مقاربات في حقل الأنسنة

ان الحفر المعرفي لمصطلح الأنسنة humanistas يفضي بنا إلى تجلي ماهية الانسان المتمثلة في الصفات التي يتميز بها النوع الانساني، وهو في الوقت نفسه فرع معرفي يسعى إلى تخطي العصر الوسيط من خلال خلق قطيعة معرفية مع المركزية اللاهوتية وسردياتها الكبرى المتمثة في الأدب المقدس والفلسفة واللاهوت والفنون المسيحية، ولأجل تحقيق تلك القطيعة جاءت تلك اللحظة في استعادة الخطاب العقلاني الوثني اليوناني والروماني بكل حمولته العقلية من فلسفة وفنون لتكون بمثابة البديل الدنيوي مقابل الخطابات الدينية المسيحية التي كانت بمثابة مجموعة من الاعتقادات التي أصبحت تمارس سلطة النفوذ.

لكن المشروع الإنسي جاء بتصور بديل يقوم على رهانات مختلفة تتمثل في رهان الإنسان وحقوقه، الأمر الذي جعلَنا بين خطابين: الأول ينطلق من الفكرة الشمولية التي تجد تسويغها في الدين وخطابه اللاهوتي المنطلق من النص والقراءات الحافة به كما تمثله في العصر الوسيط وبين الخطاب الإنسي الذي يشكل تحوّلاً جديدًا ينطلق من يوتوبيا جديدة تقوم في أول الأمر بالتحرر كما جاءت به لحظة النهضة حيث تمثلت في التحرر من الخطاب الكنسي اللاهوتي الذي يتمركز حول الدين (النص) إلى الانسان والدولة العلمانية كما تجلت في عصر النهضة ومرجعيتها العقلية. أما اللحظة الثانية فقد تمثلت في القرن التاسع عشر حيث خطاب النظام باعتباره مطلب الحداثة ومطلبها الانسي المتمثل بالنظام والتحول العقلاني.

وبين اللحظتين تطورت المطالب الإنسية في الديمقراطية وحقوق الانسان وهي رهانات تمظهرت بمفهوم الأنسنة والأدب الكلاسيكي الذي يتخذ من الإنسان موضوعًا مركزيًّا، إذ أطلقت تلك الصيحة مجموعةٌ تسمى بـ(الإنسيين) = (Humanists)، وهي على مستوى المفهوم تعبّر عن نخبةٍ تناهض تداول التجربة الدِّينية البشرية في العالمين المسيحي واليهودي على نحوٍ تضامني، معنية، في الوقت نفسه، ببعث رؤية فلسفية جديدة تعيد المكانة للإنسان بوصفه قيمةً في حد ذاته، ولثقافته ومعرفته، بعيداً عن أي لاهوت ديني مُغالٍ، ولأجل تحقيق تلك الاستراتيجية قامت بالبحث عن أدبٍ يختلف عن الأدب الوسيط ذي الطابع اللاهوتي؛ لهذا جاء العامل الثاني أي الآداب الكلاسيكية، ومن ثمَّ الاستعانة بالموروث الفلسفي والثقافي والأدبي اليوناني الدُّنيوي القديم، عبر الوسيط العربي أحياناً، وبالنتيجة فإن الاطار التداولي لهذه الدلالة جعل الأنسنة تعبّر عن حراك اجتماعي متمثّل بظهور الطبقة البرجوازية والتحولات الاقتصادية التي مهّدت لظهور المفهوم الحديث للدولة العلمانية، وهذا يظهر في دلالة مفهوم الإنسية L'humanisme  التي كانت تسمى " إنسية التنوير" الأوروبي، حيث كانت الثورة على الدين أو الفكر الديني وراء بناء الإنسية الأوروبية، على قاعدة الاستلاب الذي مارسته الكنيسة للحقوق الإنسانية، حيث كان اللاهوت بطابعة الشمولي هدفًا لسهام كثير من النظريات الفلسفية المؤسّسة لتصور الإنسية، والدعوة إلى التحرر من الله بوصفه سلطةً، وعقيدةً (فريدريك نيتشه)، من بين النماذج التي عرفها الفكر الفلسفي، واعتماد الإنسية في الرؤية العلمانية بوصفه وثيقةً مرجعيةً في التشريع المدني والأخلاقي، محاولة فكرية وثورة على الاعتقادات الدينية، فكان حق الحياة، والحرية، وسائر الحقوق الطبيعية المُرتكز القوي لنظرية القانون الحديث، فأصبحت العقائد تكميلية، وثانوية بعد أن كانت الأسّ الرئيس في التشريع. فالإنسان - كما يقول فولتير- "أصبح يسير على أربعة قوائم"، مشيرا إلى التأسيس الحداثي للطبيعة البشرية. ومثل هذه المُقاربة النظرية نجدها عند الفيلسوف السويسري (جان جاك روسو)، فإنسية الحداثة منفصلة عن لاهوت العصر الوسيط؛ لهذا تجلت الأنسنة في الانسان بوصفه القيمة العليا لها ومن ثمّ لا يجوز المس بها أو الاعتداء عليها أو تشويهها، والإنسان هو إنسان بغض النَّظر عن مشروطيته السوسيولوجية أو العِرقية أو الدِّينية أو المناطقية، ومن ثمّ فالموقف الإنساني يتمثل في تجاوز كل هذه المشروطيات التي تحاول الحد من إمكانيات الروح البشرية أو تعوق تفتحها وانطلاقها صوب الإنوجاد الذاتي والشخصي. لكن بالمقابل تجلّت ظاهرة مقابلة لها تسمى الانسية اللاهوتية بوصفها رد فعل، بالمقابل ظهرت ردود فعل ترى أنّه من الممكن تقديم بديل مختلف وهو ما جاء به أحد البحوث في الكتاب تناول هذا الامر. فالأصل في الإنسية هو الله وليس الطبيعة، فالطبيعة نتاج لازم عن الله، وفيض عنه، وليست مستقلة بالمصدر أو بالغاية، فالقول بالطبيعة مغالطة، وتجاهل للمطلوب، وحجّته في ذلك قائمة على العلاقة الأزلية بين الإنسان والله، لكن هذه الانسية الجديدة تقوم على أصل مختلف عما وجدناه عند الإنسية العلمانية ومن ثمّ قامت الإنسية اللاهوتية على دعائم متنوّعة تنطلق من النصوص المقدسة والخطابات اللاهوتية من أجل أن يكون موقف أتباعها بوصفه رد فعل ليس اكثر إلا ان هذا الامر قاد إلى ولادة الخطابات اللاهوتية المتشددة. إذ إن وحدة الإنسية وموضوعيتها مستمدة أولا من التسليم المطلق بأحادية الذات الإلهية، فهو مبدأ مشترك بين جميع الطوائف، ولا ينبغي الاعتقاد في الاختلاف العقيدي مسوّغًا للتدافع والصراع.

اما محاولات العالم العربي فقد حاول هذا العالم ان يؤصل لهذا المفهوم من خلال التبيئة أو التأصيل لهذا المفهوم أو الممارسة الخطابية أو الاجتماعية، إذ ظهر هناك تيارات تحاول أن تؤصّل للنزعة الانسية في التراث الاسلامي كأنها تحاول الرد على الهجوم الذي يشنه أصحاب الهوية على أيّ تواصل مع الحداثة والتنوير في الحداثة التي تحوله بنظر أصحاب الهوية لكنها عند أصحاب الكونية مختلف؛ لأنها وإن كانت تعترف بالتواصل الثقافي إلا أنها تركز أيضا على التاريخية وإشكالياتها الاجتماعية والسياسية والمعرفية، من هنا جاءت مشاريع الحداثية وهي تعمل على تأصيل للأنسنة، إذ هناك جملة من البحوث التأصيلية التي حاولت البحث في تأصيل هذا الأمر في التراث العربي الإسلامي، وهي نزعة متنوعة المرامي، منها من انطلق بفعل التأثير الذي تركته الثقافة العربية الإسلامية في الفكر الوسيط، لاسيّما في القرن الثالث عشر وما بعده، وهناك من انطلق من أجل استنبات هذا الأمر، فهي تواصل لهذه المحاولات، ومن ذلك محاولة (عبد الرحمن بدوي) التي بدأها منذ عام 1945، وتالياً في عام 1947 في كتابه (النَّزعة الإنسانية والوجودية في الفكر العربي)، وايضا أشار أركون في "مقدمة" الطبعة الترجمية العربية تلك إلى ضرورة الحاجة إلى إعادة قراءة موضوعات الفكر الأنسني في الإسلام، وهناك مشاريع متنوعة في هذا السياق ومنها هذا الكتاب المشترك الجماعي .

بقلم الكاتب


استاذ جامعي في جامعة الكوفة


ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

استاذ جامعي في جامعة الكوفة