كتاب منطقة الكاشا عبر القرون
المقدمة
إن التطور والتجديد الثقافي الذي نصبو إليه في مجتمعنا الكاشاوي هو من الشواهد على طبيعة حركة التحضر والتحديث والنمو التراثي السائد في كل المجتمعات إلا أن السؤال الذي يرد ويخطر على البال، هو ما هي أبعاد هذا النمو الحضري والمدني الذي يقود هذا الجيل في منعزل عن التراث المحلي وما هي انعكاسات هذا التحديث والتحضر على البيئة الاجتماعية والثقافية في ظل عدم استعداد أغلب أفراد جيل اليوم لهذه النقلة التاريخية الهامة ؟ وواضح في عين المنصف بان هناك عبث كبير في الاهتمام بالتراث وبالنحو التي يؤدي إلى محو التاريخ التليد في المنطقة ، والتسبب في بعثرة ذاكرته ، وتضييع ذكريات أهله وناسه، وتحويلها إلى مجرد أطلال خاوية، أو تدميرها وتحويلها إلى هشيم مكدس فوق بعضه، أو إلى هباء منثورا، تذروه الرياح وتبعثره في كل مكان إذا لم تكن هناك الاهتمام بقدر أهمية هذه العملية الهامة التي تقف عنوانا ومدخلا إلى القوميات وتحدد هويات الأجناس البشرية وتميزها عن أخواتها . ومن المشروع أيضا أن نتساءل في ظل معمعة وزخم العولمة ، وزمن التقدم التكنولوجي، لماذا كل هذا النزوع نحو نبذ التراث، والجري خلف أضواء المدينة المعاصرة ، والإعمار العشوائي والهش، الذي لا يحترم التراث وتاريخه وروحيته ؟ أن أهمية التراث لا تنبع فقط من كونه الوعاء “الناقل” للحضارة عبر الأجيال، بل يقترن بموضوع الهوية كونها من تجليات وإفرازات الثقافة المحلية والمعبر عن المراحل التي تعاقبت على ذاكرة وتاريخ المنطقة، وعليه أي محاول أو مجرد عدم إيلاء البال على هذا التراث العريق تعتبر دعوة لمحوها وهي أشبه بمن يمحو الجينات البنيوية لكائن عضوي يحمل تاريخا وحضارة وذاكرة تتضمن العادات والتقاليد والممارسات الاجتماعية والخبرات المتناقلة التي مرت بالأجيال من السلف إلى الخلف فهل يا ترى بعد الذي جرى ويجري على التراث والبيئة من محو وتجاوز وتعدي وعدم اهتمام ، وبعدما خلّفه ذلك وَيُخْلِفهُ من انعكاسات سلبية على جودة الحياة المعيشية ونوعيتها أن نجلس مكتوفي الأيدي ونلهف لمشاركة الآخرين في المهرجانات التي تعرض فيها التراثيات، أني أرى أن الموضوع يستدعي منا جميعاً التفكير بجديه في هذه الثروة التراثية والعمل على تأسيس وعي جديد بها، وإبداع أفضل الوسائل والطرق التي تساهم في الحفاظ عليها من التبعثر والضياع والتشتت.
إن هذا الكتاب ، منطقة الكاشا عبر القرون ، قراءة في التراث الثقافي والاجتماعي، أردته أن يكون تسليطاً للأضواء على مجتمع المنطقة وهو كتاب يتناول بالبحث مسألة الثقافة التقليدية وممارسات الإنسان الثقافية في تلك المنطقة . وأهمية هذا الكتاب كما أرى ، تكمن في تمكين أكبر قدر من المهتمين والمفكرين لكي يدلوا بدلوهم في هذا المضمار مواصلة لهذا المجهود الذي من الممكن أن يوصل إلى نتائج موضوعية لتفيد في تحسين حياة إنسان المنطقة المعني بذلك ، وحتى تعم الفائدة لنقل هذه الدراسة إلى المجتمعات المختلفة في السودان على تباين مناطقها الجغرافية .
ثم إن هذا الكتاب ، فتح للباب على مصراعيه أمام المهتمين في مختلف التخصصات وتيسير لمهمة الوصول إلى الحقائق الكامنة والغائبة التي في حاجة إلى البحث والتنقيب ومساهمة مني في تشجيع وإثراء البحث العلمي في المجتمع المحلي للمنطقة .
وإن هذا الكتاب لهو طرح واستعراض للفنون الشعبية والموسيقية وأنماط الثقافة المادية بصفة قاطبة مما يعين في توثيق هذه الفنون وتقنينها والاستفادة منها في ميدان العلم والمعرفة وإفادة وتبصرة الأجيال عن ماضي التراث الثقافي لخلق التسلسلية في التناقل الجيلي، ثم إن غياب الدراسات العلمية التي كتبت عن تاريخ إنسان هذه المنطقة وتاريخ الثقافة المحلية والتقليدية يحتم علينا كل ذلك. وأنا أرى أنه لابد من الحفاظ على الثقافات السابقة للأولين ثم إن نشر التراث المحلي للإنسان والحرص على ذلك من منطلق كون المنطقة حدودية وقابليتها المستمرة لهجرات الإنسان منها واليها ، وان استراتيجيتها الحدودية تلك التي تقبل التمازج المستمر والمتغير تبعاً لتركيبة الإنسان الفسيولوجية والثقافية والجغرافية والعقائدية .
ومن موجبات هذا الكتاب ، الحاجة الماسة لمفسر ثقافي لمجتمع المنطقة الشيء الذي سيساهم في الوصول إلى القراءة الصحيحة ثم الفهم التام لهوية الإنسان مما يعين في وضع البرامج التنموية وترقية حياة الإنسان من منظور علمي صحيح ومبرمج .
ولقد كان منهجي كتابة هذا السطور ، مبني على الملاحظة والمتابعة الميدانية والوصف والتحليل والقياس . وإن كوني كمواطن ومسقط راسي في هذه المنطقة ثم إن إلمامي ببعض المفردات من لغات هذه المنطقة ومعايشتي المستمرة والمباشرة لحياة الإنسان سهل كثيراً من صناعة هذا الكتاب والذي أخذ كثيراً من وقتي لإخراجه بهذه الصورة التي ربما ترضي المجتمع أو تفتح له آفاق التنقيح والتجويد مستقبلاً ، ولقد قمت بترسيم الأشكال والأدوات الموجودة في المجتمع المحلي بخطوط اليد مع الاستعانة ببعض الرسامين ، ولقد قمت بتقسيم الكتاب إلى عشر أبواب .
وفي الباب الأول ، قدمت نبذة عن فذلكة عن علم الفلكلور والتراث الثقافي استنادا على ما جاء في المراجع العلمية ثم بينت التعريف بالإنسان ومكان ودائرة الكتاب وقمت كذلك بتفسير مسميات المنطقة من الناحية الجغرافية ومعنى عبارة ودلالة (منطقة الكاشا) في العرف المحلي الشفهي ، وأفردت مساحة للتعريف بقبيلة الكاشا باعتبارها حاضرة هذه المنطقة والمساكن الأولى التي قامت عند إنشائها ثم انتقالاً إلى القرى المجاورة والمعالم الجغرافية.
وفي الباب الثاني جئت بالتعريف بالمجموعات السكانية في هذه المنطقة انطلاقاً من أصولية قبيلة الكاشا ومروراً بالقبائل الأخرى التي جاءت بسبب الهجرات.
وأما الباب الثالث تم التركيز فيه للحديث عن الثقافة المادية والصناعات الشعبية بما فيها صناعة وبناء القطاطي الشعبية وأدوات ومقتنيات الإنسان . ثم عززت بالتعبير في هذا الباب، حكاية عن الحياة الطبيعية والجغرافية وبينت بالصورة والمرسومات ، صناعات الإنسان من الموارد الطبيعية التي جادت بها المنطقة من النباتات والأشجار ثم الحيوانات في البيئة المحلية وارتباط الإنسان بهذه الحيوانات الأليفة منها وغيرها في الحياة البرية من الصيد وخلافها .
وفي الباب الرابع كان الحديث عن اللغات والفنون الإنسانية والتراثية التي ارتبطت بالموسيقى والغناء مع التبيان بالنوتة الموسيقية مسار الألحان المحلية من حيث الإيقاع والميلودية وتناولت بالشرح كذلك ، أدب الزغاريد في المنطقة وارتباطها بالعادات والطقوس .
أما الباب الخامس فأفردته للحديث عن نظام الحكم التقليدي بالمنطقة . وبعدها أسماء الملوك الذين تعاقبوا على مقاليد الحكم في العمودية ثم نظام وتقاليد وتتويج العمدة وطقوسها.
في الباب السادس لقد كان التركيز حول الحياة الاجتماعية مشتملاً على الاسبار والطقوس والعادات المحلية والعلاقات مع الجوار وبعض الممارسات ذات الصلة بالعرف الشعبي مثل توصية البنت والولد بعد مراسم الزواج وعادة النفير الشعبي في المنطقة وعادة القميص أو الخروج إلى الصيد ، كما أفردنا مساحة في العقيدة والديانات التي ارتبطت بحياة المجتمع المحلي بالإضافة إلى الحياة الاقتصادية وأساليب الزراعة التقليدية والغذاء والأكلات الشعبية وقوت الإنسان من منتجات الأرض.
الباب السابع : حول دلالات الأسماء منها أسماء الأعيان والشهور والأسبوع. وبعدها أفردنا مساحة للملحق وفيه تم التبيان بالصور الفوتوغرافية لكل ما سبق عن الشخصيات في محتوى عرض الكتاب إن كان ذلك في جانب المبدعين والفرق الموسيقية أو رجالات الدين ورجالات الحكم التقليدي من والعمد وبعض المشايخ والصور الطبيعية لمواقع أثرية في المنطقة كمنطقة (الكونو ، منطقة ديني كذلك منطقة الأورج دوج وصور ذات صلة بمواقع الإنسان والمعالم المعروفة في حياة الإنسان الثقافية والتراثية ، وفي الثقافة المادية، كل الصور هذه في نظري تثبيت لمعاني مادة العرض ولقراءة المضامين عن رؤية وصورة ، وبعدها جاءت الخاتمة والمصادر والخرائط الجغرافية المبينة لمكان وموقع الدراسة .
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.