تُجسد مقاهي المدينة المنورة جزءًا حيويًا من تاريخ المملكة العربية السعودية وثقافتها، وتُظهر كيف كانت هذه الأماكن أكثر من كونها محلات لتقديم المشروبات، لقد كانت مراكز اجتماعية، ومحطات راحة للمسافرين، وأسواقًا للعمل، بل وصالونات أدبية تُحكى فيها القصص وتُروى السير، ما يُمثل تراثًا شفويًا غنيًا، إن عاداتها وتجهيزاتها الفريدة وقصص روادها، تُقدم لنا لمحة عن الحياة اليومية في المدينة المنورة في عصور مضت، وتُؤكد الدور المحوري الذي أدته المقاهي في بناء الروابط الاجتماعية والثقافية.
يستعرض هذا المقال تاريخ المقاهي في المدينة المنورة الذي مثل جزءًا أصيلًا من ذاكرة المدينة، بدءًا من دورها الاجتماعي، مرورًا بحكايات الحكواتي، وانتهاءً بتفاصيلها المعمارية وتقاليدها الفريدة التي اندثر معظمها اليوم.
تمثل المقاهي في المدينة المنورة جزءًا مهمًّا في حياة الناس، بعدِّها المتنفس الذي يقضون فيه بعض الوقت، ولا سيما بعد صلاة العصر حتى قبيل صلاة المغرب، ومن بعد صلاة المغرب حسب اختلاف ما يسمح به الوقت لكل شخص، تقدم للزبائن المشروبات الساخنة من القهوة والشاي وشيش الحمي والجراك، وتوزعت هذه المقاهي في وسط وأطراف المدينة المنورة مقصودة أو غير مقصودة، لكنها كانت منتشرة آنذاك.
وكانت هذه المقاهي وخصوصًا مقاهي المناخة تخدم الحجاج والزائرين الذين يأتون ليلًا متأخرين وهم بحاجة إلى الراحة، فيقضون فيها وقتًا حتى أذان الفجر، فيصلون ويبحثون عن أماكن تؤويهم.
وهذه المقاهي أشبه بفندق خلوي، مزودة باللحف والمخدات وكراسي الشريط، وكانت أجرة المبيت في هذه المقاهي ريالًا واحدًا، وأقل من ذلك، يأوي إليها كثير من أصحاب الحرف وغيرهم.
وتُعد هذه المقاهي مركازًا للمِعَلِّمين أصحاب الحرف، يُجرى فيها العقود بينهم وبين أصحاب الأعمال، وبينهم وبين الحرفيين المنفّذين للأعمال. وفيها يتسلَّم هؤلاء أجورهم.
المقاهي صالونات أدبية وكنوز روائية شفاهية
ومن أوجه الفائدة الأدبية التي امتازت بها بعض هذه المقاهي، أنَّ السمر كان يطيب في بعضها بعد صلاة العشاء حتى ما بعد ساعة منها، وتُخصَّص هذه المدة لقراءة «عنترة بن شداد»، و«حمزة البهلوان»، و«الأميرة ذات الهمة وولدها عبد الوهاب»، و«الملك سيف بن ذي يزن»، و«الزير سالم»، و«سيرة بني هلال»، وغير ذلك من الروايات والقصص التي كانت رائجة في ذلك الزمان.
ويقوم الراوي، وهو رجل ملمّ بالقراءة والكتابة، صوته جهوري، يسرد الرواية المطروحة للقراءة، وهو لا يتوقف في مكان يكون فيه بطل الرواية في مأزق، وإنما لا بد له من تجاوز تلك المحنة، حتى ولو زاد الوقت عليهم.

وعلى سبيل المثال، عندما يتعرض «عنترة بن شداد» لأسرٍ ومحنة من المحن، ويقف الراوي عند هذا الحد، الكل يصرخ عليه: «فكّ أسر عنترة، الله يفكّ أسرك»، فعندها يستمر الراوي في القراءة حتى يصل إلى النقطة التي تنفق فيها عقدة عنترة ويحلص الخلاص. وهكذا في جميع الوقفات في القصص والروايات التي تُحكى.
وهؤلاء المستمعون يتابعون الرواية بنهم وشوق، وكلهم عيون ناظرة وآذان صاغية، وبعد نهاية كل قصة أو رواية، يُقدّمون للراوي شيئًا من النقود، تطيب بها نفوسهم، ويسعد بها حاله، ويستعين بها على شراء رواية أخرى.
وهذه المقاهي تتكون من صالونات أدبية، روَّادها من البسطاء الذين ينعمون بالتسلية البريئة، ويمتازون بالذكاء الخارق؛ لأنهم أصحاب قدرات خاصة يسردون ما يسمعون ويردِّدون بإحكام، ويحفظون ما يُطرح عليهم، ويتذكَّرونه حتى ولو بعد حين.
وعلى أن مثل هذه المقاهي التي تضم راويًا من هذا النوع، يكثر روادها وتزداد الطلبات فيها، ما يعود بالفائدة والنفع الكبير على صاحب المقهى، إذ يرتادها أفراد من مختلف الطبقات، وأصحاب الأوقات الجميلة والتسلية البريئة.
فهي تقدِّم لفئة من الناس القصة، والحكاية، والرواية، والتاريخ، والأدب، والشعر، بقراءة الراوي صاحب الصوت الحسن والأداء المميّز المُجلجل، الذي يسمع جميع روَّاده دون مكبّر صوت، وليس في الساحة غيره، هو المتحدّث وهم السامعون، فقط رؤوسهم مشرئبة نحوه، وآذانهم صاغية تجاهه، وعيونهم ناظرة إليه بشيء من الهدوء والسكينة، ويُسمح لهم بالصراخ والزعيق والصخب عندما يكون الموقف يتطلّب ذلك، ولكن في أي حال من الأحوال لا يتعدّى صوتهم طرف المقهى.
وعادةً ما يجذب صوت الراوي المستمع، وخصوصًا عندما يكون صاحب طبقات، يؤدي بصوته ترنيمًا وارتفاعًا وانخفاضًا كلما احتاج الأمر لذلك، وهنا ينتقل الناس من مقهى لآخر طلبًا في التمتّع بالسماع لذلك الراوي.
أثاث المقاهي وأدواتها الفريدة
توجد المقاهي على شكل دكاكين، بها غُرزات صغيرة لتلبية احتياج أصحاب الدكاكين والمباسط والعابرين من الشاي والقهوة، ولا يوجد بها إلا عدد من الكراسي الفردية الصغيرة وعدد من الطاولات وبراريد الشاي، وكفتيرة.

أما المقاهي الكبيرة، فمعظم كراسيها من أعواد الطرفاء «الأثل» مترين في ثمانين سم بارتفاع 60 سم، يصنعها النجار بإتقان، وبعد ذلك يُلفّ عليها أشرطة من خوص النخل الملفوف ببعض حبال القنبار، ويتولى صنع هذه الكراسي متخصصون من أبناء الأفارقة، لقوتهم وصلابة أيديهم، ويضعون الخوص في الماء مدة من الزمن، ثم يسحبونه على الكرسي بشيء من الفن والإبداع والقوة والتشكيلات الجميلة، حتى يُصبح كالمفرشة المُزخرفة، وقد بادت هذه الحرفة، وهذه الكراسي هي من مستلزمات المقاهي الكبيرة، ويُسمّى «كرسي شريط».
عدة المقاهي ومحتوياتها
وتتكوّن عدة المقاهي من «بوفة» وهو دولاب أرضي ذو أرفف علوية من جهاتها الثلاث عدا الأمامية، حيث حركة القهوجي، تُوضع البراريد بشكل علّاقي على الأرفف، وهي مكوّنة من براريد ذات الأربعة فناجيل، وستة، وثمانية، وعشرة.. كما تُوضع الدلال المخصصة للقهوة معتدلة فوق الأرفف، كما تُصفّ تباسي الشاي والفناجيل في مقدّمة البوفة، وتُوضع حلتان من الصفيح على جانبي البوفة لغسل الأواني.
أما «البطّة»، وهي مخصصة لغلي الماء؛ فتوضع في بيت النار ويُبنى عليها. أما «الصليب» فهو شبك حديدي يُوضع تحته جمر من بيت النار، لوضع براريد الشاي عليه، لمن يرغب أن يكون الشاي ثقيلًا، وعندما يرغب الزبون في أن يكون الشاي خفيفًا يطلب من القهوجي بعبارة: «عبّي وركي»، وبجانب الصليب ملقط وعدد من البراريد.
ويأتي الزبون بالتلقيمة من عنده، أي: السكر والشاي، ويدفع للقهوجي قيمة التلقيمة، أي: الماء الحار.
ويُوجَد كثيرٌ من أصحاب الدكاكين ممّن يُتقنون قرطسة الورق لإعداد السكر والشاي بمقاسات مختلفة، وبقيمة متفاوتة.
وهذه الأوراق كانت منتشرة، تُباع بالأقة، وهي بقايا الجرائد الفرنسية والإنجليزية والغربية، تُستخدم بدلًا من أكياس البضائع الحالية، لوضع السكر، والشاي، والدقيق، والأرز، حتى الرطب، والعنب، والفواكه، وغيرها.
وفي كل مقهى «مرفع» توضع عليه شراب الماء والأزيار الصغيرة، وبجانب المرفع أزيار كبيرة لتعبئة الشراب فيها، أما الماء المستعمل للبطّة والغسيل فيُخزّن في براميل أو توانك، ويُجلب الماء إلى المقاهي من العيون والآبار.
ترتيب الكراسي والأسعار
تُصفّ الكراسي الشريط في مقاهي المناخة وغيرها على شكل حرف «أ»، وتُوضع بينها طاولة لها فتحة في الطرف لوضع شُربة الماء فيها، وهي عادة متبعة في جميع المقاهي الكبيرة، وهذه الشُربة لا يُحاسب عليها، وإنما تُقدَّم لزبائن المقهى دون مقابل، أما براريد الشاي فتختلف قيمة كل برّاد حسب حجمه: أبو أربعة بقرشين، وأبو ثمانية بأربعة قروش، هذا إذا كان السكر والشاي موفرًا من قبل المقهى، أما إذا أحضر الزبون التلقيمة منه فيأخذ المقهى أقل من ذلك. ولكن مع الزمن ارتفعت القيمة قليلًا.

مقاهي خارج المدينة نزهة وطعام وراحة
والمقاهي داخل المدينة لا تُقدّم الطعام لأنه غير متوفّر بها، وتوجد الأكلات الشعبية قريبًا من مقاهي المناخة، مثل: الطعمية، والكباب الميرو، والفتة، والمطبق، والفول، والهريسة، وغيرها، وهي وجبات تُؤكل في المساء.
وكثير من الناس، ممّن يرغبون في النزهة واستنشاق الهواء العليل والراحة والاستحمام بعد عمل يوم طويل، يذهبون إلى المقاهي خارج المدينة في عروة، لما عُرف به ماؤها من نقاء وفائدة للكلى، وكذلك في آبار علي، وعلى وادي العقيق في عروة، وتنتشر هناك المقاهي. كما توجد مقاهٍ أخرى في قباء، يمتاز موقعها بنسيم عليل يهبّ من البساتين ويطيب معه السمر، فترى «الشلة» تجتمع في المركاز، وكثيرًا ما يتناولون طعام العشاء المكوّن من المعدوس بالسمن البري، والسليق، والكبدة، وغيرها.
ويقضون وقتهم في مسامرة هادئة ولعب الورق بأنواعه، كالبلوت والكيرم والضومنة، في أجواء من الراحة والسكينة. وعادةً ما تحضر الشلة لوازم العشاء، ويتولى القهوجي طبخها، وكثيرًا ما ينامون بعدما يأخذ السهر منهم مأخذه، ويصحون قبيل أذان الفجر وقد اكتسبت أبدانهم صحةً وعافيةً وهواءً نقيًا. وكانت هذه السهرات تمتد حتى ليلة الجمعة، إذ كانت العطلة الرسمية حينها يوم الجمعة.
عادات وتقاليد أهل المقاهي
من عادة زبائن المقاهي مباشرة بعضهم بعضًا بكلمة: «جبا»، وهذه تعني ضيافة الآخر ودفع قيمة الشاي والقهوة عنه، وبعض المقاهي لا تقبل الجبا تفاديًا لاختلاط الحساب، ويكتبون على ورقة تُعلّق في وسط المقهى: «الجبا ممنوع»، ثم إن بعض المقاهي لا تُدين الزبائن وتؤكّد ذلك في اللوحة المكتوب عليها: «الدين ممنوع والرزق على الله».
أشهر المقاهي في المدينة المنورة
- مقهى المناخة للمتجه نحو باب الشامي على اليمين والشمال.
- مقاهي سوق العياشة.
- مقاهي سوق الحبابة.
- مقاهي سوق القماشة.
- مقاهي سوق الخضرة.
- مقاهي شارع العينية.
- مقاهي سوق التمارة.
- مقاهي الرومية.
لم تكن المقاهي في المدينة المنورة قديمًا أماكن لاحتساء القهوة والشاي فقط، بل كانت القلب النابض للحياة الاجتماعية والاقتصادية، والرئة التي يتنفس بها أهل المدينة وزوارها، فكانت ملتقى للتجار، ومركازًا للحرفيين، ومأوى للحجاج، ومسرحًا مفتوحًا تُروى فيه الحكايات والسير الشعبية.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.