis Terman)؟
لويس ماديسون تيرمان (Lewis Madison Terman) (1877-1956) هو عالم نفس أمريكي، يُعد من رواد علم النفس التربوي وسيكولوجيا الذكاء. تحصَّل في جامعة كلارك Clark University على شهادة الدكتوراة، بأطروحته بعنوان «العبقرية والغباء: دراسة لبعض العمليات الفكرية»، حيث قام بتطبيق اختبارات كاتل (Cattell tests).
في عام 1910، عُيِّن أستاذًا لـ علم النفس التربوي في جامعة ستانفورد (Stanford University)، وبقي عاملًا بها حتى تقاعد سنة 1942م، ثم متعاونًا إلى أواخر حياته. أسهم تيرمان ضمن لجنة من علماء النفس تحت إشراف روبرت يركس (Robert Yerkes) في أثناء الحرب العالمية في وضع أول رائز ذكاء جماعيٍّ للجيش الأمريكيِّ «اختبارات ألفا وبيتا» (Alpha/Beta tests)، وكان أبرز اهتماماته هو دراسة الذكاء البشري.
من أهم مؤلفاته كتاب «نهج جديد لدراسة العبقرية» A New Approach to the Study of Genius عام 1922. وأجرى دراسة طولية حول الأطفال الموهوبين، بعنوان «الدراسات الجينية للعباقرة» (Genetic Studies of Genius) بدءًا من عام 1921.
وفيه جرى فحص 1528 طفلًا من كاليفورنيا، يتعدى معدل ذكائهم الـ 140. وكان يؤمن بعلم تحسين النسل الذي أسسه غالتون، وهو جانب مثير للجدل في تاريخه العلمي، فكان يرى الذكاء صفة وراثية بالدرجة الأولى.

نسب تيرمان الرائز إلى جامعة ستانفورد، وأضاف اسم «ستانفورد» للإشارة إلى الجامعة التي أُنجز فيها العمل، ولم ينسبه إلى نفسه؛ لعله تواضعًا، أو لأنه ساعده في النسخة الأولى من ستانفورد بينيه مجموعة من طلاب المرحة العليا من هذه الجامعة، أو لأنه كان يريد أن يشاركه آخرون في تطوير الرائز، وهذا ما فعله في النسخة الثانية من مقياس ستانفورد بينيه، إذ استعان بمود أماندا ميريل، أو لأنه كان يريد أن يأتي بعده من يواصلون عمله، وكان يتوقع ذلك، أو لأنه كان يريد شهرة لهذه المؤسسة الجامعية، وأظن أنه كان لديه قوة انتماء لهذه المؤسسة الجامعية وقوة اعتزاز بها.
تاريخ مقاييس الذكاء: كم عدد نسخ الرائز؟ ومَن وضعها؟
شهد تاريخ اختبارات الذكاء تطورًا كبيرًا بدءًا من العمل الأصلي للفرنسيين ألفريد بينيه (Alfred Binet) وتيودور سيمون (Théodore Simon)]. وقد ظهرت من الرائز المعدل (ستانفورد-بينيه) إلى حد الآن خمس نسخ وهي:
- النسخة الأولى: صدرت سنة 1916، وهي من إعداد لويس تيرمان، وأطلق عليها اسم مراجعة ستانفورد مقياس بينيه-سيمون لقيس الذكاء وتوسيعه. وفي سنة 1920 تغيَّر الاسم إلى مراجعة ستانفورد لروائز بينيه-سيمون للذكاء، ثم شاع اسم مقياس ستانفورد-بينيه للذكاء. وفي هذه النسخة جعل scale في المفرد، واستعان لكبر المهمة في إعداد هذه النسخة بفريق من طلاب المرحلة العليا في جامعة ستانفورد.
- النسخة الثانية: صدرت سنة 1937، وهي من إعداد تيرمان ومود أمندا ميريل تحت عنوان: (مراجعة جديدة لروائز ستانفورد بينيه للذكاء)، وسُميت اختصارًا مراجعة تيرمان-ميريل.
- النسخة الثالثة: صدرت سنة 1960، وقد صدرت بعد وفاة تيرمان بأربع سنوات أي إنها تكريم لإرثه في تطوير اختبارات الذكاء. فقد قامت ماود ميريل التي كانت شريكته في تطوير النسخة الثانية بمراجعة الرائز وإصدار النسخة الثالثة من ستانفورد بينيه وحدها، واحتفظت باسم تيرمان في العنوان تكريمًا له. وأطلقت ميريل على هذه النسخة اسم: مقياس ستانفورد-بينيه للذكاء، صيغة L–M (مراجعة 1960).
- النسخة الرابعة: صدرت سنة 1986، وهي من إعداد روبرت لاد ثورندايك، وإليزابيث باولا هاغن، وجيروم موراي ساتلر. وسُميت مقياس ستانفورد-بينيه للذكاء، الإصدار الرابع، وتُختصر في الإنجليزية إلى SB-IV.
- النسخة الخامسة (الأحدث): صدرت سنة 2003. وقام غيل هارولد رويد بتطويرها تحت اسم مقاييس ستانفورد-بينيه للذكاء، الإصدار الخامس وتُختصر في الإنجليزية إلى SB5.
لماذا حُذف اسم سيمون من عنوان الرائز؟
ذكر اسم سيمون في عنوان الرائز النسخة الأولى، ثم مُحي منه في النسخ اللاحقة. ويبدو أن ذلك يعود إلى تيرمان نفسه وخياراته للأسباب التالية:
- قلة شهرة سيمون في الأوساط الأمريكية، ففي ذلك الوقت كان بينيه هو الاسم الأكثر شهرة عالميًا في علم النفس.
- ترجيح تيرمان أن بينيه يُعدُّ صاحب الفكرة الأصلية للرائز وصاحب المبادرة الفكرية.
- طول عنوان الرائز في النسخة الأولى، والاختصار له فائدة في النشر (Branding).
- كون بينيه كان قد توفي، فأصبح يمثل رمزًا علميًا تاريخيًا.
مدينة ستانفورد ونشأة وادي السيليكون
ستانفورد هي مدينة في شمال مقاطعة سانتا كلارا بولاية كاليفورنيا، وهي مقر جامعة ستانفورد التي تشغل الجزء الأكبر من أراضيها، وبها أكبر حرم جامعي في أمريكا. وتقع الجامعة في قلب وادي السيليكون (Silicon Valley)، وتُعرف بأنها «مهد وادي السيليكون»، وتشتهر بتخريج شخصيات بارزة في مجال التكنولوجيا. ويُعد وادي السيليكون العاصمة التقنية في العالم، إذ يضم المقرات الرئيسة لعشرات الشركات العملاقة العاملة في مجال التكنولوجيا المتقدمة.

فراد تيرمان الأب الروحي لوادي السيليكون
فريدريك تيرمان (Fred Terman) (1900-1982) هو ابن لويس تيرمان، وهو مهندس أمريكي استعان البنتاغون بخدماته في أثناء الحرب العالمية الثانية للمساهمة في تطوير الرادارات العسكرية؛ فأشرف على بحوث التشويش على الرادار في مختبر أبحاث الراديو بجامعة هارفارد (Harvard University). ويُطلق على فراد تيرمان عادة لقب «أبو وادي السيليكون» فقد وضع الأسس الثقافية والصناعية والاقتصادية لما سيصبح عليه هذا الوادي، وذلك للأسباب التالية:
- شجَّع طلابه على إنشاء شركاتهم التكنولوجية الخاصة بدلًا من الانضمام إلى شركات الساحل الشرقي الكبرى؛ لذلك يرتبط اسمه بمفهوم الشركات الناشئة startup company.
- ألهم الطلاب والفاعلين الاقتصاديين ثقافة ريادية بهدف بناء صناعة التكنولوجيا الأميركية المحلية.
- دعَّم مباشرة اثنين من طلابه السابقين، ويليام هيوليت وديفيد باكارد، وساعدهما في تأسيس شركة هيوليت باكارد (HP) في مرآب بمدينة بالو ألتو سنة 1939 والذين أصبحوا من أهم مؤسسو وادي السيليكون.
- أشرف على إنشاء مجمع ستانفورد الصناعي Stanford Industrial Park سنة 1951، وهو أول مجمع صناعي علمي جامعي في العالم.
انظر كيف يؤمن علماء الغرب بالمؤسسة التربوية أو الاقتصادية التي يعملون فيها، وماذا يفعلون لها ومن أجلها. فهذا واحد منهم لويس تيرمان كرَّس لها حياته في الاختبارات النفسية، وأنشأ ابنه فراد لذلك، ليأتي من بعده الرئيس الأمريكي جون كينيدي ليقول قولته الشهيرة: «لا تسأل ماذا يمكن لبلدك أن يفعل لك، بل اسأل ماذا يمكنك أن تفعل لبلدك».
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.