مقهى لقاء الوداع.. حين يعبر الغياب إلى الحضور

في زاوية هادئة قليلة الإضاءة من المدينة، كان يقبع مقهى صغير عتيق الملامح، طاولاته مائلة قليلًا كأنها ترفض الاتزان تمردًا، وساعته الجدارية رقمية تشير دائمًا إلى 0:00 لا تتقدم ولا تتأخر، رمزًا لبداية النهاية أو نهاية البداية أو التحول المصيري، وكأنها اللحظة التي يموت فيها الزمن القديم، ولا يكون الجديد قد بدأ بعد لحظة غريبة بين وجودين أقرب إلى (العدم الوجودي)، الوقت في هذا المقهى لا يمر بل يتأمل.

لا يعرف هذا المقهى إلا من احتاج إليه، لا لافتات إرشادية له ولا إعلانات ولا أضواء، لكنه كان يمتلئ كل مساء بزوار من نوع خاص، اسمه «مقهى لقاء الوداع»؛ لأنك فيه تدرك أن الوداع ليس لحظة، بل كائن يعيش فينا طويلًا ثم يرحل على مهل. 

«لقاء الوداع» اسم اختاره صاحبه حيان، وكتب تحته عبارة «حين يعبر الغياب إلى الحضور»، لم يكتبه على الباب فقط، بل كتبه ونقشه على كل أثاثات المقهى وعلى الطاولات، وكأنه تعمَّد أن يراه الزبائن في كل شيء، حتى إنه كتبه على فناجين القهوة.

حيان رجل في الخمسين من عمره، هادئ، ينظر إلى العالم بعين من الحكمة، عين من تأمل فبصر وذاق كثيرًا وعرف كثيرًا، يدير المقهى بصمت، يقدم القهوة ببطء كما لو أنه يسكب معها أسرارًا لا تُقال وقصصًا لا تروى.

ذات مساء دخل رجل في الثلاثين من عمره، ملامحه مرهقة كأن الحياة كانت تسير فوق كتفيه منذ سنوات، جلس بصمت متنهدًا لم يطلب شيئًا.

اقترب حيان ووضع كوب قهوة أمامه دون سؤال أو إشارة.

قال الرجل مستغرابًا: «كيف عرفت أنني أحتاج إليها؟».

أجاب حيان بهدوء: بعض الكلام لا يُقال، وبعض الأشياء لا تُطلب، وإنما تُعرف من واقع الحال.

صار زاهر يعود كل مساء، أحيانًا يتحدث وأحيانًا ينظر للفراغ، حاله كحال غيره من زوار المقهى، حكى عن أمه التي تنهشها الخلايا، وعن أخيه الذي رحل دون وداع، وعن أحلامه التي صارت مثل كتب مؤجلة: «سأعود لها لاحقًا» لكنها لم تعد وطال الانتظار.

حيان لم يعطه مواعظ فقط. قال مرة وهو ينظف طاولة فارغة: «الموت لا ينتظرنا في آخر الطريق، بل يمشي إلى جوارنا كل يوم، ويعيش معنا كل لحظة، وأنا قررت أن أجلس معه على فنجان قهوة».

بعد أسبوعين سأل زاهر فجأة: «هل أنت لا تخاف الموت؟».

أجاب بابتسامة صغيرة: «خفته طويلًا حتى صرت أعرفه، وتعلمت منه فأصبح لي معلمًا».

سأل زاهر باستغراب «وماذا تعلمت منه؟».

قال حيان مبتسمًا: «تعلمت منه أن الكلمة الطيبة لا تؤجل، وأن الأثر أهم من البقاء، وأن من يتعلم من الموت وحده يعرف كيف يصنع الحياة».

سكت زاهر قليلًا ثم تمتم وكأنه يحدث نفسه: «ربما خوفي من الموت كان لأنني لم أبدأ العيش بعد».

ابتسم حيان وقال وهو يصب قهوة جديدة: «كل شيء يمكن تأجيله إلا الحياة يا ابني».

قال زاهر متجهمًا: وهل هناك من يؤجل الحياة.

في الأيام التالية بدأ زاهر يتغير، كتب رسالة لأخيه المتوفى على الرغْم من أنه لن يقرأها، زار أمه وأمضى الليل يُضحكها بدل أن يبكي جوارها، اشترى ألوانًا ورسم لوحة كتب عليها: «حين يعبر الغياب إلى الحضور» بدأ يكتب في دفتر صغير، وعلى غلافه وضع جملة حيان: «الموت لا يطلب إذنك، فاجعل من وجودك قصيدة قصيرة لكنها مكتملة، وأنشودة جميلة لحنها لا يُنسى».

مرَّت شهور، وذات مساء دخلت شابة إلى المقهى، كانت شاحبة غارقة في صمتها، جلست في الزاوية ذاتها التي اعتاد زاهر الجلوس فيها، اقترب حيان ووضع أمامها كوب قهوة.

قالت الشابة بدهشة: «كيف عرفت أنني أحتاجها؟».

أجاب حيان بالابتسامة نفسها القديمة المعتادة لديه: «كل من يأتي إلى هذا المقهى لا بد أنه يحتاج شيئًا، ولا أحد يأتي صدفة».

في الزاوية الأخرى، كان زاهر يبتسم. يشرب قهوته ويكتب في دفتره، على الصفحة الأخيرة كتب بخط واضح بيِّن: «أنا لا أخاف الموت بعد الآن، أنا فقط لا أريد أن أرحل دون أن أكون أنا».

ثم أغلق الدفتر وسكب ما تبقى من القهوة على التراب بجوار زهرة مزروعة في فنجان قديم، وقال بصوت منخفض: «قد يعود الغائب بطريقة لا تشبه العودة، فإنه لا يعني حضور الجسد بل حضور الأثر والذكرى والحنين، وربما الإيمان بأن بعض الغياب لا يرحل حقًا».

ثم تنهد وقال: «ها أنا أعيش».

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.