بين المرأة التي تجلب المطر وفي حضرة السيد فوجي سان.. اليابان بسرد عربي وشاعرية إنجليزية

في كتابها «في حضرة السيد فوجي سان.. رحلة الشتاء والصيف» عنيت الكاتبة الكويتية عائشة عدنان المحمود بنقل مقاطع عريضة من مشاهداتها للمجتمع الياباني، وعملت على تقريب بعضها على نحوٍ ميكروسكوبي يمكِّن القارئ من فهم الكثير من الصفات الأساسية لليابانيين، في كتاب اعتنى بتصدير المعلومة.

وفي العام 2019 كان قد صدر كتاب «المرأة التي تجلب المطر» الذي وثَّقت فيه الكاتبة البريطانية «إلينيد جراميش» معيشتها بين عائلة يابانية، وما كونته من رؤية خاصة للعلاقات التي تربط اليابانيين بطبيعتهم ومناخهم، وسرَّبت بين ثنايا النص عددًا من التفاصيل الصغيرة بتكثيف شديد، في كتاب لم يتعدَّ الستين صفحة، اهتم بتأويل يكاد يكون شعريًّا لمعظم التفاصيل.

في لغة سرد شيقة وخفيفة، نقلت عائشة عدنان التي صدر لها من قبل رواية «وطن مزور: يوميات البن والحناء»، رحلتها الأولى مع أختها الخبيرة بزيارة البلد، عاقدة عددًا من المقارنات بينها وبين أحوال بلداننا العربية.. في حين وثَّقت جراميش التفاصيل الإنسانية اليومية التي كانت معنية برصدها أولًا، في سرد مكثف مكتوب بلغة شعرية لم تجرحها ترجمة عبد الرحيم يوسف في نسخة الكتاب العربية الصادرة عن دار «صفصافة».

انجذبت كلتا الكاتبتين إلى ما يعد جديدًا عليهما، فانشغلت عائشة عدنان بما أحدثته المدنية من مظاهر غريبة، وبالنظافة المبالغ فيها (بكل تجلياتها الأخلاقية والمادية، وظهر ذلك في عدة إشارات في الكتاب)، وبالجنسيات المختلفة التي جاءت لحضور حفل لفرقة بوب مشهورة، إلى إطالة كثير من الرجال في طوكيو لشعرهم وصبغه بألوان نسائية، بل يتعدى الأمر، وفق رصدها، إلى حمل الرجال أشهر الماركات العالمية من حقائب النساء، وإلى ماكينات المشروبات الساخنة لا الباردة، إلى استسلام عددٍ من اليابانيين في المترو إلى النوم حين الدخول إلى عربته.

بينما انشغلت إلينيد الحاصلة على جائزة الكتابة الجديدة في ويلز عام 2015، برصد مظاهر التقليدية المفرطة في ملامح حياة الأسرة اليابانية التي تشبه في كثير منها نمط حياتنا العربية التقليدية، كانتظار «كونيكو» لزوجها السيد «تاكاشي» حتى يعود من عمله ليتناول غداءه، ثم ينام قليلًا، ومن الممكن أن ينشب بينهما خلاف لأنه ترك جوربه على الأرضية، أو لإفراطه في تناول الحلوى، إضافة إلى صوت شخيره في أثناء النوم.

اشتركت الكاتبتان في الاعتناء بـ«الجبل» ككائن حي ملهم، له شخصيته المستقلة، فاختار الكتاب العربي جبل «فوجي سان» عنوانًا له، في حين جاء الفصل الأول من الكتاب الإنجليزي معنونًا بـ«الجبل.. طريق الوادي لسان كبير هيئة الجبل جسد كأنقى ما يكون»، كذلك اعتنت الكاتبتان بشكل البيوت في اليابان، وفروق الأجيال، وغير ذلك.

وفي الوقت الذي ترصد فيه «عائشة» ازدحام المترو ونظافته واشتباك خطوطه في شرايين أسمنتية معقدة، واندهاشها من اضطرار اليابانيين إلى اللجوء للوحات توضيحية منتشرة في محطات المترو؛ كانت «إلينيد» تقف عند رسم صور بصرية للغابات التي مرت بها، والبيوت المختلفة الشكل القليلة المتناثرة على الجانبين، وتتعجب من كم الهدوء والدفء اللذين تتمتع بهما العائلة، مقابل الكتل الخرسانية التي تركتها وراءها في بلادها.. لتولد الرحلة لدى كل منهما أسئلة مختلفة.

ولأن عائشة عدنان كانت توثِّق رحلتها دومًا من الحركة، لا من الثبات والتأمل، فقد عنيت برصد «الزلزال» الذي لم يأبه له غيرها، حين انزاح بها السرير تارة إلى الأمام وتارة إلى الخلف، لتدرك بعد وقت أنه زلزال أربك كل تفاصيلها وجعلها غير متحكمة في أعصابها بأي حال، لكن الغريب كان رد فعل أختها التي تعاملت مع الأمر بوصفه شيئًا عاديًّا التي ردت على سؤالها: «هل شعرتِ بشيء غريب بالأمس؟» لترد عليها: «نعم، إنه زلزال».

أما «إلينيد»، فقد صورت الرتابة من وضع الثبات طوال الرحلة، فرصدت بدرجة أكبر هامش ذلك المجتمع في بعض تفاصيله الدقيقة، بداية من تحية «دومو» مع التركيز على مد حرف الواو الذي يميز طريقة حديث الرجال اليابانيين، مثل طريقة تحدث الطلاب إلى مدير المدرسة بطريقة رسمية، وطريقة تحدثهم معها بطريقة غير رسمية.

وحاولت التعرف على أنواع النباتات؛ منها ما عرفته ومنها ما لم تعرفه، مثل جذور الواسابي «الفجل الياباني»، ذلك أنَّها استعادت ما قرأته من قصص الآينو «السكان الأصليين لليابان» الخيالية عن أشجار معينة تتحول إلى دببة، وربما كانت هناك أشجار أخرى تتحول إلى غزلان.

اختلف الغرض من الرحلتين كلتيهما، فاختلفت آليات الكتابة، وأولوية التدوين لدى كل منهما؛ فالكاتبة البريطانية كانت تستهدف تحقيق معايشة مع أسرة يابانية لتتقن اللغة اليابانية التي تعلمتها من قبل، فضم كتابها بعض الرموز اليابانية التي تكوِّن لدى القارئ ألفة مع اللغة اليابانية من جهة، وتضفي طابعًا خاصًا عليه من جهة أخرى، وانشغلت بكل ما يخص الأمر من الطريقة التي تُنطق بها الأسماء، مرورًا بمحاولاتها المتكررة لفهم النكات وغير ذلك.

لم تكترث عائشة كثيرًا للغة اليابانية، وركزت في رحلتها على زيارة أكبر عدد ممكن من الأماكن التي تحمل طابع البلاد، مثل «متحف جيبلي» للرسوم الكارتونية، الذي أسسه المخرج الياباني الشهير ميازاكي في مدينة «ميتاكا» غربي طوكيو، أو تمثال الكلب الذي وثَّق وفاءه للمدرس الجامعي الذي أصيب بجلطة ومات بعد أن كان يلقاه يوميًّا عند محطة المترو.

فجاءت استدعاءات كل منهما من أقوال الأدباء مناسبةً لغرض رحلتها الرئيسي، فاستشهادات إلينيد دائمًا كانت حول اللغة اليابانية وما أنتجته من فنون تناسب غرض التعلم، في حين مثَّل فعل «السفر» وغاية «المعرفة» عند عائشة عمادَ هذا الكتاب رؤيويًّا بوصفه كتابًا يرصد رحلة سياحية ويحاول، في الوقت ذاته، رصد عمق ما.

وكأن الكاتبتين -في نهاية كتابيهما- اتفقتا على تبادل آليات الكتابة، فتوقفت عائشة في نهايته عند لغة شعرية رهيفة مع المطارات في سفراتها المتكررة دون أن تكشف عن أيها تتحدث.

فالسفر في هذا السياق هو البطل؛ لتنتقل بين البيوت الصغيرة وسط كروم العنب في الطريق الواصل بين تونس وصفاقس، أو البيوت الخشبية الصغيرة بحبال غسيلها الخجلى وهي تتدلى من شرفات دانية في الطريق الواصل بين طوكيو ونيكو، إلى البيوت العشوائية المكدسة فوق بعضها بعضًا في جبال مراكش التي لم تر أجمل منها، وغيرها من المشاهدات التي تتداعى عبر ذاكرتها كأنها شريط فيلم غير مرتب الأحداث، تملك فيه المؤلفة وحدها منطق الحكي.

أما «إلينيد»، فقد لجأت في نهاية الكتاب إلى لغة سردية جافة بعض الشيء تنجز بها خلاصة رحلتها، وحوت بعض خلاصات أثر الرحلة عليها، ولم يخلُ الكتاب من حوار -وهو أحد تقنيات السرد- بينها وبين معلم الخط الكانجي، عن طوكيو وزوجته التي لم تكن سعيدة بها، وعن إمكانية تحول الإنسان إلى شخص آخر، كزوجته التي لم تكن سعيدة في طوكيو، ولحسن الحظ أنها سعيدة بالعيش في هذا الريف الذي يُغطَّى بالجليد.

عاب كتاب عائشة طغيان طابع وعظي على بعض المقارنات بين اليابان وبلاد العرب؛ ما جعل الكتاب ينحرف عن غرضه الأساس كونه كتاب مشاهداتي بالأساس، لا يجب له أن يفرض على الكاتب خلاصات بعينها.

وعاب كتاب «جراميش» التكثيف الشديد الذي منح القارئ في بعض مناطقه صورًا فوتوغرافية، في مناطق كان من الأولى فيها أن تمنحنا رؤية متحركة من أثر زاويةٍ ما، فجاء الكتاب تسجيليًّا حياديًّا في بعض المواضع لدرجة أفقدت النص الحرارة التي يبتغيها لتحقيق تواصل حقيقي مع القارئ. 

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة