تبدأ حكاية عبد الله بن المقفع من تلك اللحظة التي أدرك فيها أن الكلمة هي الجسر الوحيد الذي يمكنه الربط بين الحضارات المتصارعة؛ فلم يكن مجرد مترجم نقل «كليلة ودمنة» من الفهلوية إلى العربية، بل كان مبتكرًا لغويًا صاغ بذكائه الفذ أول نثر عربي منظم يتسم بالمنطق الصارم والترتيب الذهني.
ذلك أنه أراد أن يمنح العقل العربي أداةً جديدةً للتفكير تتجاوز العفوية والارتجال إلى التخطيط والتحليل، وعند هذه النقطة بدأت مأساته الحقيقية؛ فالعقل المنظم الذي يضع النقاط على الحروف دائمًا ما يثير ريبة السلطة المطلقة التي تفضل الضبابية، وهو ما نشهده في قصة ابن المقفع في هذا المقال.
حوّل ابن المقفع «كليلة ودمنة» إلى أداة نقد سياسي مبطن، لكن صياغته المحكمة لوثيقة «الأمان» ضد الخليفة المنصور جعلت لغته نفسها سببًا مباشرًا في مقتله.
مَن هو ابن المقفع؟
قبل أن نغوص في تفاصيل مقتله، علينا أن نعرف مَن هو هذا الرجل الذي زلزل أركان السياسة بكلماته؛ فهو «روزبه بن ذادويه» فارسي الأصل، الذي وُلد عام (106هـ/ 724م) في قرية «جور» بفارس، لأب كان يعمل جابيًا لخراج الحجَّاج، ولأن والده اتُّهِم بالاختلاس وضُرِب على يديه حتى تورمتا «تفقعتا»، لُقِّب بـ «المقفع».
وكانت نشأته في البصرة، حاضرةِ العلم والأدب، التي نهل فيها من ثقافة العرب وفصاحتهم، ثم أعلن إسلامه بعد ذلك على يد الأمير عيسى، عمِّ السفاح، وتسمَّى بـ«عبد الله بن المقفع»، وعُيِّن في دواوين الدولة الأموية ثم في الخلافة العباسية موظفًا، ولكنه لم يكن يقف في حدود وظيفته عند المطلوب منه فقط، وإنما كان فيلسوفًا ومُصلحًا امتلك ناصية لغتين؛ فمزج بين عمق الحكمة الفارسية وجزالة البيان العربي؛ ليصبح بذلك رائد النثر الفني بلا منازع.
«كليلة ودمنة».. هل كان مجرد قصص للأطفال؟
حين نقرأ كتاب «كليلة ودمنة»، يظن البعض، واهمًا، أنه مجرد حكايات مسلية على ألسنة الحيوانات، ولكن الحقيقة أن السر الذي جعله يعيش قرونًا هو الرسائل المُشفرة التي دسَّها ابن المقفع ببراعة بين السطور؛ فقد كان يمارس ما يمكن تسميته بالإصلاح السياسي المقنَّع، وذلك من خلال حوارات الأسد والثور التي قدمت نقدًا لاذعًا لبطانة السوء وفساد الإدارة وضياع العدالة.
وذلك لأنه كان يدرك تمامًا أن المواجهة المباشرة مع الحاكم في عصره هي انتحار مُعلن، ولذا استعار ألسنة الوحوش ليعلِّم البشر أصول الحكم الرشيد، وهو ما جعل محتواه يفيض بـ«القيمة المضافة» التي تتجاوز الترفيه؛ لتصبح دستورًا أخلاقيًا وسياسيًا.
من هو كليلة ومن هو دمنة؟
تعد شخصيتا كليلة ودمنة في كتاب الفيلسوف الهندي «بيدبا»، الذي ترجمه عبد الله بن المقفع، قناعًا بشريًا لحيوانين من فصيلة ابني آوى. يمثل هذان الأخوان تيارين فكريين ونفسيين متناقضين تمامًا في كيفية التعامل مع السلطة والمجتمع، حيث تدور بينهما حوارات فلسفية وسياسية عميقة تجسد الصراع الأزلي بين الوصولية والأخلاق.
يمثل دمنة رمز الطموح الجارف والمراوغة؛ فهو يتميز بذكاء حاد ودهاء شديد يدفعه لرفض العيش في الظل. يتحرك برغبة عارمة للتقرب من الملك (الأسد) ونيل الجاه والمنصب، مستعينًا بالحيلة والكذب والوقيعة بين الأصدقاء، لينتهي به المطاف بانكشاف مكره ونيل جزائه العادل بعد نجاح مؤقت.
في المقابل، يجسد كليلة رمز القناعة والحكمة الهادئة؛ فهو الأخ العاقل الذي يمثل صوت الضمير والعقل المنطقي. يفضل كليلة العيش بسلام بعيدًا عن مؤامرات ومخاطر بلاط السلطان، مؤمنًا بأن السلامة تكمن في الرضا، ولم يتوقف عن تقديم النصح لأخيه وتحذيره من عواقب الجشع والطموح غير المشروع.

نموذج من كتاب كليلة ودمنة
ومن النصوص التي يمكن أن ندرجها هنا، لتتبين، أيها القارئ الكريم، من خلال واقع ما وُجد بين أسطر الكتابة:
«قال كليلة: وما يدريك أن الأسد قد التبس عليه أمره؟ قال دمنة: بالحس والرأي أعلم ذلك منه؛ فإن الرجل ذا الرأي يعرف حال صاحبه وباطن أمره بما يظهر له من دله وشكله.
قال كليلة: فكيف ترجو المنزلة عند الأسد ولست بصاحب السلطان، ولا لك علمٌ بخدمة السلاطين؟
قال دمنة: الرجل الشديد القوي لا يعجزه الحمل الثقيل، وإن لم تكن عادته الحمل، والرجل الضعيف لا يستقل به، وإن كان ذلك من صناعته.
قال كليلة: فإن السلطان لا يتوخى بكرامته فضلاء من بحضرته، ولكنه يؤثر الأدنى ومَن قرب منه، ويقال: إن مثل السلطان في ذلك مثل شجر الكرم الذي لا يعلق إلا بأقرب الشجر، وكيف ترجو المنزلة عند الأسد ولست تدنو منه؟
قال دمنة: قد فهمت كلامك بجميعه وما ذكرت، وأنت صادقٌ، لكن اعلم أن الذي هو قريبٌ من السلطان ليس ذلك في موضعه ولا تلك منزلته..».
كيف واجه ابن المقفع عصر الدسائس بأسلوبه الجديد؟
ما كان يميز ابن المقفع حقًا هو قدرته المذهلة على تحويل تجاربه القاسية والمواقف الصعبة التي عاشها إلى دروس عملية في الأخلاق والتعامل؛ ففي كل ما كتبه نلمس بوضوح حيرة الإنسان المثقف الذي يحاول التمسك بمبادئه وشرفه في مجتمع مليء بالمؤامرات والصراعات.. فهو لم يكتب لمجرد التسلية أو لملء الصفحات، وإنما كان هدفه الأساسي هو الارتقاء بالعقل وحمايته من التخلف والجمود.
لذلك اعتمد أسلوبًا جديدًا في الكتابة يميل إلى الوضوح الشديد والمنطق؛ فالجملة فيه بسيطة وقوية في الوقت نفسه، وقادرة على شرح أعقد الأفكار دون تعقيد لغوي، ولكن هذا الأسلوب الجديد لم يمر بسلام؛ لأنه وضعه في مواجهة مباشرة مع رواد التيار التقليدي في عصره، الذين رأوا في طريقته في التفكير والتعبير تهديدًا لما اعتادوا عليه.
مأساة «وثيقة الأمان» التي قتلت ابن المقفع
تُعد قصة «كتاب الأمان» الذروة الكبرى في حياة ابن المقفع، حين كُلِّف بكتابة وثيقة تحمي عبد الله بن علي من فتك الخليفة المنصور؛ فلم يكتب عقدًا عابرًا وجسب، بل صاغ نصًا دستوريًا محكمًا لا ثغرة فيه، واستخدم دقة لغوية مذهلة جعلت الخليفة يشعر بالعجز القانوني أمام نصه؛ فغدا الأدب سلاحًا سياسيًا قتل صاحبه، فلم يُقتل ابن المقفع بسبب خيانة عظمى أو تآمر عسكري، بل قُتل لأن لغته كانت أقوى من أن تُحتمل، ولأن النص الذي صاغه سلب الحاكم أعز ما يملك.
ولهذا كانت نهاية ابن المقفع في «تنور» سفيان بن معاوية محاولة يائسة لإحراق الوعي ومنع الكلمة من امتلاك قوتها، وهو ما أثبته التاريخ بما لا يدع مجالًا للشك؛ فجسده الذي تقطَّع، وهو في السادسة والثلاثين من عمره، ترك خلفه إرثًا فكريًا لم تستطع النيران التهامه مهما استعرت.
رحل صاحب «الأدب الصغير»، وبقيت كلماته تتردد في ضمير كل كاتب؛ لتذكره بأن الكلمة الصادقة، وإن كانت تكلفتها الدم الغالي، فهي الوحيدة التي تملك تذكرة العبور إلى الخلود الإنساني.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.