في وسط القاهرة، وفي شارع طلعت حرب، يقف مقهى لا يبدو من الخارج إلا واحدًا من عشرات المقاهي التي عرفتها العاصمة خلال القرن العشرين، لكن «ريش» امتلك شيئًا لم تمتلكه أغلب المقاهي الأخرى، فقد دخل التاريخ من أبواب كثيرة في الوقت نفسه: باب السياسة وباب الفن وباب الصحافة وباب الأدب، ولذلك فإن الحديث عن مقهى ريش لا يعني الحديث عن مكان كان يجلس فيه الكتاب لشرب القهوة وتبادل الأحاديث، وإنما عن مساحة عاشت داخلها أجزاء من الحياة المصرية الحديثة، وشهدت تحولات المجتمع وهي تنتقل من زمن إلى زمن.
تعود بداية المقهى إلى عام 1908، في منطقة كانت آنذاك جزءًا من قلب القاهرة الخديوية، ثم حمل اسم «ريش» بعد انتقال ملكيته إلى الفرنسي هنري بير عام 1914، وتشير المصادر إلى أن المكان مر بعد ذلك بعدد من الملاك من جنسيات مختلفة قبل أن تنتقل ملكيته إلى المصري عبد الملاك ميخائيل عام 1960، ومع تغير الزمن تغير رواد المقهى أيضًا، فتحول تدريجيًا من مكان يرتاده الأجانب والطبقات الاجتماعية المختلفة إلى واحد من أشهر ملتقيات المثقفين والفنانين والسياسيين في القاهرة.
لكن أهمية ريش لم تبدأ من الأدب وحده، ففي السنوات الأولى من القرن العشرين كان موقعه في وسط القاهرة يمنحه ميزة استثنائية، فهو قريب من المؤسسات الصحفية ومكاتب المحامين ومراكز الحركة السياسية، وفي منطقة كانت الأخبار والأفكار تتقاطع فيها بصورة يومية، ولذلك لم يكن غريبًا أن يتحول المقهى إلى مكان يلتقي فيه الصحفيون والمثقفون والسياسيون، وأن يصبح جزءًا من المشهد العام الذي كانت القاهرة تصنع فيه صورتها الحديثة.
ريش وثورة 1919: عندما خرج المقهى من الأدب إلى التاريخ
واحدة من أكثر صفحات تاريخ كافيه ريش إثارة هي علاقته بثورة 1919، فقد ارتبط المقهى بروايات تاريخية عن استخدام قبو أسفل المكان في طباعة منشورات سرية مؤيدة للثورة، وهي رواية دعمتها واقعة العثور على مطبعة في المكان بعد أعمال ترميم أعقبت زلزال القاهرة عام 1992، وتذكر مصادر تاريخية وصحفية أن القبو كان مناسبًا لإخفاء النشاط عن أعين سلطات الاحتلال بسبب وجود ممرات ومخارج مرتبطة بالمبنى والمنطقة المحيطة به.
وبذلك تصبح قيمة ريش مختلفة تمامًا، لأن المكان لم يعد مجرد مقهى يستضيف مناقشات حول السياسة، بل ارتبط بفعل سياسي مباشر في واحدة من أهم لحظات التاريخ المصري الحديث، وحتى إذا تعاملنا بحذر مع بعض التفاصيل التي تناقلتها الروايات الشعبية حول القبو وأدوار الأشخاص الموجودين فيه، فإن وجود المطبعة واكتشاف المكان بعد عقود يظلان جزءًا موثقًا من تاريخ المبنى والمقهى.

من التياترو إلى أم كلثوم: المسرح كان حاضرًا في المكان
لم يكن ريش مقهى بالمعنى الضيق للكلمة، فقد ارتبط أيضًا بالمسرح والغناء، وتشير المصادر إلى وجود مسرح تابع للمكان، استضاف عروضًا فنية وموسيقية، ومن بين الأسماء التي ارتبطت بهذه المرحلة أم كلثوم، التي غنت في مسرح ريش في بدايات مسيرتها بالقاهرة، إلى جانب فنانين آخرين، وهو ما يكشف أن المقهى كان جزءًا من الحياة الفنية قبل أن يصبح في الذاكرة المصرية رمزًا للأدباء والمثقفين فقط.
وهذه النقطة مهمة لفهم تاريخ المكان، لأن القاهرة في ذلك الوقت لم تكن تفصل الثقافة إلى جزر منفصلة كما يحدث أحيانًا في تصورنا المعاصر، فالمسرح والصحافة والشعر والسياسة والموسيقى كانت تلتقي في أماكن محدودة، والمقهى كان واحدًا من أهم هذه الأماكن، ولذلك استطاع ريش أن يستقبل الفنان بجوار الصحفي، والشاعر بجوار السياسي، والناقد بجوار الممثل.
الأدباء يدخلون الحكاية
مع مرور العقود، أصبح اسم ريش أكثر ارتباطًا بالأدب، وارتبط المكان بعدد كبير من الكتاب والمثقفين المصريين والعرب، وتذكر مصادر القاهرة الرسمية أسماء مثل طه حسين وعباس العقاد ونجيب محفوظ ضمن المثقفين الذين ارتبطوا بالمقهى، في حين تشير مصادر أخرى إلى حضور أسماء مثل يوسف إدريس وأمل دنقل وصلاح جاهين ويحيى الطاهر عبد الله ونجيب سرور وثروت أباظة وغيرهم من الكتاب والشعراء والفنانين.
لكن أهمية هذه الأسماء لا تكمن في مجرد وضع قائمة طويلة من المشاهير على جدران المقهى، وإنما في أن ريش كان جزءًا من شبكة الحياة الثقافية التي صنعت الأدب المصري الحديث، فالكاتب لم يكن يعيش داخل كتابه فقط، وإنما كان يعيش في المدينة ويتفاعل مع الصحفيين والفنانين والقراء والناشرين والسياسيين، والمقهى كان أحد الأماكن التي تسمح لهذا كله بأن يحدث في اللحظة نفسها.
نجيب محفوظ: المقهى بوصفه جزءًا من حياة الكاتب
يصعب الحديث عن المقاهي والأدب المصري الحديث دون المرور بنجيب محفوظ، لكن العلاقة بين محفوظ والمقهى لا ينبغي اختزالها في الصورة الشائعة عن الكاتب الذي يجلس في المقهى ويكتب رواياته، فالمقهى في التجربة الثقافية المصرية كان مساحة للقاء وتبادل الأفكار وتكوين الصداقات ونشوء الاختلافات، وهي كلها أشياء لا تظهر بالضرورة على صفحات الرواية، لكنها تؤثر في المناخ الذي يولد فيه الأدب.
وتذكر المصادر أن نجيب محفوظ كان من أبرز رواد ريش، وأن المقهى ارتبط بجلساته ولقاءاته الثقافية، حتى إن صاحبه كان يغلق المقهى يوم الجمعة في فترة معينة لإتاحة المكان لاجتماعات محفوظ ورفاقه، وهي واقعة تكشف مدى تحول المكان من مقهى عام إلى مساحة ثقافية لها تقاليدها الخاصة.
صلاح جاهين وأمل دنقل: جيل آخر من الحكاية
لم يتوقف حضور ريش عند جيل محفوظ وطه حسين والعقاد، فقد استمر المقهى في استقبال أجيال لاحقة من الشعراء والكتاب والفنانين، ومن بينهم صلاح جاهين وأمل دنقل ويحيى الطاهر عبد الله ونجيب سرور، وهو ما جعل المكان قادرًا على الاحتفاظ بصلته بالأدب في الوقت الذي كانت فيه القاهرة نفسها تتغير بصورة سريعة.
وفي هذا الامتداد عبر الأجيال تكمن أحد أهم أسرار ريش، فهو لم يصبح مهمًا لأنه ارتبط بجيل واحد، وإنما لأنه استطاع أن ينتقل من جيل إلى آخر، وأن يحتفظ بوظيفته بوصفه مكانًا يلتقي فيه أصحاب الأفكار، ولذلك يمكن النظر إليه على أنه جزء من تاريخ الحياة الثقافية المصرية لا مجرد شاهد على تاريخها.
لماذا كانت المقاهي مهمة للكاتب المصري؟
قبل أن تصبح للكاتب غرفة خاصة مزودة بجهاز كمبيوتر واتصال دائم بالإنترنت، كان المقهى يؤدي بعض الوظائف التي تؤديها اليوم أماكن كثيرة متفرقة: كان مكانًا للعمل أحيانًا، وللقاء الأصدقاء أحيانًا، وللنقاش والجدل وتبادل الأخبار، وكان يسمح للكاتب بأن يسمع اللغة وهي تتحرك في الشارع، لا أن يسمعها فقط داخل الكتب.
ولهذا ارتبطت المقاهي في الذاكرة الأدبية المصرية بفكرة أوسع من الجلوس، فالمقهى كان مختبرًا اجتماعيًا مفتوحًا، يستطيع الكاتب فيه أن يرى الشخصيات ويتابع العادات ويسمع الحكايات ويراقب الخلافات، وربما لا يكون قد كتب شيئًا على الطاولة نفسها، لكن ما سمعه ورآه يمكن أن يعود بعد سنوات في صورة شخصية روائية أو مشهد مسرحي أو قصيدة.
ريش لم يصنع الأدب.. لكنه وفر له المكان
من الخطأ أيضًا أن ننسب إلى المقهى فضلًا مباشرًا في صناعة أعمال الأدباء، فالكاتب هو الذي يكتب، والكتاب هو الذي يبقى، لكن المكان يستطيع أن يصنع المناخ الذي يسمح للأفكار بأن تتقاطع، وهذه هي قيمة ريش الحقيقية: لم يكن هو الذي كتب الروايات والقصائد، لكنه كان واحدًا من الأماكن التي التقى فيها أصحاب هذه الكتابات وتبادلوا الأفكار والأخبار والمواقف.
وفي ضوء ذلك يمكن فهم لماذا احتفظ المقهى بمكانته في الذاكرة الثقافية حتى بعد تغير القاهرة وتغير عادات الكتابة والقراءة، فالأماكن التي تستقبل أجيالًا متعاقبة من المثقفين لا تصبح مجرد عقارات، وإنما تتحول بمرور الوقت إلى جزء من السيرة الجماعية للمدينة.
مقهى صغير وذاكرة أكبر من مساحته
ربما يكون أكثر ما يلفت النظر في قصة ريش أن المكان نفسه ليس مؤسسة ثقافية ضخمة، وليس مسرحًا قوميًا ولا جامعة ولا دار نشر، ومع ذلك ارتبط اسمه بمحطات شديدة التنوع من تاريخ مصر، من ثورة 1919 إلى المسرح والغناء والصحافة والأدب والسياسة، وهذه المفارقة هي التي جعلت المقهى قادرًا على البقاء في الذاكرة.
وفي عام 1992، كشفت أعمال الترميم بعد الزلزال عن القبو والمطبعة المرتبطة بروايات ثورة 1919، فتحول جزء مخفي من تاريخ المكان إلى مادة يمكن رؤيتها، وكأن المبنى نفسه كان يحتفظ بأرشيفه في جدرانه، وفي الصور والآلات والأثاث والقصص التي تراكمت داخله عبر أكثر من قرن.
لماذا بقي اسم ريش بعد رحيل رواده؟
الأماكن عادة تموت عندما يموت الأشخاص الذين صنعوا شهرتها، لكن ريش كان استثناءً نسبيًا، لأن كل جيل كان يضيف اسمًا جديدًا إلى ذاكرته، وكل مرحلة تاريخية كانت تترك فيه أثرًا جديدًا، ولذلك لم تعد قيمة المكان مرتبطة بشخص واحد، مهما كان هذا الشخص مهمًا، وإنما أصبحت مرتبطة بفكرة المقهى نفسه بوصفه مساحة من مساحات الثقافة المصرية.
ولهذا نجد صور الأدباء والفنانين معلقة في المكان، لا على أنها زينة سياحية فحسب، وإنما بوصفها محاولة للحفاظ على الذاكرة، فالصورة، بهذا المعنى، تقول إن هؤلاء الأشخاص مروا من هذا المكان، وإن المقهى كان في لحظة ما جزءًا من عالمهم، وإن تاريخ الثقافة لا يُكتب فقط في الكتب الرسمية، وإنما يمكن أن يترك أثره أيضًا على طاولة مقهى وكرسي وصوت يتردد في مكان مغلق.

ريش… عندما يصبح المكان وثيقة
توجد أماكن لا تحتاج إلى متحف كي تصبح متحفًا، لأن جدرانها وأثاثها وذاكرة روادها تتحول بنفسها إلى وثائق، ومقهى ريش واحد من هذه الأماكن، فالمبنى شهد تغير أسماء الشوارع والميادين، وتعاقب الملكيات، وتحولات القاهرة السياسية والاجتماعية، ودخول أجيال جديدة إلى الصحافة والفن والأدب، ثم خروج أجيال أخرى؛ أما المكان فبقي قادرًا على الاحتفاظ باسمه.
ولذلك فإن قيمة ريش لا تكمن فقط في عدد المشاهير الذين جلسوا داخله، فلو كانت المسألة مجرد أسماء لكان من السهل أن يتحول إلى قائمة طويلة من المشاهير، لكن القيمة الحقيقية في أن المقهى كان في قلب مدينة تتحرك باستمرار، وكان قريبًا من الأحداث والأفكار والأشخاص الذين صنعوا جانبًا مهمًا من مصر الحديثة.
من مقهى إلى ذاكرة أدبية
حين نقول إن ريش واحد من أهم الأماكن في تاريخ الأدب المصري، فنحن لا نقول إن الأدب المصري ولد على طاولاته، ولا إن كل كاتب كبير مر به، وإنما نقول شيئًا أكثر دقة، وهو أن المقهى أصبح مع الزمن نقطة التقاء بين عدد من التيارات الثقافية والفنية والسياسية التي صنعت جانبًا من صورة القاهرة الحديثة.
وهذا ما يجعل قصة ريش مختلفة عن قصة أي مقهى عادي، فالمكان لم يحتفظ بأهميته لأنه ظل يقدم القهوة لأكثر من قرن، وإنما لأنه احتفظ بقدرته على استقبال البشر والأفكار في مدينة كانت تتغير باستمرار، ولذلك عندما يدخل القارئ إلى ريش اليوم فإنه لا يدخل فقط إلى مقهى قديم، وإنما إلى مكان مرت به طبقات متراكمة من الذاكرة المصرية.
ريش: مقهى صغير أصبح أكبر من مقهى
ربما لهذا السبب بقي اسم «ريش» حيًا في الحديث عن الأدب المصري، فالمقهى لم يتحول إلى مؤسسة أدبية بالمعنى الرسمي، ولم يحصل على سلطة أكاديمية أو ثقافية، لكنه امتلك شيئًا آخر أكثر بساطة وأكثر إنسانية: امتلك المكان الذي يجلس فيه الناس ويتحدثون، ومن هذه الأحاديث تتولد أحيانًا الصداقة والخلاف والفكرة والحكاية، ثم تتحول الحكاية بعد ذلك إلى قصيدة أو رواية أو مسرحية أو مقال.
أسئلة شائعة عن تاريخ وموقع مقهى ريش
نقدم لك إجابات سريعة ومباشرة عن أبرز الأسئلة الشائعة المتعلقة بموقع مقهى ريش التاريخي وتطور ملكيته عبر العقود:
أين كافيه ريش؟
يقع مقهى ريش في منطقة وسط البلد بالقاهرة بالقرب من ميدان طلعت حرب، وهو واحد من أشهر معالم القاهرة الخديوية.
ما هو عنوان كافيه ريش في وسط البلد؟
29 شارع طلعت حرب (سليمان باشا سابقًا)، وسط البلد، القاهرة، مصر.
من هو صاحب كافيه ريش؟
تأسس المقهى عام 1908 على يد الألماني برنارد شتاينبرغ، ثم انتقلت ملكيته إلى الفرنسي هنري بير عام 1914، آلت بعدها إلى عدة ملاك أجانب حتى اشترته عائلة عبد الملاك المصرية عام 1960 وتولى إدارته مجدي عبد الملاك.
وبعد أكثر من قرن على بدايته، يبدو أن أهم ما تركه ريش ليس مجموعة من الصور المعلقة على الجدران، ولا قائمة بأسماء المشاهير الذين جلسوا فيه، وإنما فكرة أن الثقافة لا تعيش فقط داخل المؤسسات، وأن مدينة مثل القاهرة يمكن أن تكتب جزءًا من تاريخها على طاولات المقاهي، وأن مقهى صغيرًا في شارع من شوارع وسط البلد يستطيع، إذا تزامن وجوده مع أجيال من الكتاب والفنانين والسياسيين، أن يتحول من مكان عابر إلى شاهد على قرن كامل من حياة مصر.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.