تُعد الرواية العربية الحديثة من أبرز الأجناس الأدبية التي استأثرت باهتمام الدارسين والمستشرقين، لما تحمله من تمثلات ثقافية واجتماعية وتاريخية تعكس تحولات الواقع العربي الحديث. وقد سعت المقاربات الاستشراقية إلى قراءة هذا المتن السردي من زوايا متعددة، تراوحت بين الاهتمام ببنياته الفنية ورصد أبعاده الحضارية والرمزية، وبين إسقاط تصورات مسبقة مرتبطة بالنظرة الغربية إلى الشرق.
وبناء عليه، يثير موضوع «مقاربات استشراقية للرواية العربية الحديثة» إشكالية طبيعة التلقي الاستشراقي لهذا الجنس الأدبي، وحدود موضوعيته في فهم خصوصية التجربة الروائية العربية وتمثيلها.
أسباب التضارب والالتباس في القراءات الاستشراقية
لم يقف اهتمام المستشرقين بالنثر العربي القديم فحسب، ولكنهم واكبوا تطور الأشكال النثرية القديمة، إلى أن وصل اهتمام بعضهم بالسرد العربي الحديث، عبر التتبع التاريخي والمواكبة الفنية لسيرورة تطور الأجناس الأدبية، وما رافقها من تغيرات وتحولات في البنى الفكرية والثقافية للمجتمعات العربية، وتأثير ذلك على خطية ومسار الإبداع والتأليف.
وفي هذا المطلب من بحثنا، سنحاول قياس مدى الاهتمام الذي أولاه المستشرقون للرواية العربية المعاصرة، باعتبارها جوهر السردية العربية الحديثة.
فقد شكلت العودة كرونولوجيا للبحث في أصول السردية العربية الحديثة، تضاربا في الآراء والتصورات بين ثلة من المستشرقين، باعتبار هذا الحوار بين العالم الغربي والأجناس الأدبية العربية خاصة، كان مرفوضا، وظل كذلك لعدة قرون نتيجة لخلفية الاستعمار وتبعاته، إلى أن ظهر من جديد وبصيغة معاصرة مع الذين بحثوا في التطورات المبكرة لتقاليد الرواية العربية خاصة. ورغم ذلك، فقد لاحق هذا التضارب في آراء المستشرقين، بعضا من الغموض والالتباس. فما مرد ذلك، وما هي مسبباته؟
إن من بين الأسباب المؤدية إلى ذلك، تغليب مرجعية مؤثرة على حساب أخرى، أو اختزال ظروف النشأة في سبب دون آخر، فضلا عن الميل الواضح إلى اعتماد مبدأ المقايسة بينها وبين السرديات الغربية الحديثة، فلم يول اهتمام موضوعي للبحث في المهاد الثقافي الذي أدت تفاعلاته إلى مخاض عسير، تبلورت ملامحه خلال عشرات السنين، فأفضى إلى ظهور الشكل السردي الجديد أو الرواية العربية الجديدة.
جهود روجر ألن في ترجمة وتنظير الرواية العربية
وفي هذا السياق، نستحضر أحد أبرز الأسماء التي اهتمت بالسردية العربية الحديثة وخاصة منها الرواية، المستشرق الأمريكي ذو الأصول البريطانية (روجر ألن) الذي عمل على تشكيل رؤية واضحة لمفهوم الرواية العربية، وذلك بالتنظير له أولًا، وتحليل نصوص روائية عربية وترجمتها ثانيا.
فالقيمة الفنية والإبداعية للرواية العربية بشكل عام، جعلتها تصل إلى مصاف العالمية والكونية، وقد كان للترجمة وأعمال بعض المستشرقين دور كبير في ذلك، ومن أبرز هذه الأعمال التي أنجزها (روجر ألن)، نقله من العربية إلى الإنجليزية عددًا هائلًا من القصص والروايات العربية، نذكر منها: (خان الخليلي) لنجيب محفوظ، ورواية (حكايتي شرح يطول) لحنان الشيخ، ورواية (مجنون الحكم) لبنسالم حميش المستوحية لسيرة العلامة ابن خلدون، وبعض أعمال يوسف إدريس وجبرا إبراهيم جبرا، وعبد الرحمن منيف ومي التلمساني وسواهم من الأدباء العرب المعاصرين.

المنهج الاجتماعي في نقد روجر ألن ومآخذه
وسنعرض هنا بالتفصيل بعض الروايات العربية التي أثارت الفضول النقدي عند (ألن) ولعل أبرزها رواية (ثرثرة فوق النيل) لنجيب محفوظ، الذي جمع فيها هذا الروائي عددًا من الشخصيات المثقفة تجمعهم عوامة راسية في النيل، يلتقون فيها مساء كل يوم، وقد انقطعت صلتهم بالواقع من حولهم، فانصرفوا إلى ملذاتهم، وافتقدوا القدرة على المشاركة العملية في المجتمع».
ومن الواضح أن (ألن) رأى في هذه الرواية رواية تزخر بالرمزية والإيحاء، فقد بنى هذا التصور النقدي انطلاقًا من تصورات المنهج الاجتماعي التي فسرت علاقة الفن بالواقع انطلاقًا من أن الفنون والآداب ما هي إلا انعكاس لواقع الحياة وتطورها. والواضح أن مثل هذه الروايات التي ارتبطت بالمجتمع ارتباطا وثيقا، أتاحت للمستشرقين الاطلاع على الخصوصية الثقافية للمجتمع العربي في شكلها الجديد الذي أصبحت عليه نتيجة مجموعة من العوامل السياسية والثقافية والاجتماعية.
وهو ما يتجسد أكثر في رواية (ما تبقى لكم) لغسان كنفاني، وهي رواية تتناول معاناة أسرة فلسطينية نازحة بسبب الاحتلال الإسرائيلي عام النكبة 1948م، تدور أحداثها حول أسرة شخصية (حامد) وأخته (مريم) اللذين كابدا أصناف المعاناة والعذاب بسبب تغير نمط حياتهما بعد هذا النزوح المرير». ولم يتوقف اهتمام (ألن) عند حدود هذه الأعمال الروائية فقط، بل يمكن أن نذكر أعمالا أخرى على سبيل المثال كرواية (موسم الهجرة إلى الشمال) للطيب صالح، رواية (السفينة) لجبرا إبراهيم جبرا، و(النهايات) لعبد الرحمن منيف.
إن الذي يمكن أن نستشفه من هذا الاهتمام أن (روجر ألن) ظل يتصيد الرؤى الاجتماعية دون أن يتغلغل في جماليات أشكال هذه المضامين، مما يدل على أنه لا يرى في الأدب إلا انعكاسًا مرآويًا للواقع الذي أنتجه، وإن هذا الأدب لا يحتمل مبدأ الاستقلال الضمني عن المجتمع الذي أنتجه، أو حتى عن المبدع الذي أبدعه.
حركية الرواية العربية الحديثة وامتدادها الجغرافي والشعري
والملاحظ اليوم، أن الرواية العربية الجديدة قلصت المسافة بينها وبين مختلف الأبنية، وأمست قادرة على تقبلها واحتضانها والنهل من مختلف الأنساق الجمالية والثقافية، كما أنها نجحت في اختراق عوالم حداثية، وذلك من خلال تطوير أدواتها الفنية وتطويع جماليات لغتها، خاصة اللغة السردية الراقية، التي جعلت بعض الفنون القديمة أداة طيعة للتوظيف الفني مثل لغة التصوف والميثولوجيا.
وارتباطًا بمسار تطور الخطاب الروائي العربي، يمكن أن نسجل اكتساحًا للرواية العربية الجديدة بمدها وامتدادها على جغرافيا الشعر، مرغمة الشعري على التراجع قليلًا أمام السردي، فقد أدت الرواية باعتبارها جنسًا أدبيًا حديثًا دورًا كبيرًا بضخامة إنتاجها في الكشف عن العالم العربي وخصوصية لغته وهويته.
ويمكن تفسير هذا، بأن الرواية ارتبطت بإيقاعات المدينة وتشعباتها الاجتماعية والثقافية والسياسية، فهي صورة تعكس وعي منتجها الذي يرصد نبض محيطه وبيئته في كل حركاته وسكناته، إضافة إلى هذا، فالرواية جنس أدبي يستجيب لتطلعات الإنسان المعاصر ولرغباته الاجتماعية.
فالرواية لا تعبر عن طبيعة البيئة العربية وحدها بل تطرح قضية الإنسان بشكل عام، فهي تخلو من تعقيدات الشعر وتهويمات المسرح، وتكشف عن خصائص الأديب والمجتمع معًا. ويظل السؤال النقدي العربي حول المدى الذي يمكن أن تصل إليه دقة ورصانة الناقد الغربي والمستشرق في دراسة الأعمال الأدبية والتراث العربي الإسلامي بشكل عام، يفرض نفسه بإلحاح في هذا السياق.
موقف المستشرقين من التراث ودعوة ألن للقراءات المتعددة
أما عن مواقف المستشرقين من التراث العربي وفنونه وجمالياته وعلومه وثقافاته، فقد تفاوتت بين المواقف الجمالية والثقافية الجادة والأصيلة، والمواقف الانغلاقية التعصبية المشككة، إذ لم يقف التشكيك عند فن الشعر وجدة أصالته وهويته، بل هناك من شكك في أصالة وعراقة الإبداع العربي عامة، واصفين إبداعية العقل العربي بالشحوب، وهو ما ذهب إليه المستشرق الإنجليزي (وليم كنغليك).
وارتباطًا بالرواية دائما، يعقب (روجر ألن) على النقاد الذين رفعوا شعار موت الرواية، وأنها غير قادرة على التأقلم مع الحداثة بشكلها الحالي، وأنها قد تختفي كما اختفت الملحمة قبلها، قائلا: وعلى هذا، يمكن الإشارة إلى أن أولئك النقاد الذين يغريهم الإعلان عن موت الرواية بين حين وآخر، ربما كانوا يكتفون بالنظر إليها من منظور استرجاعي صرف، حيث إنهم يفشلون في ملاحظة التبدل أو الطبيعة المتغيرة لهذا النمط الأدبي.
نفهم مما سبق، أن النظر إلى الفن من زاوية واحدة، يمكن أن تنتج عنه نتيجة حتمية واحدة، لذلك يدعو (ألن) إلى العمل بمبدأ القراءات المتعددة التي تروم الكشف عن مستبطنات مختلفة عن تلك التي يراها بعض المستشرقين عبر نظرتهم السطحية لهذه الأعمال الروائية.
وعطفًا عليه، يمكن اعتبار الرواية بشكل عام -حسب المستشرق (ألن)- نوعًا من أنواع الأدب تتناول أساسًا عملية التغيير، كمرآة عاكسة لهذه العملية أو داعية لها، فهي معرضة للتغيير والتبدل المستمر، إضافة إلى أنها من الأجناس الأدبية الأكثر قدرة على تصوير الذات والواقع الذي تحيا ضمنه وفيه، بوصفها جنسًا أدبيًا تستطيع تشخيص ذاتها بطرق وكيفيات مختلفة.
فهي ليست مجرد حكاية تقوم على سرد مجموعة متتالية من الأحداث المترابطة أو غير المترابطة، لكنها فن يمتلك تنوعا غنيا من الإمكانيات السردية الجامعة بين المواضيع التربوية ومواضيع التأمل الشخصي والخيال الجامح، فضلا عن جمعها بين ما هو اجتماعي ونفسي وفلسفي.
النشأة التاريخية والخلط الأجناسي عند روجر ألن
فتصور (روجر ألن) لم يأت بمحض الصدفة، بل جاء نتيجة دراسته للظروف التي أحاطت بعصر النهضة في البلاد العربية، راصدًا ومتتبعًا الخيوط الناظمة لهذا الفن الجديد في الأدب العربي، منذ بداياته الأولى في الثلث الأخير من القرن التاسع عشر على يد اللبناني (بطرس البستاني 1819-1883) حتى بلوغه الخطوة الفنية الأولى أوائل القرن العشرين على يد محمد حسين هيكل في روايته (زينب 1913م) ثم بلوغه قمة النضج الفني منتصف القرن العشرين في مصر التي يعدها نقطة جغرافية مركزية في نشأة الرواية العربية واكتمالها جنسًا أدبيًا من الناحية الفنية.
إضافة إلى أن هذا المستشرق حاول التوقف عند أهم العلامات الفارقة والقفزات النوعية التي شهدها تاريخ الرواية العربية، ويظهر ذلك في عرضه لمسيرة الرواية العربية الممتدة لما يقرب من قرنين من الزمن منذ مراحلها الجنينية الأولى ونعومة أظافرها، الأمر الذي أوقعه في الخلط -أحيانا- عند حديثه عن الرواية بوصفها جنسا أدبيا قائما بذاته، ويظهر ذلك جليا من خلال استحضاره لأمثلة توضيحية تزكي طرحه وتصوره، عبر تناوله الأجناس الأخرى القريبة من فن الرواية، كجنس القصة القصيرة، والسيرة الذاتية مثلا.
الحقب الزمنية لتطور الرواية العربية عند ألن
أما عن مراحل تطور الرواية العربية الحديثة في هذا الأمد الزمني الطويل، فيحصرها (روجر ألن) في ثلاث مراحل أساسية نذكرها كالآتي:
- المرحلة الأولى: مرحلة البدايات المرتبطة بالنهضة العربية الحديثة، وبتطور تقاليد النثر الأدبي فيها.
- المرحلة الثانية: وهي مرحلة المحاولات القصصية المبكرة في فترة ما بين الحربين العالميتين الأولى والثانية.
- المرحلة الثالثة: وتعرف بمرحلة نضج الرواية العربية، التي يحددها بين سنة (1939م) وحتى تاريخ حصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل للآداب، عن ثلاثيته الشهيرة سنة (1988م).
التشكيل الثيماتي والموضوعاتي في الرواية العربية
وبعد هذا التتبع التاريخي لمراحل نمو وتطور الجنس الروائي العربي، ينتقل (روجر ألن) ليفتح نافذة مطلة على أهم الثيمات والموضوعات التي استأثرت باهتمام الروائيين والروائيات العرب وذلك خلال مرحلة نضجها واكتمالها، ولعل أبرز ما ذكر منها:
- الصراع ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي: وذلك من خلال روايات غسان كنفاني (رجال في الشمس) وسحر خليفة في رواية (لم نعد جواري لكم) وغيرها الكثير من الروايات التي وضعت اليد على هذا الجرح الغائر.
- الثورة والاستقلال والتحرر والواقع العربي: وهو ما جسدته رواية (دفنا الماضي) لـعبد الكريم غلاب، وأيضا في ثلاثية نجيب محفوظ، وحنا مينه في روايته (الشراع والعاصفة)، وفي رواية (الزمن الموحش) لحيدر حيدر.
- إشكالية العلاقة مع الغرب ما بعد الكولونيالية: وهو ما يظهر عند يوسف إدريس في روايته (الحي اللاتيني) وفي رواية (المرأة والوردة) لمحمد زفزاف. إضافة إلى موضوعات أخرى كالفرد والحرية والعلاقة بين الريف والمدينة.
- المرأة ودورها الاجتماعي: وهو موضوع تعكسه روايات مثل رواية (زينب) لمحمد حسين هيكل، ورواية (ذات الخدر) لسعيد البستاني، إضافة إلى رواية (أنا أحيا) لليلى البعلبكي.
مفهوم الأصالة والتعقيد عند إدوارد سعيد
بالانتقال إلى تصور آخر ونظرة استشراقية أخرى، كتلك التي تبناها إدوارد سعيد خاصة في دراسته للرواية العربية من خلال بحثه الموسوم بـ(النثر والنثر القصصي العربيان بعد 1948) فقد عمل من خلاله بداية على الإحاطة بمفهوم الأصالة في الرواية بشكل عام، فهو يرى بأن الروايات العربية جميعها تنتمي إلى عائلة، وكل قارئ للروايات هو قارئ لهذه العائلة المعقدة التي تنتمي إليها جميعًا.

والذي يمكننا فهمه من وصف (التعقيد) الذي أورده سعيد، هو تلك السياقات والنظم والبنى المختلفة التي تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تشكيل الرواية، فيتداخل السردي مع الجمالي والثقافي مع الأنثروبولوجي والميثولوجي والسياسي...
أما عن مفهوم الأصالة حسب إدوارد سعيد فهو فن إعادة تركيب المألوف، وهذا هو الأساس الذي استندت إليه الرواية، فالروايات لا تحاكي الواقع وحسب، بل تحاكي أيضا بعضها بعضا، وهذا هو الشرط الطبيعي لوجودها وسر دوامها كشكل، وهذا ما دفع سعيد ليقارن بين كل من الناقد والروائي، فهذا الأخير ينتج الرواية، أما الناقد فهو كاتب يتوق للكتابة بالكتابة، وينتج عملا عن تلك الرواية، فإن كليهما أصيل على حد سواء.
المقايسة البنيوية بين الرواية العربية والغربية
ولم تقف مقارنة إدوارد سعيد عند هذا الحد، بين الناقد والروائي، بل ذهب إلى المقارنة بين تاريخ الرواية الأوروبية الغربية وبين الرواية العربية، ويرى أن هناك اختلافًا في البنية والشكل، وهذا الاختلاف هو في المقام الأول مسألة تتعلق بوجود الشكل، فوجود الرواية العربية أقصر، لأنه لم يبدأ إلا في القرن العشرين، كما يرتبط بالظروف التاريخية والمنهج الجمالي.
رائع!!
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.