خلفيات الإنجاب: (جنس بسب الطمع)
كل الكائنات الحيَّة تصارع من أجل بقائها وتكاثرها، غريزة التكاثر من الغرائز الجدا قوية، وهي لدى الحيوانات تترجم في الرغبة الجنسية المؤدية للتزاوج ومن ثم التكاثر، فالحيوان لا يفكر ويخطط للإنجاب قبليا، بل يخضع لسلسلة آليات بيولوجية محضة...
بالنسبة للبشر فالأمر أكثر تعقيدًا إذ لا يقتصر فقط على تفريغ الرغبات الجنسية المؤدية لسلسلة بيولوجية تنتهي بالإنجاب، بل تتعداها لإدراك عقلي لحقيقة أنه يجب أن يكون لنا نسل، يرافق هذا الإدراك مشاعر وأحاسيس، فلأغلب البشر رغبات مسبقة بالإنجاب، حتى لدى من يعاني من غياب الرغبة الجنسية.
ما أود قوله باختصار من هذه المقدِّمة المملة، وبالعربي الفصيح أن التكاثر غريزة وفطرة وسنة من سنن الحياة حتى الحيوان يمارسها.
إلا أننا ابتلينا بفئة نصبت نفسها آلهة على المجتمع، تُملي على بقية البشر من خلق الله قراراتها المقدسة فيمن يجب أن يستمر نسله ومن يجب أن ينقطع.
لسان حالهم هو لسان حال أحد الشخصيات السلطوية الفاشلة بالهند الذي قام بالسبعينات بتدبير حيواني من قبيل جر أزيد من ستة ملايين رجل فقير لعمليات تعقيم قسرية في ظرف عام واحد فقط، أدَّت لوفاة المئات منهم، تمامًا كما يتم تعقيم قطط وكلاب الشارع.
وكما تعلم عزيزي القارئ فإن سكان الوطن العربي المتطور جدًا يعاني عدد كبير منهم من وباء الشخصية السلطوية البابوية كما هو حال صديقي، فبدل البحث عن حلولٍ لمشاكل الناس أو على الأقل التعاطف معهم وتفهم وضعهم يفضلون إملاء أوامر عليا عليهم ولعنهم وآباءهم على ما هم فيه، مع العلم أنهم هم ذات أنفسهم ما كانوا ليطبقوا تلك الأوامر لو وضعوا مكانهم... فسبحان من خلقهم!
هل إنجاب الفقير لطفل أنانية؟
لا يمكننا أن نحكم على الناس من خلال نمط عيشنا نحن ونتخذه معيارًا للآخرين، لأننا سنجد دائمًا من هو أغنى منا ومن هو أفقر منا، ومتطلبات الحياة بالنسبة لنا ليست هي متطلبات الحياة بالنسبة لمن هم أغنى منا ولا بالنسبة لمن هم أفقر منَّا، وكلنا في آخر المطاف نعيش صعوبات وتحديات سواء مادية، صحية، نفسية، اجتماعية... هذه هي الحياة طبعًا! لا يُمكن أن نطلب من فرد ما التوقف عن عيش أبسط حقوقه واعتزالها لأنه مريض أو ليس في نفس مستوانا المعيشي...
ولو عدنا قليلاً للخلف سنجد أن أجدادنا عاشوا حياة صعبة وفقرًا مدقعًا وأبسط الأمراض بعصرنا الحالي كانت تقضي عليهم، وقد كانت الجدات في الماضي ينجبن إلى غاية ثلاثة عشر طفلا يتوفى أغلبهم رضيعًا، ولولا إنجابهن لهذا الكم الهائل لانقرضت البشرية.
عدد كبير من الفقراء لا يستطيع توفير ثمن الحفاظات لأطفاله مما يثير حنق الشخصيات السلطوية التي منّ عليها الله من فضله، فيلومون هذا الفقير على زواجه، مع العلم أن الحفاظات لم يكن لها وجود بالماضي وكان آباؤنا وأجدادنا يرتدون الخرق وهم رضع.
كما أن الحفاظات أنواع عدَّة وقد يجد الشخص السلطوي الذي ينتمي للطبقة المتوسطة شخصًا سلطويًا آخر أغنى منه يلومه على زواجه لأنه يستخدم حفاظات أقلّ جودة.
وبهذا المنطق فإن على البشرية إخصاء شعوب بأكملها لأنها تعيش فقرًا لا نعيشه نحن، ولا تستخدم الحفاظات مطلقًا، ولا تشتري حليب الأطفال من الصيدليات، فحسب البنك الدولي فإن عُشر سكان العالم يعيشون تحت خط الفقر.
سأطلب من صديقي أن يبعث للبنك الدولي اقتراحه بإخصاء هؤلاء الفقراء للقضاء على الفقر ولكي نعيش في سلام من دون فقراء.
وإن بدا لك الاقتراح مثيرًا للسخرية فعليك أن تعلم عزيزي القارئ أن أحد السياسيين الكنديين صرَّح أن البنك الدولي هو من قدَّم توصية للهند بالسبعينات بإجراء عمليات تعقيم قسرية على الرجال الفقراء للحد من الانفجار السكاني.
ايه والله!
شخصيًا أرى من المتقبل أن ينصح الأهل، والأصدقاء، العاطل عن العمل مثلاً بالتريّث قبل الزواج، لأنها نصائح نابعة عن حب ورغبة في أن يحيى قريبهم أو صديقهم أفضل حياة، ولكن لا يجب أن تكون الفكرة مبدأ ثابتا معممًا، بمعنى أن يضع المرء فكرة ثابتة مفادها أن على الفقير عدم الزواج.
وليس بالمسألة أي تناقض، وكمثال فقد ينصح الأبوان ابنهما بعدم الزواج من مضيفة طيران لأن حياتها غير مستقرَّة، ولكن ليس لهاذين الأبوين أي اعتراض على زواج بقية الخلق من مضيفات الطيران، لأن ما يرغبانه هو عيش ابنهم حياة أفضل من منظورهما وهذا أمر طبيعي تماما.
لماذا ينجب الفقراء عددًا كبيرًا من الأطفال مقارنة بالأغنياء؟
في واقع الأمر فإن المسألة ليست مرتبطة بالفقر بشكل مباشر، بل بالجهل ونقص الوعي، ولأن الجهل والفقر مترابطان فإنه يظهر للناس أن الفقراء ينجبون عددًا كبيرًا من الأطفال فيبدؤون بلومهم على صنيعهم.
الفقر يؤدي للجهل لأنه وبشكل عام الفقير لا يحظى بفرص تعليم كغيره، بسبب تكاليف المعيشة والدراسة، مما يدفع الأطفال لترك المدرسة للعمل أو بسبب الوضع الاجتماعي المزري الذي يعيشونه وعدم قدرتهم على مجاراة الحياة المدرسية.
الجهل يؤدي للفقر لأن الإنسان غير المتعلم لا يحظى بفرص عديدة لتحقيق عيش كريم، أغلب الأبواب موصدة بوجهه ولا يكون أمامه خيارات عديدة لجني المال والعلم الكافي؛ لخوض غمار الحياة العصرية المعقدة.
وبالتالي فنحن نرى إنجاب عدد كبير من الأطفال بأوساط الفقراء غير المتعلمين، فالمرأة الفقيرة الواعية المثقفة لن تنجب عددًا كبيرًا من الأطفال، في حين سيصعب عليك إقناع امرأة غير متعلمة باستخدام حبوب منع الحمل بشكل مواظب والتخطيط لأي حمل مستقبلي، وتوفير الموارد له.
أنت لو جلست مع امرأة غير متعلمة أو بتعليم بسيط وبدأت بإقناعها بأهمية الحبوب فإنها ستقتنع وستقدم لها الحبوب مجانا وستتناولها من بين يدك وتتناول حبة أمامك، ثم تنصرف ولا تداوم عليها مطلقا بسبب "نقص الوعي"، لأن الأشخاص بهذه الوضعية يكون أسلوب تفكيرهم بسيطًا، محدودًا ولا يميل للتخطيط.
تُشير تقارير وإحصاءات صادرة عن منظمات دولية أن تعليم المرأة من عدمه هو العامل الأول للخصوبة عند البشر، حيث إنه كلما ارتفع تعليم المرأة والشهادات المحصل عليها قلّ عدد الأطفال الذين تنجبهم، لذا يوصي البنك الدولي الدول النامية التي تعاني من انفجار ديموغرافي بتسهيل تدريس الفتيات، وتخصيص برامج خاصة بهن للحد من النمو الديموغرافي.
على الأقل لم يعد البنك الدولي يوصي اليوم الحكومات بإخصاء مواطنيها ولله الحمد.
كثيرًا ما نرى امرأة تعاني رفقة زوج عاطل عن العمل ومع ذلك بسبعة أطفال وحامل أيضا... فتتساءل بقية النسوة السلطويات عن غباء هذه المرأة وعن سبب إغراق البلاد والعباد بالأطفال وهي تعيش هذه الوضعية الصعبة.
السرّ إذن يكمن في أنها حرمت من نيل فرصة تعليم مناسبة ترفع وعيها.
يصعب على بعض المتعلمين والمتعلمات "بتوع المدارس" استيعاب المشاكل التي يسببها نقص التعليم والوعي، فيعتقدون بسذاجة أن المشكل سيحل فقط ببعض الحملات التوعوية الموسمية حول حبوب منع الحمل، لأن المرأة الفقيرة بهذه الوضعية المزرية لن تحلّّ حبة منع الحمل مشاكلها لأنها مجرد هرمونات وليست حبة بركة، وثراء، ووعي، وذكاء.
لو جالست عزيزي القارئ هذه الفئة من الناس وتبادلت معها أطراف الحديث في مواضيع مختلفة ستدرك بما لا يدع مجالاً للشك أنه يستحيل لومها على ما هي عليه للنقص الفادح في مستوى الوعي.
قبل الإنجاب فكر جليا في العواقب... فسواء تعلق الأمر بالفقير أو الغني، ففي كلتا الحالتين الوجود لا يرحم، فقد يخونك الوجود أيها الغني فتلد طفلاً مشوه الخلقة، تظل تصرف عليه ثروتك في الجانب الترويضي طوال حياتك.
تصبحون على واقع أجمل.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.