مقدمة القصيدة الجاهلية بين النمطية والتنوع

حظيت مقدمة القصيدة الجاهلية بدراسات جادة، اهتم بعضها بالوقوف عند أنواعها، ودراسات ثانية اهتمت بمحاولة تفسيرها، وثالثة اهتمت بتحليلها ودراستها، غير أن بعض الدراسات ما زالت تصف المقدمة الطَّلليَّة بأنها تقليدية.

اقرأ أيضًا الجمال والفن، رؤيةٌ جديدةٌ للحياة.

الشعراء في الجاهلية

قلَّد الشعراء بعضهم بعضاً أو أنها جاءت متشابهة متماثلة عند الشعراء الجاهليين، متأثرين أو مُتَّفقين -أقصد الباحثين- مع مقولة ابن قتيبة التي سمعها عن بعض أهل الأدب، والتي ترسم صورة القصيدة الجاهلية، وهي "أن مقصِّد القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الدِّيار، والدمن، والآثار، فبكى، وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق".

وعدَّ ابن رشيق القصيدة التي تخلو من المقدمة الطَّلليَّة قصيدة بتراء أو شوهاء، وقد وُصف نظام القصيدة هذا بأنه نظام قسري من شأنه أن يلغي ذاتية الشعراء الجاهليين، وذوقهم، وإبداعهم، وما كان الشاعر الجاهلي كذلك.

وفي هذا المقال سنجيب عن بعض التساؤلات التي كانت الإجابة عنها مُسلَّماً بها، وهي:

  •    ما مدى شيوع المقدمة الطللية في الشعر الجاهلي؟

ولا يدخل ضمن هذا الشعر موضوعات لاحظ بعض الباحثين خُلوَّها من مقدمات مثل شعر الرثاء، وخاصة الرثاء الخالص أو شعر الصعاليك أو شعر الحنين، وإنما موضوعات الشعر الجاهلي التي يؤكد القدماء والمحدثون أن المقدمة وبخاصة الطللية لازمة من لوازمها أو تقليد مُتَّبع ترسَّخ عند الشعراء الجاهليين.

  •   ما مدى اقتران المقدمة الطللية بالمديح؟
  •   ما مدى اقتران المقدمة الطللية بالرحلة؟
  •     هل جاءت صورة المقدمة الطللية نمطية، أم متشابهة، أم جاءت متنوعة مختلفة؟

اقرأ أيضًا مجموعة من القصائد الرومانسية

مدى شيوع المقدمة الطللية في الشعر الجاهلي

يؤكد بعض الباحثين أن المقدمة الطللية من لوازم القصيدة الطويلة في الشعر الجاهلي أو هي كثيرة كثرة واضحة غير أن النتائج الإحصائية للدواوين جاءت على عكس ذلك تماماً، وقد أتت كالآتي:

الشاعر

عدد القصائد

عدد المقدمات الطللية

النسبة المئوية

عمرو بن قميئة

15

4

27%

طرفة بن العبد

59

7

12%

بشر بن أبي خازم

46

14

30%

امرؤ القيس

94

12

13%

المثقب العبدي

9

1

1%

المتلمس

7

5

71%

الحارث بن حلزة

11

2

18%

عمرو بن كلثوم

35

0

0%

زهير بن أبي سلمى

53

11

21%

النابغة الذبياني

75

6

8%

قيس بن الخطيم

24

1

4%

عنترة

160

5

3%

الأعشى

83

3

4%

عبيد بن الأبرص

48

18

38%

لبيد بن ربيعة

64

4

6%

سلامة بن جندل

6

3

50%

الحادرة

16

1

6%

إن النظرة العميقة إلى نتائج الإحصاءات تشير بشكلٍ قاطعٍ إلى أن نسبة المقدمة الطللية هي نسبة قليلة جداً بصورة لافتة، على عكس ما كاد يستقر في الأذهان، ويكفي أن نشير إلى أن أكثر الشُّعراء قصائدَ هو امرؤ القيس، كان عدد المقدمات أربع عشرة مقدمة فقط، وهو الشاعر الذي كان ابن قتيبة قد ذكره على أنه السَّبَّاق إلى تقاليد القصيدة الجاهلية.

ويكفي أن نلحظ أيضاً أن بعض الشعراء قدَّموا قصائدهم بمقدمة واحدة فقط مثل قيس بن الخطيم أو بمقدمتين فقط مثل الحارث بن حلزة، والأكثر إدهاشاً أن ديوان عمرو بن كلثوم الذي يضُم خمساً وثلاثين قصيدة خلا من أي مقدمة طللية، بل إن المقدمة الوحيدة في ديوانه كانت مقدمة خمرية، هي:

ألا هُبّي بصحنِكِ فاصْبحينا          ولا تُبقي خمورَ الأنْدرينا

وأرى أن الظاهرة لا تخرج عن خاصية التَّنوُّع في المقدمات الجاهلية، أما لماذا كانت خمرية؟

لأن عمرو بن كلثوم قالها تحت نشوة الانتصار والفخر والأنفة بعدما واجه عمرو بن هند، والخمر هنا ترمز إلى الزهو بالغلبة والنصر، وبخاصة أن الخمر الممزوجة بالماء الساخن ترمز إلى الغضب، كما يقول المرحوم نصرت عبد الرحمن، ولذلك أكثرَ عمرو بن كلثوم من الاعتزاز بقبيلته قوةً وكثرةً وأنفةً، يقول:

ملأنا البَرّ حتّى ضاقَ عنّا             وماء البحر نملؤُه سفينا

ونشربُ إن وردَنا الماءَ صَفْواً       ويشربُ غَيرنَا كدراً وطِينا

وأنّا التاركونَ إذا سخطنا             وأنا الآخِذُون إذا رَضِينا

وقد قال أحدهم عن قبيلة تغلب: "لو أبطأ الإسلام لأكلت تغلب الناس".

اقرأ أيضًا تحليل قصيدة الفردوس المفقود للشاعر "إدريس الجاي"

مدى اقتران المقدمة بالرحلة

أشار ابن قتيبة إلى ركنٍ ثانٍ من نظام القصيدة الجاهلية ألا وهو الرحلة، وجعل تلازماً بين الأطلال والرحلة والمدح عند الشعراء الجاهليين وصورة الرحلة، كما يرى ابن قتيبة صورةً غايةً في المعاناة والمشقة بالنسبة للشاعر، وبالنسبة لناقته، حيث يشكو الشاعر النَّصب، والسَّهر، وسرى الليل، وحرَّ الهجير، وإمضاء الراحلة والبعير، فإذا علم أنه قد أوجب على صاحبه حق الرجاء وذمامة التأميل، وقرر عنده ما ناله من المكاره في المسير بدأ بالمديح، فبعثه على المكافأة وهزَّه للسماح، وفضّله على الأشياء، وصغّر في قدره الجزيل.

فما مدى صدق هذا في قصائد الدواوين موضوع الدراسة؟

خلت كثير من قصائد هؤلاء الشعراء التي بدأت بمقدمات طلليَّة من عنصر الرحلة، فلم يصور امرؤ القيس مثلاً رحلة إلى ممدوح في جميع قصائده التي بدأها بمقدمات طللية، وهذا شأن عنترة في قصائده المبدوءة بالأطلال، وجاءت الرحلة في إحدى قصائد النابغة سريعة بعددٍ قليلٍ من الأبيات خلت من تصوير معاناة الشاعر أو ناقته يقول:

فلا بد من عوجاءَ تَهوي بِراكِبٍ    إلى ابن الجلاح، سيرُها الليلَ قاصِد

تخبِّ إلى النّعمان حتى تنالـه        فدى لك من ربٍّ طريفيِّ وتالـدِي

وكذلك مدح النابغة النعمان بن الحارث، دون مقدمة في قصيدة بدأها بقوله:

إن يرجع النعمان نفرح ونبتهج      ويـأت معداً ملكها وربيعهـا.

وصوَّر زهير بن أبي سلمى رحلة في معلقته التي مدح فيها هرم من سنان، والحارث بن عوف، ولكنها كانت رحلة ظعن لم يكن غرضها الوصول إلى الممدوح، بل جاءت صورة رحلة الظعائن غاية في الراحة، والاطمئنان، والدَّعة، والتَّرف، والجمال، يقول:

ظَهَرنَ من السّوبان ثُم جَزعْنَه            على كلّ قينِيّ قَشيب مُفَأّم

كأن فتاتَ العهْن في كلّ منزلٍ            نَزلْنَ به حَبُّ الفنا لم يُحطَّم

فلما وردنَ الماء زُرقاً جمامُه            وضَعْن عِصيَّ الحاضِرِ المتخيِّمِ

وجاءت رحلة المثقب العبدي غير مقرونة بمقدمة طلليَّة في نونيته المشهورة، وجاءت صورة الرحلة على عكس ما ذكر ابن قتيبة، إذ صوَّر المثقب نفسه قوية مطمئنة، حازمة أشدَّ الحزم، وكذلك صور ناقته قوية سمينة، يقول مصوِّراً ناقته أثناء الرحلة:

تَصَكّ الجانبين بمُشفتـرٍ                   له صوتُ أَبحُّ من الرَنين

كأنَّ نَفِيَّ ما تنفي يَداهـا                   قِذافُ غريبةٍ بيديْ مُعينِ

ويقول مُصوِّراً ناقته في آخر الرحلة:

فَأَبقى باطِلي وَالجِدُّ مِنها                  كَدُكّانِ الدَرابِنَةِ المَطينِ

فرحت بها تُعارِضُ مسْبِكرًّا             على ضحضِاحه وعلى المُتونِ

وقد وقف أكثر من باحث عند هذه النفسيَّة القوية الحازمة، وفسَّروا ذلك بالوحدة النفسية في نونية المثقب، لقد كان حازماً أشد الحزم مع فاطم:

فإني لـو تُخالِفُني شمالي                خلافَكِ ما وَصَلتُ بها يَميني

إذنْ لقطعتُهـا ولقلتُ: بينِي               كذلك أجْتَوي من يَجتَوينـي

وكان حازماً ما مع عمرو بن هند:

فإما أن تكـونَ أخِي بحَـقّ              فأعْرفُ منكَ غثِّي من سَميني

وإلا فاطّرحني واتّخذني               عدوًا أتّقيك وتتّقيني

فأين هذا من المعاني التي ذكرها ابن قتيبة؟

اقرأ أيضًا روحانيات الأدب الصوفي

الشعر ونفسية الشاعر

إن صورة الرحلة المتنوعة توجب علينا تعمُّق صورة الرحلة، ونرد قول ابن قتيبة، ويمكن تبرير ذلك بأنه لم يستقص الشعر العربي بتمامه، ولا نقتنع بتفسير وهب رومية بأن الرحلة هي تخلُّص فنِّي من موضوع إلى موضوع.

والأوْلَى ربط الرحلة بنفسية الشاعر كما ذكرنا، وهذا ما التفت إليه بجلاء أنور أبو سويلم، عندما ذكر أن الشعراء كانوا يلُوذون إلى الناقة، ويتوسَّلون إليها، علّها تُخلّصهم من الهمّ المقيم، والمخاوف الناصبة.

ومن القصائد التي تمثل ذلك قصيدة النابغة الذبياني في مدح النعمان بن المنذر، حيث بدأ قصيدته تلك بمقدمة طلليلة صوّر فيها الدمن البالية الدارسة، وما اعتراها من متغيرات جرّاء الرياح السوافي، والأمطار، وصوّر الحيوانات التي تسرح في أفنائها إذ يقول:

أمِن ظلّامة الدّمـنُ البوالـي      بُمْرفَضّ الحُبـيّ إلى وُعالِ

فأمواه الدُّنا فعُويـرِضـاتٍ       دوارسَ بعد أحيـاءٍ حِـلالِ

تأبّـد لا تـرى إلا صُـوارا         بمرقـومٍ عليه العهـدُ خالِ

تعاورها السّواري والغوادي    وما تُذري الرّياحُ من الرّمالِ

ثم خلص الشاعر إلى الرحلة إذ جعلها تخلُّصًا من الحال (القفر) الذي يعيشه للانتقال إلى حال آخر أو واقع آخر، هو الارتحال إلى النعمان بن المنذر ولقائه، فمدحه بأوصاف أهمها الكرم والعطاء مُظهراً له الولاء والوفاء يقول:

فلمّـا أن رأيت الـدّار قفـراً          وخالَفَ بالُ أهل ِ الدّارِ بالـي

نهضْـتُ إلى عذافِرة صموتٍ       مذكّـرَة تجـلُّ عـن الكَـلالِ

فداءٌ لامـرئ سـارت إليـه          بعـذرةِ ربّها عمّـي وخالـي

ومن يغرفْ من النُعمانِ سَجلاً     فليس كمنْ يُتيَّـه في الضّـلالِ

اقرأ أيضًا لا تكذبي: الشاعر والقصيدة

اقتران المقدمة الطللية بالمدح

ومثلما قرن ابن قتيبة بين الرحلة والمدح، قرن بين الأطلال والمدح، وجعلهما أي الأطلال والرحلة وسيلتين إلى المدح، بل وسيلتين للعطايا والهبات بشكل أدق، وكأنَّ ابن قتيبة يحكم على هذا الثراء الموضوعي والفني في مقدمة القصيدة بأنه أقرب إلى التحايل منه إلى الفن.

ومن ناحية نظرية لم أقف على خبرٍ عن شاعرٍ جاهلي أغرقه الممدوح بالعطايا والندى، بل إن التكسُّب بالشعر لم يكن ظاهرة بارزة إلا في فترة متأخرة من العصر الجاهلي.

فقد أورد الجاحظ عن أبي عمرو بن العلاء قوله: "كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيد عليه مآثرهم، ويفخم شأنهم، فلما كثر الشعر والشعراء واتخذوا الشعر مكسبة ورحلوا إلى السّوقة وتسرّعوا إلى أعراض الناس صار الخطيب عندهم فوق الشاعر".

لذلك فإن قول ابن قتيبة لا نراه في الشعر الجاهلي، ولكننا نراه بصورة واضحة في الشعر العباسي عند شعراء المدح.

أما من ناحية اقتران الأطلال بالمدح اعتماداً على الدواوين موضوع الدراسة، فجاء هذا الاقتران قليلاً جداً؛ لأن نسبة المقدمة الطللية كما وضح لدينا سابقاً كانت قليلة جداً.

ويكفي أن نشير إلى أن ديوان عنترة، وديوان امرئ القيس خليٌّ من اقتران الأطلال بالمديح، فجاءت قصائد المدح في هذين الديوانين وهو قليل دون مقدمات طللية.

اقرأ أيضًا الواقعية عند الشاعر السبتي وبعض قصائده

أمثلة لقصائد تخلو من المقدمة الطللية

وهناك ست قصائد في ديوان النابغة فيها مدح دون مقدمة طللية منها قصيدة في مدح غسان بدأها بقوله:

لا يبعد اللهُ جيرانا تركتُهـم           مثلَ المصابيحِ تجلو لَيلة الظّلمِ

ومنها قصيدة يمدح النعمان بن الجلاح الكلبي بدأها بقوله:

شكرتُ لك النّعمى فأثنيتُ جاهِداً    وعطّلتُ أعراضَ العُبيدِ بن عامِر

وله ثالثة في مدح النّعمانَ بن منذر بن السماء بدأها بقوله:

أبلغْ لديكَ أبـا قابوسَ مألكـةً           الواهبَ الخيلَ والقيناتِ والنَّعَمَا

ولزهير بن أبي سلمى -وهو المشهور بالمدح- أكثر من قصيدة خلت من المقدمة الطللية مثل: قصيدته التي مدح بها الحارث بن ورقاء إذ بدأها بقوله:

أبلغ بَني نوفَلٍ عني فَقد بَلغـوا        مِنّي الحفيظة لما جاءَني الخَبَر

إنّ ابنَ ورقاءَ لا تُخشَى غوائِله       لكنْ وقائِعهُ في الحربِ تُنتظرُ

وللأعشى ست قصائد مدح دون مقدمة أو رحلة، منها واحدة في مدح بني شيبان بن ثعلبة يقول في بدايتها:

فدًى لبني ذُهْل بن شَيْبانَ ناقَتي          وراكبُها يومَ الِلقاءِ وقلّتِ

هُمُ ضَربوا بالحِنْو حِنو قُراقِرٍ           مُقدمةَ الهَامَرْزِ حتى توَّلتِ

وله أخرى في مدح شريح بن حصن بن عمران بدأها بقوله:

شُرَيْحُ لا تَتركنّي بَعدَما عَلقتْ         حبالُكَ اليَومَ بَعْدَ القِدّ أَظْفاري

قد طُفْتُ ما بين بانْقيَا إلى عدنٍ     وطال في العُجْم ترحالي وتَسياري

فكانَ أوفاهُم عَهْداً وأمنعَهم            جَـاراً أبوكً بِعُـرْفِ غيْرِ إِنكـار

وعلى عكس ما ذكره ابن قتيبة من تلازم بين الطلل والمدح، جاءت الأطلال مقدمة لبعض قصائد في غير المدح مما يثير الاندهاش أو يلفت النظر، فمقدمة الحادرة الطللية الوحيدة جاءت مقترنة بالهجاء، وهو نقيض المدح كما هو معروف، يقول في بداية قصيدته مصوراً الأطلال:

لَعمْرةَ بينَ الأخْرَمين طلُولُ             تقادم منْها مُشهِرٌ ومحيـلُ

وقفتُ بها حَتّى تَعالى لِي الضّحى      لأخبـرَ عنهـا إنني لسـؤُولُ

ثم يقول في هجاء ابن سيار الفزاري مباشرة:

فإن تحسَبُوها بالحجاب ذليلةً           فما أنا يَوماً إن ركبتُ ذليـل

فإن شئْتُم عَدنْا صَديقاً وعُدْتُم          وإما أبيتُـمْ فالمُقامُ زَحُـولُ

وأرى أن مشاعر الحادرة في تصوير الأطلال منسجمة مع مشاعره في الهجاء، ففي الصورتين أدبار الديار وأفولها، وفي الهجاء أدبار الود وانقطاع العلاقة بينه وبين المهجو.

ولا تقلّ قصائد أخرى عن قصيدة الحادرة من حيث الخروج عن التقليد الذي أكده ابن قتيبة، ومن تابعة برأيه، فهناك أكثر من قصيدة للنابغة بدأها بمقدمة طللية أتبعها بأبيات في الرثاء، مثل قصيدته التي رثى فيها النعمان بن الحارث الغساني بدأها بقوله:

دعاكَ الهَوى واستجهلَتكَ المنازلُ   وكَيْفَ تصابي المرءِ والشّيْبُ شَامل

وقفتُ بربْعِ الدّارِ قد غيّر البِلـى     معارفهـا والساريـاتُ الهواطِـلُ

ثم رثى النعمان بقوله:

فإنْ تَكُ قد وَدّعت غير مُذمّم         أواسي مُلـك ثَبتّتهـا الأوائِـلُ

فلا تَبعـدَنْ أن المنيةَ موعـِدٌ          وكلّ امرئٍ يَوماً بهِ الحَالُ زائِل

ومثله قصيدة لزهير (في رثاء سنان المري) بدأها بتصوير الأطلال بقوله:

لسلمىَ بشرقيّ القنان منازلُ         ورسَمٌ بصحراء اللُبيّين حائلُ

عَفا عام حلّت صَيْفُه ورَبيعُه         وعامٌ وعام يتْبع العامَ قابـلُ

ثم رثى المرثي بقوله:

تَـراه إذا ما جئتـه مُتهلـلاً            كأنّك مُعطيهِ الذي أَنت سائِلُ

أحابي به ميتاً بَنخْلٍ وأبتَغـي        إخاءَكَ بالقولِ الذي أنا قائِـلُ

وواضح أن مشاعر الحزن الذي يظهرها الشعراء في رثائهم تتناسب مع صورة الأطلال التي عفت أو التي غيَّرتها الأيام، فبدت باهتة مقفرة، تخلو من الحركة والحياة، وهذه الصورة للأطلال في قصائد الرثاء أكثر صلة من موضوع المدح، ومشاعره، ونفسية الشاعر المقبلة على الممدوح الطامحة لحياة جديدة، وله أخرى في رثاء هرم بن سنان بدأها بقوله:

هاجَ الفؤادَ معارفُ الرّسمِ        قفْر بذي الهضَباتِ كالوَشْمِ

ويقول بعد المقدمة الطللية راثيًا هرم بن سنان:

يا دَهْـر قد أكثَرت فجعَتنـا       بسَراتنا وقرعَتْ في العَظْـم

وسَلبتَنـا ما لسـتَ مُعقبَـه         يا دَهر ما أنصَفتَ في الحُكمِ

اقرأ أيضًا أدباء نيجيريون.. تعرف على الشعر والرواية في نيجيريا

صورة الأطلال بين النمطية والتنوع

أشار ابن قتيبة بشكل واضح وصريح إلى أن صورة الأطلال كما جاءت في مقدمات قصائد الجاهليين صورة موحشة، يصور الشعراء فيها المنزل الداثر، والرسم العافي، وهي بشكل عام دمن وآثار دارسة.

ومعنى ذلك أن المقدمة الطللية مقدمة نمطية كما ذكر أحد النُّقَّاد المحدثين، ويؤكد أنور عليان أن مواقف الشعراء إزاء المقدمة الطللية وأحداثها ومشاهدها وصورها ومعانيها وتقاليدها متشابهة.

فهل جاءت صورة الأطلال كما ذكر ابن قتيبة ومن تبعه من المحدثين؟ وهل هي خرائب أم قبور؟

واعتماداً على الدواوين موضوع الدراسة يمكننا القول باطمئنان كبير: إن المقدمة الطللية لم تأت جميعها على الصورة السابقة، ولم تأت نمطيَّة، بل جاءت مُتنوِّعة مختلفة عند الشعراء الجاهليين.

فاختلف الشعراء عن بعضهم في تصوير لوحة الطلل أو تلوينها، ففي الوقت الذي يصوّر فيه لبيد العامري أطلال الديار بأنها قد عفت بقوله:

عفت الديـارُ محلّها فمُقامهـا        بمنى تأبّـد غَوْلُها فَرِجَامهـا

فمدافع الرّيان عُرٍّيَ رسمهـا       خَلَقا كما ضُمِن الوُحِيّ سِلامُها

يصوّر امرؤ القيس الديار والأماكن التي وقف عندها باكياً ومستبكياً بأنها ما زالت باقية، بل إنه يستخدم ألفاظاً تتقابل مع ألفاظ لبيد السابقة، وهي "لم يعف رسمها"، يقول:

فتوضح فالمقراةُ لم يَعْفُ رسمها         بما نَسجتُها من جنوب وشمـألِ

ولا شك أن الصورتين المختلفتين كانتا نتاج مشاعر كل شاعرٍ منهما وأحاسيسه، وليس تقليداً لأحد، لقد كانت الديار الدارسة والرسوم المندثرة مدعاة لألم لبيد بلا شك.

لكن الديار الباقية كانت سبباً في استرجاع ذكرى الأحبة الخالدة في نفس امرئ القيس لخلود تلك الديار، وهذا ما ضاعف حزن الشاعر فبكى واستبكى.

وفي الوقت الذي يُقيم عنتـرة تماثلاً بينه وبين الطَّلل الذي عاثـت به أيدي البلى في قوله:

لمن طَللٌ بالرقمتَين شَجاني          وعاثَتْ به أيدي البَلى فَحَكاني

يُشير طرفة بأن رسم الديار الذي صوَّره لم تذهب معالمه، بل ظلَّ ماثلاً، يقول:

وأرى لها داراً بأغدرةِ السـ           ـيدَان لم يَدْرس لهـا رَسْـمُ

ويُصوّر عمرو بن قميئة الطَّلل بأنه مقفرٌ وبأن المنزل عاف عندما يقول:

أمن طللٍ قَفرٍ ومن منزلٍ عافِ       عَفته الرياحُ من مشاتٍ وأصيافِ

لكن زهير بن أبي سلمى يُصوِّر الدِّيار منتصبة ثابتة، بل يُصورها بأنها خالدة، وهذا ما تدل عليه كلمة المخلد، كما أشار الشارح، يقول زهير:

لمن الديـارُ غشيتها بالفَدفـدِ        كالوَحي في حَجْرِ المسيل المخْلِدِ

ويقول سلامة بن جندل مصوراً الدمن الباقية:

هاج المنازل رحلة المشتاق            دِمَنٌ وآيـاتٌ لبثن بواقـي

ولولا الإطالة لذكرت أمثلة أخرى تدفع نمطية صورة الأطلال وتشابهها.

اقرأ أيضًا في بحر عينيك | قصائد شعرية

الشعر يصور الواقع من كل وجه

ولم يقتصر التَّنوُّع والتَّلوين في صورة الأطلال على التَّنوُّع بين شاعرٍ وآخر، بل جاء هذا التنوع عند الشاعر نفسه، حسب الموقف الذي يمر فيه، والحالة النفسية التي يعيشها، ففي موقف ما يُصوّر الشاعر الديار أو أطلالها بأنها مندثرة أو أنها درست.

وفي آخر يُصوّر الشاعر نفسه الديار أو الأماكن بأنها باقية، وهذا تنوع أو تلوين من شأنه أن يرد ما كاد يستقر في أذهان كثير من الدارسين أو الباحثين من تشابه صورة الأطلال وتماثلها عند الشعراء.

ومن شأن هذا التنوع أن يُثري الصور المختلفة حسب ما يعتري دواخل الشاعر، وذهنه، ونفسه، مما يهب الشعر الجاهلي بعامة والمقدمة الطللية خاصة مذاقاً خاصاً، وأبعاداً أعمق مما ألفنا قراءته أو سماعه.

فالشاعر عنترة مثلاً يُصوّر الديار والأماكن التي درجت فيها محبوبته عبلة بأنها روضة دائمة الماء:

بين العقيقِ وبينَ برقةَ ثهمدِ            طللِ لعبلةَ مستهلّ المعهْـدِ

أو أنها تفوح مسكاً وعوداً:

قِفْ بالدّيارِ وصُخْ إلى بَيداهـا          فعسَى الديار تُجيب مَنْ ناداها

دَارٌ يفوحُ المسكُ مِنْ عَرصاتِها      والعودُ والنـدُّ الذّكيُّ جَناهـا

ويُصورها في موضع آخر بصورة أخرى مختلفة:

حُيّيتَ مِنْ طللٍ تقادمَ عهدهُ               أَقْوى وأقفر بَعد أمّ الهيثَـم

ويقول:

لمنْ طللٌ بوادي الرّملِ بالي              محَتْ آثارَه ريحُ الشّمـال

وَقْفَت به ودَمعي من جُفوني             يَفيضُ على مَغانيهِ الخوالي

إن الاختلاف بين الصورتين لا يرجع إلى اختلاف بين صورة واقعين ماديين، بل راجع إلى اختلاف بين إحساسين متفارقين؛ أحسَّ بهما عنترة في موقفين مختلفين.

فالأول إحساس بالأمل أو بما ينشده عنترة أو يتمناه لهذا الطلل أو بما ينبغي أن يكون؛ فالمطر في الصورة الأولى انبعاث، وحياة، وتجدد، وخصب، وما الروائح الطيبة (المسك والعود) إلا لقاء المحبوبة القريب زماناً ومكانا، وليست هي روائح الدار في واقعها.

وأما الإحساس الثاني فهو "الألم، والفراق، والبُعد" الذي ألمَّ بالشاعر فبدت له الديار على هذه الحال.

اقرأ أيضًا ونحن نبحث عن الحياة.. مالذي تبقى في قصائد مانديلا؟

ظهور المشاعر في القصيدة

ووجد التنوع أو التلوين عند زهير بن أبي سلمى، فهو يُصوّر الدِّيار في موقف بأنها خلت وأقفرت يقول:

لمنِ الدّيارُ بقُنّة الحِجْرِ                 أقويْنَ من حجَجٍ ومِنْ شهَر

ويُصوِّرها في موضع آخر أو في موقف آخر بأنها (غير مقوية) بلفظٍ يطابق الأول طباقاً سلبياً تماما، ليُؤكد ما ذهبت إليه من اختلاف صورة الأطلال وتنوعها عند الشاعر الجاهلي نفسه يقول:

دارٌ لأسماءَ بالغَمريْـن ماثلـةً          كالوَحْي ليس بها من أهِلها إرَمُ

وقد أراها حَديثـاً غيرَ مُقْويـةٍ         السِرُّ منها فوادِي الحفْر فالهدمِ

ولعل قوله (وقد أراها)، يشير إلى نفسية الشاعر، وتجربته الخاصة نحو تلك الديار، فهو الذي يراها هكذا، وقد يراها غيره على غير الصورة التي رآها هو.

أما لبيد، فيراها مرة بأنها قد عفت:

عَفت الديار مَحَلّها فمُقامُهـا             بِمنًى تأبدّ غَوْلُها فرِجامُهـا

ويصورها أو يراها مرة أخرى بأنها قد خلدت:

خلَدتْ ولم يُخلد بها من حلَّها           وتبدّلت خيطاً من الأحْـدانِ

ولم يقتصر التنوع في صورة الأطلال على صورة الأطلال الكلية، بل ظهر التنوع في مكونات الصورة، وأبعادها أو جزئياتها، ومن أمثلة ذلك صورة النوى، الذي جاء في أكثر من صورة عند كثير من الشعراء الجاهليين، فالنوئ عند النابغة "أثلم" يقول:

رمادٌ ككُحل العيـن لأيًا أبينه         ونؤيٌ كجِذم الحَوْض أثْلَم خاشِعُ

واختلف الشعراء في عنصر الدعاء للديار، فقد خلت بعض المقدمات الطللية من الدعاء مثل: بعض قصائد النابغة، وبعض قصائد الأعشى، وبعض قصائد امرئ القيس، وبعض قصائد سلامة بن جندل، وبعض قصائد بشر أبي خازم.

اقرأ أيضًا إلى روح الشاعر الكبير مظفر النواب

الدعاء يغلب على بعض القصائد

في حين ظهر الدعاء عند بعض الشعراء في بعض قصائدهم، لكنهم اختلفوا عن بعضهم البعض فيما دعوا به للديار، فقد دعا بعضهم للديار بالسُّقيا والغيث كالأمثلة التي مرت بنا، ودعا بعضهم للديار بأن يكسوها الربيع، وتُزيِّنها الأزهار، والرائحة الطيبة، يقول عنترة:

وكسا الربيعُ رباكِ في أزهارِه         حُللاً إذا ما الأرضُ فاحَ ربيعُها

ودعا زهير للديار بالسلامة، وذلك لأن قضية السلام ونبذ الحرب كانتا جوهر تجربته الشعرية في معلقته، يقول:

فلما عرفتُ الدار قلتُ لربْعها        إلا أنعم صباحاً أيها الرَّبع واسلم

ويقول عنترة:

يـا دارُ عبلة بالجواءِ تَكلمـي         وعمِي صباحاً دارَ عبلةَ واسلَمي

وإذا تعمَّقنا في ألفاظ دعاء الشَّاعرين للديار، نجدُ تنوُّعاً كبيراً وليس تشابُهًا، فقد وسَّع زهير بن أبي سلمى من دعائه ليشمل جميع أهل الرَّبع، وهو ما كان يتمناه الشاعر لجميع دِيار العرب، غير أن عنترة ضيَّق من دعائه ليقتصر على دار عبلة، وليس ديار قومها لأنهم حالوا بينه وبين عبلة. ولذلك فقد كثُر في شعر عنترة ذِكر عبلة أكثر من مرة وإذا ذكر أهلها ففي سياق الشعور بالظلم، وأحاسيس البغض، يقول:

علقتُها عَرضاً وأقتُل أهلها              زَعْمَاً لَعمرو أبيكَ ليس بمزعَمِ

ويقول:

يا عبل أنتِ سوادُ القلبِ فاحتكِمي      في مُهجتي واعدلي يا غايةَ الأملِ

وإن ترحَّلتِ عن عَبْس فلا تقفي        في دارِ ذلّ ولا تُصغي إلى النذل

ويدعو على عمه ويتمنى له الهلاك:

سقى الله عمِّي من يدِ الموتِ جرعة    وشلَـت يـداه بعد قَطْعِ الأصابـع.

المراجع

1.    ابن قتيبة الدينوري (1977)، الشعر والشعراء، ط3، تحقيق: أحمد محمد شاكر، دار المعارف، مصر، ج1.

2.    ابن رشيق القيرواني (1963)، العمدة، ط3، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، مصر، مطبعة السعادة، ج1.

3.    يوسف بكار (1979)، بناء القصيدة العربية، القاهرة، دار الثقافة.

4.    أنور أبو سويلم (1985)، صورة المطر في الوقفة الطللية الجاهلية، مجلة الدراسات، م12، عدد 8، 1985.

5.    عمرو بن كلثوم (1999)، الديوان، تقديم وشرح: عبد القادر، محمد، دار القلم، حلب.

6.    حسين عطوان، مقدمة القصيدة العربية.

7.    نصرت عبد الرحمن (1976)، الصورة الفنية في الشعر الجاهلي، في ضوء النقد الحديثة، مكتبة الأقصى، عمان.

8.    عبد القادر محمد (1999)، ديوان عمر بن كلثوم (المقدمة).

اقرأ أيضًا

-قصيدة سؤال وجواب في الحين

-بلد الشعراء "العراق" ينعى الشاعر الشعبي "عادل محسن"

 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة