مفهوم الوعي وكيف يتشكل عند الإنسان؟

يتكون الوعي الإنساني كمنظومة هندسية بيولوجية من الرحم، وتُعالج اضطراباته النفسية عمليًا بالتأريض الطبيعي وإعادة البرمجة البيئية والجسدية المتدرجة...

إن الرحلة الإنسانية تبدأ دائمًا من محاولة استكشاف هذا الكيان الغامض الذي يسكننا، فالوعي هو حالة الإدراك واليقظة التي يمتلكها الفرد لمعرفة ما يدور في عالمه الداخلي من أفكار ومشاعر، وعالمه الخارجي المحيط به، ويتيح هذا المفهوم للإنسان تمييز ذاته عن الآخرين، ما يجعله أساسًا لاتخاذ القرارات والفهم العميق للحياة. ويمكن تقسيم هذا المفهوم عمومًا إلى عدة أبعاد وتصنيفات رئيسة تشمل مستويات الوعي المتعددة كالوعي الحسي (التواصل المباشر مع البيئة عن طريق الحواس الخمس)، والوعي الاجتماعي أو الجمعي.

ما معنى كلمة الوعي؟

  • تعريف الوعي لغة: تدل مادة «وعى» في المعاجم العربية على حفظ الشيء وضمه وفهمه بحضور عقلٍ ونباهة. 
  • تعريف الوعي اصطلاحًا: يعبر عن منظومة العمليات الذهنية والنفسية التي تمكِّن الإنسان من استيعاب وجوده وربطه بمحيطه.

الترابط الفلسفي والعلمي للوعي

وفي هذا السياق، يتجلى الترابط الوثيق بين الوعي والإدراك: حيث يُمثل الإدراك البوابة الحسية لاستقبال المثيرات الخارجية وترجمتها، في حين يمثّل الوعي الفضاء الأكبر والأشمل الذي يحتوي هذا الإدراك ويمنحه عمقًا وقيمة إنسانية.

مفهوم الوعي فلسفيًا

وإذا تعمقنا في التاريخ الفكري، سنجد أن الوعي يُنظر إليه على أنه جوهر الوجود الإنساني؛ حيث يعتقد الفلاسفة أنه ما يميز العقل ويجعل الإنسان مسؤولًا عن أفعاله وحريته، بينما يُمثل في علم النفس حالة اليقظة العادية وإدراك الذات والمحيط، والقدرة على التفكير المنطقي والتفاعل العاطفي المتسق.

الوعي الذاتي والوعي الجمعي

الوعي الذاتي: هو قدرتك على فهم ذاتك بوضوح، من خلال إدراك أفكارك، مشاعرك، ودوافعك، وكيف تؤثر على سلوكك وقراراتك، ويمنحك السيطرة على مسار حياتك وتحسين علاقاتك. وينقسم إلى نوعين أساسيين: الوعي الذاتي الداخلي (معرفة كيف نرى أنفسنا بدقة من حيث القيم، المشاعر، نقاط القوة والضعف، وكيف تتناسب مع بيئتنا)، والوعي الذاتي الخارجي (فهم كيف يرانا الآخرون، والذي يمكن تقييمه بدقة من خلال طلب الآراء الصادقة والملاحظات).

والوعي بالذات أداة لا غنى عنها لتحقيق الارتقاء الفكري والروحي. فالوعي نور يضيء عتمة النفس الباطنة، وبقدر ما يجله من سكون وفهم للذات، قد يكون عبئًا ثقيلًا يفتح أبوابًا للأسئلة واضطراب المشاعر.

والوعي الجمعي: (أو الضمير الجمعي) هو مجموعة المعتقدات، الأفكار، والقيم المشتركة بين أفراد مجتمع معين، لأنه يعمل كقوة غير مرئية توجه سلوك الأفراد، وتربط بينهم في إطار تضامني.

ما هي أنواع الوعي؟

يتعدد الوعي بناءً على المجال والسياق (النفسي، الفلسفي، والاجتماعي)، وينقسم إلى عدة أنواع رئيسة لعل أبرزها:

  • الوعي الذاتي (Self-Awareness): هو قدرة الإنسان على فهم نفسه، والتعرف على عواطفه، ومعرفة دوافعه، ونقاط قوته وضعفه. يشمل أيضًا الوعي الذاتي العاطفي الذي يساعد في التحكم بالانفعالات وفهم كيفية تأثيرها على الآخرين.
  • الوعي الاجتماعي (Social Awareness): يُعنى بإدراك الفرد لما يدور حوله في بيئته ومجتمعه، وفهم مشاعر الآخرين واحتياجاتهم، والتفاعل معهم بذكاء وتعاطف، لبناء تواصل صحي وفعال.
  • الوعي التأملي (Reflective Consciousness): يتطلب حضورًا ذهنيًا قويًا وقدرات عقلية عليا، مثل التفكير النقدي، التحليل، والذاكرة. يحدث عندما تتوقف للتفكير في تجاربك وتستخلص منها الدروس، مما يساهم في نضجك الشخصي.
  • الوعي التلقائي أو العفوي (Spontaneous Consciousness): هو الوعي الذي نعتمد عليه في أداء مهامنا اليومية المعتادة دون حاجة إلى تركيز ذهني عميق أو مجهود كبير، كالمشي أو قيادة السيارة في طريق مألوف.
  • الوعي الحسي (Sensory Awareness): ويتعلق بتلقي المعلومات من العالم الخارجي عبر الحواس الخمس (البصر، السمع، اللمس، التذوق، الشم) لتفسير ما يحدث حولك بشكل مباشر.
  • الوعي المعياري (Normative/Moral Consciousness): يُعرف أيضًا بـ «الضمير الأخلاقي»، وهو الإطار الذي يحدد قيمك ومبادئك، ما يجعلك قادرًا على إصدار أحكام على الأشياء والسلوكيات، والتمييز بين الصواب والخطأ.

كيف يتشكل الوعي عند الإنسان؟

يتكون الوعي الإنساني عبر تفاعل معقد بين الدماغ والبيئة المحيطة، فيبدأ كاستجابة حسية للمؤثرات الخارجية، ليتطور لاحقًا بفضل القدرات اللغوية، والتجارب الحياتية، والعمليات العصبية. هذه العوامل مجتمعة تخلق تجاربنا الذاتية وتجعلنا ندرك وجودنا في هذا العالم، وينمو هذا الوعي بواسطة ثلاث ركائز أساسية: المحفزات العصبية والحسية عبر عملية الانتقائية العصبية، التفاعل مع البيئة والمجتمع واللغة، والوعي الذاتي العاطفي والتفكير العميق.

ومن هذه الزاوية الفكرية العميقة، نتناول الوعي الاجتماعي بمنظور تحليلي مختلف للذات الإنسانية؛ فنحن اليوم ندرس النفس البشرية كنفسٍ مثاليةٍ يمكن ضبطها على المثالية، وهو الأمر المستحيل وفقًا للانهاية الاختيارات والاحتمالات التي تتعرض لها تلك النفس؛ لذلك فأنا هنا ليس لأصف ما أريد منك فعله، وإنما لإيضاح ما أنت قادر عليه كإنسانٍ يخطئ مثلما يصيب، وأن الخلل الطبيعي في نفسك يحدث حين لا تدرك الفارق بين الخطأ والصواب.

ربما إن تعلمت كيف تربي إنسانًا لتجعله كيانًا حرًّا ومستقلًّا وقادرًا على مواجهة تلك الحياة، ستجد نفسك قد تُرَبّيت من جديد لتصبح نسخةً أكثر تطورًا مما كنت عليها.

دعنا الآن من هذا الأسلوب في السرد فأنا لا أجيده؛ ستتعرف معي على الإنسان كآلةٍ بيولوجية فائقة الذكاء، حيث ستجد أن الصياغة تميل إلى الهندسة أكثر من سحر أفلاطون وأرسطو، أو حتى سحر فرويد.

يتشكل الوعي بتفاعل الدماغ والبيئة واللغة والتجارب والذات

أولًا: بداية التكوين والذاكرة الوراثية للأسلاف

إننا الآن نتكلم عن بروتونٍ ذكري مع نيوترونٍ أنثوي في عملية دمجٍ ذري بيولوجي لإنتاج جهازٍ أكثر تطورًا وذكاءً منهما، ما جعل هناك دستورًا بناه النوع كاملًا ومحمولًا على البروتون (ذاكرة أسلافنا). في حين يوجد نظام تشغيلٍ واضحٍ لهذا الإنسان الجديد، هناك قانونٌ أولي؛ كل هذا تمثَّل في جيناتٍ وراثية من الأب والأم كعنصري تأسيس تلك الشركة المسؤولة عن إنتاج الإنسان الجديد. وتبقى هذه الجينات حتى التكوين الفيزيائي للجسد في صورةٍ أولية، وذلك من أجل احتواء الوعي داخله.

الآن وقد أصبح الإنسان يمتلك الوعي والجسد في صورةٍ أولية:

لماذا لا نستطيع تذكر هذا؟

قد تتعرف على هذا في الأسطر القادمة، ولكني الآن سأبدأ بأولى مراحل الوعي، وهو وعي الجنين.

ثانيًا: مرحلة التأسيس الجنيني والارتباط الأول بالوعي (من 6 أشهر داخل الرحم إلى 3 سنوات)

بعدما أصبح الإنسان يملك نسخةً أولية من كل جهازٍ بجسمه وقادرًا على استيعاب وعيٍ أولي، يبدأ ارتباط الوعي بالجسد، حيث تمثل الأم والتغذية مصدر الوعي.

الجنين لا يختبر الخوف أو الفرح، هو فقط يعرف طبيعة التغذية مع وجود الهرمون المسؤول عن الشعور بتغذيته.

يمتد أدرينالين الأم في حالة الخوف إلى تغذية الجنين، ما يجعل اختبار الجسد لهذا الهرمون يعني خوفًا بداخل الوعي، وهو ما يجعل الوعي قادرًا على إفراز الهرمون في حالة إدراك الخوف.

ويمتد تأثير الخوف على الحالة الجسدية للأم من ناحية انقباضات الرحم، ما يجعل الوعي يربط بين الخوف والأماكن الضيقة المظلمة؛ وهي تمثل ذكرى في وعيٍ أولي ستعرف ما ستؤول إليه لاحقًا.

وبذلك تبدأ بذور المشكلات النفسية، وعلينا استعراضها واستعراض لماذا قد يختل برنامج الجهاز الجديد.

أثر سلوك الأم وعزلتها على الوعي الجنيني

يمثل الانعزال حالةً من الركود في برنامجٍ تعليمي من المفترض إتمامه للجنين. وبينما يمثل الانعزال التام إمكانية وضع بذور التوحد أو حتى الولادة به (وفقًا لحالة عزلة الأم)، فإن العزلة بالهواتف المحمولة ومواقع التواصل الاجتماعي تمثل بذورًا لأمراضٍ مختلفة؛ حيث تؤدي إلى ردود أفعال متناقضة وسريعة وتغييرات كبيرة في بيئة الجنين تجعله هشًّا وأكثر عرضة للأمراض النفسية.

الحلول المقترحة للأسرة

نحن لا يمكننا باختصار الطلب بالتخلي عن هاتف الأم أو جعلها اجتماعية غصبًا عنها، نحن فقط نريدها أن تواكب الحياة في وجود من 5 إلى 10 أشخاص يمثلون مصدر ثقة، والأهم بينهم هو الشريك (الأب)، مع عمل جدول مواعيد لاستخدام الهاتف.

الخروج إلى الطبيعة لمرةٍ شهريًا، ولا يشترط البحر، بل تكفي مساحات خضراء واسعة؛ حيث تمثل الألوان والشعور المرادف لها جزءًا من موروثنا الطبيعي، كما يمثل الخوف في صورةٍ أولية (كالخوف من الثعابين وغيرها من الكائنات) جزءًا من هذا الموروث.

 مواعيد نوم ثابتة (من 6 صباحًا إلى 12 ليلًا مثلًا) مع ممارسة المشي كرياضة، ما يحفز سعادة الجسد.

 تقسيم العمل مع الزوج (الشريك) من أجل بقاء جسدها في حالة لا تؤثر هرمونيًا في تغذية الجنين.

لا يمكن إتمام أيٍّ من هذا دون مشاركة الأب، حيث يجب أن يلتزم بجداول «الشركة» ومواعيد الاستيقاظ والنوم، وجدول مشاركة الأعمال، والحالة النفسية للأم؛ إنها شراكة من أجل جودة الإنتاج.

ربط بذور الأمراض النفسية بفترة التكوين الجنيني (ما بين الشهر السادس في الرحم والشهر السادس بعد الولادة).

  • التوحد: يغذيه الانعزال، الخوف، والتوتر لدى الأم.
  • الاكتئاب: تغذيه عزلة السوشيال ميديا، الصدمة، والحزن.
  • انفصام الشخصية: يغذيه الانغماس في القصص الخيالية والكذب.
  • الوسواس القهري: يغذيه التوتر المستمر والخوف.

نحن لا نطالب بالتحكم الكامل في المشاعر البشرية، وهو الأمر المستحيل، ولكننا نطالب بتعويضاتٍ شعورية من أجل مولودكم.

بعد أن تم الربط بين الجسد والوعي، يبدأ الوعي باختبار الجسد عن طريق حركات أطرافٍ خفيفة؛ حيث الحركة المفاجئة لأي عضو من أعضاء الجسد ستسبب المشكلات للوعي الوليد والطاقة الخفيفة الناتجة عن التغذية.

الطفولة المبكرة: تجربة الحواس وبناء الذات (من 6 أشهر إلى 3 سنوات)

بعد أن أصبح الإنسان مدركًا بشكلٍ أولي للرابط بين الجسد والوعي، تبدأ التجارب ولكن وفقًا لبرنامجٍ تدريبي يمثل جزءًا من الموروث. وما يجعلها من أخطر مراحل الإنسان هي التجارب:

التجربة (1): الزحف وبداية التعبير بالصوت

يعمل الإنسان على تطويرٍ شامل لاستخدام جسده بواسطة الوعي، بعد أن أصبح يمتلك أجهزة الإدخال اللازمة (الأذن والعين) وأجهزة أخرى للإخراج (مثل إشارات الجسد أو الصوت)؛ فالآن هو يختبر الشعور في شكل ذكرى كاملة.

أهداف العملية المرجوة

  •  معايرة الجسد فيزيائيًا.
  •  التعرف على ردود الأفعال المرئية والمسموعة من المحيطين.
  •  إدراك الحدود الفيزيائية والملموسة للجسد.
  •  التعرف على مفهوم الألم.
  •  التعرف الحسي على البيئة الخارجية.

لماذا هي التجربة المناسبة للطفل؟

  •  توفر عنصر الأمان؛ حيث يظل الجسد في مساحةٍ آمنة قريبة من الأرض.
  •  استخدام كلي وعضلي للجسد.
  •  التعلم الفعال بالتكرار.
  •  بناء قيمة الإصرار.

التهيئة الأسرية المناسبة

إن المساحة الآمنة التي تمنحها الأم من أجل الجسد لا بد وأن تتوازى مع المساحة الآمنة للوعي؛ لأن استخدام أسلوب التحفيز مهم، ولا يمكنك الإفراط في إظهار المشاعر أو المساعدة؛ أنت هنا تمثل دعمًا مؤقتًا مع بدء عملية انسحابٍ شعوري في أثناء التجربة.

إن رد الفعل القوي والهلع على أي عملية اصطدام بسيطة للطفل يمثل بذور شخصيةٍ ضعيفة نفسيًا تميل إلى الخوف الفطري، في حين رد الفعل المبالغ به كعلامةٍ للنجاح يؤدي إلى شخصٍ عجول أو انهزامي متسرع.

إن وجود الأب يعطي مساحةً آمنة للمولود، وحين تكتفي الأم بالمشاهدة، يمكنك مشاركته عملية الزحف من أجل الحصول على الرابط الأبوي ولكن دون التدخل في نجاحه الخاص لإتمام مهامه بنفسه.

تجربة جديدة: المشي والتوازن

بعد أن قام الطفل بالتجربة الأولى، هو الآن يمثل مرآةً لكل شعورٍ اختبره في أثناء الزحف، ما يجعل فرصة التعديل السلوكي كبيرة.

المشي هنا يمثل المعايرة النهائية للربط بين الجسد وقدرة الوعي في التحكم به.

يمثل المشي وضع بذور البحث والتطوير؛ لأن الطفل في أثناء المشي يبدأ باختبار آلية البحث، وكل ما يجده يمثل جديدًا لا يمكنك نهره أو وضع حدودٍ له، بل على الأسرة أن تكون أكثر نظامًا بما يضمن سلامة المستكشف الصغير، ثم إنه أدرك بعد الزحف قيمة التطور بالتعلم بالتجربة.

مشاعر الطفل هنا تتحول حيث يصبح لديه فعلًا منظومة تشمل:

  •  حب النجاح والتطور المستمر.
  •  التوازن الفيزيائي والروحي.
  •  قيمة البحث والاستكشاف.
  •  التعرف الفعلي على ثنائيات (الفشل والإصرار، واليأس والقوة).
  •  استخدام الذاكرة وإيجاد الحلول الذاتية.
  •  بناء مساحته الخاصة المستقلة.
  •  الشعور الحقيقي بالفرح والحزن.
  •  غريزة البقاء (حماية الجسد والوعي في أثناء المشي).

تنبيه مهم: تكمن خطورة هذه المرحلة في أنها تمثل أول «نفس» يكونها الإنسان، حيث هناك وعي جديد يلوح في الأفق كبداية، في حين يبدأ الوعي القديم بالعمل وفق جدولٍ زمني في الانسحاب والتحول إلى «اللاوعي»، وسنشرح دوره وجدوله لاحقًا.

المطلوب من الوالدين

  • الأم: ضرورة إدخاله في جدول مواعيد النوم والاستيقاظ.
  • عدم استخدام الهاتف لفتراتٍ طويلة أمامه.
  • ضرورة وجود اجتماعٍ أسري يومي ولو لمدةٍ بسيطة.
  • التوازن المعتدل في تقديم المساعدة وضبط ردود الفعل.
  • التوقف التدريجي عن المكافأة المادية لربط النجاح بأهدافه الذاتية.
  • لا تتوقفوا عن استخدام الطبيعة والاندماج معها بشكلٍ دوري.
  • الاهتمام الجاد والمصغي بما يقوله الطفل.
  • تقديم تغذية جيدة متوازنة.

أمراض وأعراض تفرزها هذه المرحلة

  • خوف الأم الزائد = يورث ضعف الشخصية، واليأس، والاستسلام المبكر.
  • غياب دور الأب = يولد الإحساس المزمن بالقلق والتوتر.
  • عدم وجود اجتماع أسري = يمهد للرهاب الاجتماعي وضعف القدرة على إتقان السلوكيات الاجتماعية.
  • الانفعال المستمر في وجهه = ينتج طفلًا يحاول إرضاءك قسريًا، وربما يكذب مستقبلًا من أجل ذلك.

ربما وضعنا هنا نبذةً عما قد يؤثر على السلوك؛ إننا ببساطة لا يمكننا منعك من عيش حياتك من أجل طفلك، ولكن إن كنت أو كنتِ غاضبةً، فاذهب إلى غرفتك مؤقتًا، واستخدم هاتفك بنظام، ونم وفقًا لجدول، واجتمع بأسرتك. نحن نطلب منكم ما هو مفيدٌ لكم كما هو مفيدٌ لمولودكم.

ثالثًا: من الوعي الموروث إلى «اللاوعي» (من 3 إلى 6 سنوات)

هذه بداية جدولٍ زمني يتحول فيه الوعي الموروث إلى «اللاوعي» الذي يمثل «القرص الصلب» لاحقًا مع إنذار البلوغ، في حين يبدأ الوعي الجديد «القرص المرن» في عملية تخزينٍ تفاعلية مع إمكانية الوصول والتعديل المستمر ليمثل وعينا نحن البشر.

في سن الثالثة، يوجد البرنامج الأصلي داخل وعينا الموروث ومبادئه ودستوره وقانونه، وبالمقابل يوجد وعيٌ قيد التطوير يمكن به استنساخ نسخٍ جديدة من القانون والدستور والمبادئ وفقًا للبيئة الخارجية؛ فيؤثر الدين والعرق والطبقة كجزءٍ من هذا القانون المستحدث ليعمل اختيارًا ثانيًا في هذا الإنسان الذي يبدأ ويتشكل من نفسين.

إن أعظم ما يمكننا أن نقدمه للإنسان في هذه المرحلة هو الصدق وتقديم القدوة الحسنة (مثل الالتزام التام بتحقيق الوعود)، والنقاش الهادئ الذي نؤدي فيه دور المستمع والمفكر في حلول. بكل بساطة، الإنسان هنا يمثل مرآةً لما يراه، فهو ما زال يتعلم بالتقليد والمحاكاة.

منذ سن الثالثة، وبعد اكتمال نطق الصوت واللغة، يصبح ربط المشاعر مرئيًا وصوتيًا، ولا تنسَ أن إفراز الهرمونات يمثل جزءًا من المشاعر والبيئة الكيميائية للجسد. البيئة المحيطة هنا تمثل قاعدة البيانات للوعي الجديد؛ فكلما كان الإنسان يشعر بالحرية داخل بيئته كان أكثر استقرارًا، ثم إن الرياضة والأنشطة الحركية تمثل جزءًا كبيرًا من توازنه واستقراره.

الآلية التربوية لإدارة المرحلة

  • الالتزام بوعود صادقة لا نكث فيها.
  • فتح نقاشات بنّاءة مبسطة مع الطفل.
  • المعاملة بأسلوب المقايضة الذكية والاتفاقات.
  • استثمار ميزة التعلم بالتقليد لغرس السلوكيات الحميدة.
  • توفير بيئة صحية مناسبة خالية من الصراعات.
  • الاستمرار في دمج الطفل مع الطبيعة ورؤيتها.
  • استمرار الالتزام بالجداول الزمنية واليومية.

نحن وإلى الآن لم نحدد الأمراض النفسية وعلاقتها بالجسد والوعي واللاوعي؛ نحن هنا نتحدث عن البذور التي قد تشكل أمراضًا نفسية لاحقًا وقد لا تفعل، فيظل الإنسان يحمل متغيراتٍ تعبر عن مكان وجوده وما قد استخدم فيه عقله، ولكننا أيضًا سنعرف في النهاية لماذا لا يمكننا رؤية الوعي ماديًا.

رابعًا: الاختلاط الاجتماعي وتوسيع الآفاق (من 6 إلى 9 سنوات)

بعدما أصبح الإنسان متحقِّقًا من إمكاناته الجسدية وفقًا لنوعه، أصبح خروجه إلى بيئة يراها مناسبة وخارج حدود الأسرة الضيقة أمرًا حتميًا؛ فعزلته عن المجتمع في هذه المدة تسبب خللًا وظيفيًا حادًا، ولكن علينا أيضًا أن نوضح له كيفية الاختلاط السليم ومداه وألا نترك تجاربه بالكامل للصدفة والعشوائية.

إن المتغيرات في هذه المرحلة سببٌ كبير في تكوين ملامح الوعي الحديث، وهو ما يجعل الأمر صعبًا في شرح وتفصيل كل المتغيرات الممكنة، ولكننا نكتفي بطرح أمثلة توضيحية:

مثال تطبيقي

حدوث مشكلة داخل المدرسة للطفل في أول يوم دراسي؛ إن دخول الولد في حالةٍ من الشك والخوف والتراجع يمثل آلية الوعي الأولى لديه للدفاع والهروب، وهنا يكمن دورنا التوجيهي والمحوري في مناقشة آليةٍ سلوكية منضبطة ومواجهة هادئة لترسخ داخل العقل كبروتوكول دفاع بديل وصحي.

خامسًا: مرحلة انسحاب الوعي القديم وتهيئة الجسد للبلوغ (من 9 سنوات إلى سن البلوغ)

هذه هي المرحلة الأخيرة في تحول الوعي الموروث مع بدء تنفيذه لآلية الحذف والترشيح التلقائي؛ حيث إن الوعي الموروث في نهاية جدوله الانسحابي التدريجي يعمل على آليةٍ حديثة، وتشارك 4 فصوص من المخ في عملية ترشيح لملايين اللقطات العشوائية والذكريات القديمة المخزنة بداخله يوميًّا، لتتم هذه العملية الدقيقة في أثناء النوم، في حين يبقى الفص الجبهي في حالة استعدادٍ وربطٍ مستمرين منبهًا للاحتياجات الحيوية (كدخول الحمام) أو حتى أي تهديد طارئ يمس سلامة الجسد.

وفي حالة الاستيقاظ، يرجع الفص الجبهي إلى دوره الطبيعي في تنفيذ آلياتٍ مخزنة مسبقًا للدفاع عن النفس، والهروب، والغرائز الحيوية.

في هذه المرحلة، يأخذ الجسد وضعيةً فيزيولوجية مخصصة للتطور بما يناسب ويخدم متطلبات الوعي الجديد، ما يجعل الميول تذهب أكثر إلى استخدام العنف أو العصبية والحدة وسيلةٍ للتعبير عن إدراكه الكامل لذاته، مع البدء بظهور القرار الأولي الناتج عن الوعي الموروث القديم، والقرار الناتج عن وعي السلوك والبيئة الحالية، ليبدأ المراهق بالتحرر الفردي وإصدار قراراته الخاصة.

إن دور الأهل هنا لا يتلخص في تقديم التوجيه والأوامر المباشرة، ولكن في تعليم هذا الكيان الجديد كيف يختار بنفسه، وكيف يتعلم من اختياره، وكيف يكتسب المهارات الاجتماعية اللازمة للاختيار السليم. ومع إنذار البلوغ، يكون الجسد قد أعلن اكتمال نمو الوظائف الحيوية والقدرة على التكاثر، ما يُسجَّل كآخر قانون رئيس في القرص الصلب والقرص المرن: الشهوة واستمرارية النوع.

سادسًا: مرحلة ما بعد البلوغ وبناء جسور الصداقة بين الأجيال

إن التحول في النفس البشرية بالإحساس بالذات يجعل الإنسان يميل للتعبير عن ذاته بالطريقة الفردية التي يراها مناسبة، سواء أعجبتنا نحن الآباء والأمهات أم لا، وحينئذ يأتي دورنا لنقدم نصائح وتجارب من أجلهم بذكاء، فقد ولى بالكامل زمان وصايتنا المطلقة:

  • انتهاء زمن العقاب المباشر: لا يمكنك الآن استخدام أسلوب العقاب، فأنت بذلك تغامر بالنقيضين الكارثيين: إما صناعة إنسان ثائر هادم، أو إنسان خائف مهزوم، ولك مطلق حرية الاختيار في طبيعة ابنك.
  • شرح طبيعة المرحلة بوعي: توضيح طبيعة التغييرات الهرمونية والفيزيائية والمردود السلوكي المصاحب لها ليتعلم المراهق كيفية السيطرة عليها وتجنب الوقوع في فخاخ الانفعال.
  • بناء الصداقة الحقيقية: علينا الآن كأم وأب أن نكون أكثر صداقة، وصدقًا، وأمانةً مطلقة في حفظ أسرارهم والإنصات لهم دون أحكام مسبقة.
  • تقديم تجارب مماثلة: سرد مواقف واقعية حدثت معنا في شبابنا، سواء انتهت بالفشل أو النجاح، وذلك لدعم الجانب الإنساني بداخلهم وتقبّل نتائج الاختيارات الخاطئة.

باختصار لا يمكنك تعليمه وتوجيهه إلا إذا كنت تظهر كإنسان يخطئ ويصيب وليس كملاك معصوم، فهذا المنظور المثالي المصطنع سيجعله ينظر إليك كأنك كاذب أو شخص ساعٍ للمثالية، وهي مستحيلة المنال بشريًّا.

  •  دور الأم المركزي في حياة الذكر: لمساعدته في رؤية وفهم العالم بصورة مختلفة وعميقة تبتعد عن نظرته الذكورية البحتة للكون.
  •  دور الأب المركزي في حياة الأنثى: حيث يستطيع الأب بوجوده الواعي أن يجعل ابنته تتغلب على الخوف الفطري والخجل الزائد، واستخدامهما طبيعيًّا باتزان غير مبالغ فيه في مواقف الحياة.

سابعًا: الأمراض النفسية من منظور هندسة الوعي والجسد

1. الاكتئاب وتفكيك بذوره الأولى

إن الاكتئاب يمثل حالة من الخوف المبالغ فيه الذي أدى في نهاية المطاف إلى العزلة التامة، وفعلت العزلة ما تجيده دائمًا وهو سوق النفس البشرية إلى سراديب الحزن الشديد الذي يتبلور كمرض اكتئاب. أو قد يكون خللًا وظيفيًا حادًا في الغدد الكيميائية والأذن يجعل الجسد يطلق هرمونات تماثل تمامًا هرمونات «تغذية الجنين في حالة ذعر الأم»، ما يجعل اللاوعي يستعيد ذاكرته الصدمية القديمة وتبدأ تلك البذرة بالنمو السريع.

أو قد يكون نمطًا متكررًا ومرتبطًا بخلل وسنوات الطفولة من سن 3 إلى 9 سنوات، ما أدى لاستعادة مشاعر سلبية مرتبطة بالوظائف الحيوية؛ مثل خوفٍ مبالغٍ فيه من كلب أو قطة قد يعيد إليك اختبار الهرمون الكيميائي نفسه والحالة النفسية الجنينية القديمة نفسها.

التشخيص الفارق

  • الاكتئاب النفسي المنشأ: يكون وليد اللحظة ويصيب الوعي أولًا، ليتطور ذلك الشعور تدريجيًا؛ ما يجبر الوعي على تغيير طبيعة وكيمياء الغدد، ويمكننا تشخيص هذا النوع بمعرفة الفارق الزمني بين إصابة الوعي بالشعور الحزين أولًا وبين ظهور إصابة الغدد العضوية.
  • الاكتئاب العضوي المنشأ (الاكتئاب ذو البذرة العميقة): يحدث مع اختبار الجسد لهرمونات تمثل ذكرى قديمة جدًا في أثناء وجوده كجنين أو رضيع، فيبدأ الجسم العضوي بإصابة الوعي بالشعور نفسه كأثر كيميائي رجعي، وهنا نحدده بالفارق الزمني بكون الإصابة بدأت في الغدد مسببة اعتلال الوعي تاليًا.

أما الحالة الأكثر تعقيدًا وصعوبة، فهي عندما يُصاب الوعي أولًا فيبدأ الخلل العضوي بالتداعي تدريجيًا في الغدة المسؤولة، ثم يتأثر القلب، ثم الأذن، وصولًا إلى حدوث تلف ملموس وفقدان للمرونة العصبية في أجزاء معينة من الدماغ البيولوجي.

آلية علاج الاكتئاب المقترحة

برنامج علاجي متكامل يمتد على مدار 9 أشهر كاملة ويبدأ بتطبيق الخطوات التالية تدريجيًا وبصبر:

  • التأريض اليومي المستمر (Grounding): حيث يقف الشخص المصاب حافي القدمين تمامًا على مساحة خضراء طبيعية (حديقة أو أرض ترابية طبيعية) مدة 10 دقائق متواصلة، بمعدل 3 مرات يوميًا (الفترات المثالية: صباحًا من 8 إلى 10، عصرًا من 3 إلى 5، وليلًا من 8 إلى 10)، وذلك لتفريغ الشحنات الكهرومغناطيسية الزائدة وإعادة ربط طاقته بالطبيعة.
  • العلاج العضوي المباشر: الكشف الدقيق وعلاج أي خلل عضوي ظاهر في الغدد الكيميائية المسؤولة، أو القلب، أو الأذن، أو المخ بالتعاون مع المتخصصين.
  • بدء جلسات الاستماع والفضفضة المقننة: تبدأ الجلسات من خلال رجل وأنثى يمثلان مصدر ثقة وأمان تامين للمريض (وليس بالضرورة أن يكونا الأب والأم)، ليرتفع هذا العدد من الأشخاص تدريجيًا خلال الـ 9 أشهر، بحيث يزيد عدد المستمعين بمعدل فردين جديدين كل شهر، مع التأكيد على موازاة أعداد الذكور والإناث، وأن يكون الفردان الأخيران في الشهر التاسع من دائرة أبعد وأقل ثقة ممن سبقوهم لتدريب المريض على الدمج المجتمعي.
  • تطبيق تمارين التنفس المنتظم والاستحمام المائي: ممارسة عمليات تنفس عميق ومنظم، مع الاستحمام بالماء 3 مرات يوميًا، مع التأكد والحرص على دخول الماء إلى تجويف أذنيه لتحفيز العصب الحائر وتنشيط الجسد.
  • البيئة الآمنة: يجب إدراك أن كل ما سبق من خطوات لن يجدي نفعًا إن لم تكن البيئة الأسرية والمحيطة بالمريض تمثل أمانًا مطلقًا وتدعم إعادة برمجة وعيه بلطف.

تنويه هادف وصادق

أعتذر منكم كثيرًا، أنا بالفعل لم أقم بالتجارب الإكلينيكية المعملية اللازمة للتأكد العلمي التام مما أعلمه وأوقن به جيدًا، ولذلك لا يمكنك استخدام طريقتي العلاجية هذه إلا إذا رأيت وقدرت أنها لن تكلفك شيئًا ولن تضرك. ولذلك سأضع هنا التوحد كآخر مرض نفسي يمكنني عرضه ومناقشة تفاصيله، علّي بكلماتي هذه أستطيع مد يد العون والمساعدة لأسرة تتألم بصدق لوجود مولودها في حالة التوحد.

2. اضطراب التوحد ورؤية هندسية بديلة

إن التوحد وفق المنظور الهندسي يمثل القلق المفرط والخوف الشديد المتراكمين؛ حيث يعمل القلق العالي على عزل الطفل اجتماعيًا للدفاع عن نفسه، في حين يسلب الخوف قدرته على كسب وتطوير المهارات والخبرات الاجتماعية اليومية.

 آلية علاج التوحد المقترح

  • الفحص البيولوجي وعلاج اعتلالات الأذن الحسي أو استخدام سدادات أذن مؤقتة لحماية الطفل من التشتت الحسي والضوضاء، لحين علاج الخلل البيولوجي في مراكز المخ.
  •  فحص وعلاج الغدد المسؤول هرمونها عن إفراز هرمونات القلق المرتفعة.
  • علاج مشكلات كفاءة القلب ومراكز الرؤية العصبية.
  • فهم وإدراك الأهل أنهم مقبلون على عمل علاجي وصبر يمتد لـ 9 أشهر كاملة تعادل مجازًا وتماثل فترة الـ 9 أشهر التي قضاها الطفل في الرحم؛ حيث تبدأ الخطة بالعزلة المقننة والتواصل الحصري والآمن مع شخص واحد فقط (يُفضل أن تكون أنثى كالأم)، ثم في الشهر السابع من البرنامج العلاجي يمكننا إدخال عنصر ثانٍ (رجل كالأب)، وبعد انتهاء الـ 9 أشهر الأولى تجري محاكاة سريعة ومتدرجة لما بعد مرحلة الولادة لدمجه اجتماعيًّا على نحو متسارع ومدروس تباعًا.

ويستمر هذا البرنامج العلاجي الطويل -وأنا آسف ومدرك لثقل هذا الأمر- ليمتد إلى 3 سنوات و9 أشهر من العمل والمتابعة والتدريب الدقيق، تليها 18 شهرًا أخرى تمارس فيها خطوات التأريض والتنفس المطبقة لعلاج الاكتئاب.

إن علاج المرض السلوكي والنفسي قبل أن يتمكن من الاستقرار والتوطن في «القرص الصلب» (اللاوعي) يكون ذا نافذة وجدول زمني صغير ومعدلات شفاء أسرع بكثير، مقارنةً بالجدول الزمني الطويل والمعقد إذا أُصيب اللاوعي واستقر الداء فيه مسبقًا، فهذا الأخير سيأخذنا حتمًا إلى ضرورة القيام بعملية إعادة محاكاة شاملة واقتلاع لبذرة المرض الأولى من جذورها العميقة.

البعد الطاقي والفيزيائي للوعي البشري

إن الوعي واللاوعي ليسا طلاسم أو سحرًا مجهولًا، فنحن البشر مَن اختزل سرعة الضوء كأقصى سرعة في الكون، بينما ما يُطبَّق على المادة الكثيفة لا ينطبق أبدًا على الطاقة الحرة واللطيفة. فالوعي في جوهره موجات مشفرة فائقة السرعة تسير بما يقارب 700 ألف كيلومتر في الثانية، وهي محملة بطاقات كهربائية دقيقة وتشفير نبضي معقد.

بل إن الموجات والترددات الجديدة لتحديث وإضافة برامج النظام تدخل إلى جسدك البشري عبر نقاط استقبال حساسة للغاية هي: باطن القدمين، الأذنان، وخصلات الشعر؛ وهي في حقيقتها أجهزة حيوية مذهلة تمتلك أكثر من وظيفة في آن واحد.

وإن طريقة إدارة الوعي للجسد وتفاصيلها الدقيقة لم نستطع فهمها أو الإحاطة بها كليًا حتى الآن؛ فنحن لا ندرك أن الجسد يعمل وفق آلية «برلمان حيوي» متعدد الأعضاء وبقائد تنفيذي، ما يجعل أعضاء الجسد تشارك فعليًا وبقوة في صنع القرار، ويمكنك لمس هذا وقياسه ببساطة عندما ترسل لك معدتك إشارات حيوية قاطعة تخبرك فيها بأنها فارغة وتطالبك بالطعام.

إن فهم طريقة عمل الإنسان وهندسته وتصميم معالجته الحقيقية يمثل علمًا قائمًا بذاته، وبإمكانه إن فُككت شيفرته وطُوِّر أن يدفع بعلومنا الحالية قفزةً نوعية توازي ألف عام كاملة من التطور الحضاري والتكنولوجي؛ فالإنسان يحمل هندسةً بيولوجية فائقة الذكاء والتعقيد تخدم وعيه وسرعة استجابته للمتغيرات، وتقتصد بذكاء شديد في استهلاك وإدارة الطاقة الحيوية.

أجمل ما قيل في الوعي

تباينت فيه أقوال الفلاسفة والأدباء؛ فمنهم من عده نعمة الارتقاء، ومنهم من رآه سببًا لشقاء الإنسان وعزلته عن الآخرين.

 قال الفيلسوف آرثر شوبنهاور: «الوعي يجعلنا غرباء في عالمنا، فالجهل يوفر لنا مأوى ومألوفية».

 وعن فرط الشعور قال الأديب دوستويفسكي: «أيها السادة، إن الإسراف في إدراك الأشياء والشعور بها، مرض.. مرض حقيقي، مرض كامل».
 كما جسد الشاعر المتنبي ثقل المعرفة في بيته الشهير:

ذو العقلِ يشقى في النعيـمِ بعقله...  وأخو الجهالةِ في الشقاوةِ يَنْعَمُ

الخاتمة ونظرة نحو المستقبل

لم يعد يهم كثيرًا ما حدث مع أجيالنا السابقة وما خسرناه، بل إن ما يهم حقًا الآن هو ما الذي سنقدمه لأبنائنا من وعي، وما هي البذور الفكرية والنفسية التي سنزرعها بداخلهم؛ ربما يقع على عاتقنا اليوم واجب المشاركة الفعالة والواعية في صناعة وتنشئة أجيال جديدة أكثر تطورًا، وعلمًا، ومسؤولية عما سبقها.

أنا في هذه السطور لا أقدم لك نموذجًا خياليًا للمثالية المستحيلة، ولكن هدفي الأصيل منذ البداية كان أن أعطيك نموذجًا بشريًا حقيقيًا يمتلك إرادته وقدرته على الاختيار الفعلي؛ فأنا أؤمن يقينًا بأن كل إنسان يملك كامل الحرية في اختيار مسارات حياته وكل شيء يخصه، وصولًا إلى دينه وقناعاته، لأن ما يمر من وقته وعمره هو أغلى ما يملك في هذه الحياة، ولهذا فعليه هو وحده أن يختار.

أنا لا أطلب منك أن تكون مثاليًا ومعصومًا كإنسان، أنا فقط أرجو منك بكل صدق أن تكون حقيقيًّا.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة