تعد المحافظة واحدة من أكثر المصطلحات السياسية إثارة للجدل واللبس في تاريخ الأفكار الحديثة، فهي لم تولد موقفًا سياسيًا عابرًا، بل نشأت صرخة احتجاجية ثائرة ضد التمزق الذي أحدثته الثورة الفرنسية في نسيج التاريخ الأوروبي. ومنذ ظهور المصطلح لأول مرة في فرنسا عبر جريدة شاتوبريان عام 1818، ثم انتقاله إلى إنجلترا ليعبر عن حزب المحافظين، خضع المفهوم لتحولات عديدة جعلت دلالته تختلف جذريًا باختلاف الزمان والمكان.
في هذا المقال، نبحر في أعماق هذا التيار الفكري لنتعرف على مفهوم المحافظة، ونكشف كيف تحول من رد فعل مضاد للثورة إلى عقيدة سياسية واجتماعية تحاول الموازنة بين الحفاظ على القيم التقليدية ومواجهة موجات الحداثة المتلاحقة.
ماذا تعني المحافظة؟ لنبدأ بالكلمة، وقبل كل شيء تاريخها ضمن المجال الذي جاء منه هذا المصطلح السياسي.
نشأت فكرة المحافظة كتيار فكري وسياسي معارض لـ الثورة الفرنسية، وارتبطت مبكرًا بكتابات المفكر إدموند بورك الذي دافع عن التقاليد التاريخية للمجتمع ورفض التغيير الثوري السريع، لتصبح لاحقًا عقيدة سياسية تسعى إلى الحفاظ على القيم والمؤسسات التقليدية مع التكيف التدريجي مع الحداثة.
الجذور اللغوية: من باريس إلى لندن
إن تعبير المحافظة فُهم في معناه السياسي حينما ظهر لأول مرة في فرنسا، إذ وُلد في عصر الإصلاح، ويدين بحروفه الأولى في النسب إلى الجريدة المتطرفة التي أسسها شاتوبريان Chateaubriand «المحافظ» عام 1818. وفي إنجلترا ظهر حزب المحافظين - وهي تسمية ظهرت لأول مرة في مقالة لـ «كروكر» (J. W. Croker) في نوفمبر عام 1830، والذي خلف حزب «توري» Tory، وهو حزب سياسي كان مؤيدًا للسلطة الملكية وهو اليوم حزب المحافظين.

وفي سنة 1830، دخل التعبير ضمن المصطلحات المستعملة في السياسة في بريطانيا، وبعد سنوات عدة، أصبح تعبيرًا قائمًا في جميع أنحاء أوروبا الغربية.
تعدد الدلالات: المحافظة بين بورك وتاتشر
منذ ذلك الحين، فإن هذا المصطلح وغيره من المصطلحات السياسية عاش وجودًا متحركًا وأحيانًا ثائرًا في المكانة السياسية التي دفعته في مجالات مختلفة حسب البلدان، وحمَّلته أيضًا كثيرًا من الإبهام والمفاهيم المتعددة.
في إنجلترا اليوم، المحافظة كلمة ذات أهمية كبيرة ومظهر محترم؛ وهي منذ أكثر من قرن ونصف، تعد التعبير الجوهري للحياة السياسية، إذ إنه يتعلق بطريق أفضى في النهاية إلى اتفاقات كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل بإشراف الولايات المتحدة.
واستمر هذا «النجاح» في تصاعده: فالمحافظة عند مدام تاتشر ليست هي نفسها عند بورك Burke أو ديزرائيلي Disraeli. فالكلمة نفسها إذن متعددة الدلالات.
في فرنسا لم يعرف هذا التعبير المعنى والغنى أنفسهما. فـ «المحافظة» جريدة شاتوبريان لم تعش إلا فترة بسيطة، ومنذ ذلك الحين لم تستخدم الكلمة كعلم سياسي.
إلا إن الجمهورية الثالثة عندما وُلدت أرادت لنفسها أن تكون «محافظة». فالكلمة حملت مفهومًا محقرًا بشكل عام (فالمحافظة بالإجمال هي مرادفة لموقف رجعي أو للدفاع عن امتيازات موجودة)، وبشكل خاص خدمت كسلاح بلاغي في الحوار السياسي. ونتج عن ذلك أن الكلمة افتقدت للدقة ولم يكن لها أي محتوى عقائدي.
المحافظة الأمريكية: خلط المفاهيم واغتراب المصطلح
في الولايات المتحدة تختلف الأشياء. فالتعبير استعمل بصورة عرضية في القرن التاسع عشر من قبل مجموعات وحركات سياسية مختلفة بدون أن يكون المعنى ثابتًا. وفي القرن الحالي وخصوصًا في الفترة المعاصرة، كسب شهرة واتساعًا ولكنه انحدر أيضًا كمفهوم. فقد كان تطوره وبجزء منه رديفًا لكلمة تحرر.
فالمصطلح من ناحية سياسية في أمريكا كان تقريبًا هو أصل المعنى الذي تدل عليه كلمة «ليبرالية»، وهو قريب من المصطلح الاجتماعي الديمقراطي الأوروبي. وبالنتيجة، فإن الليبراليين (بالمعنى الأوروبي للتعبير) ينضوون جميعًا تحت راية «المحافظين».
أما اليوم فأولئك الذين يحملون اسم «محافظين» يشكِّلون فئة غير متجانسة، إن لم تكن شاذة، حيث يتعايش الإباحيون مع الذين يمثلون «الأغلبية الأخلاقية».
والتعبير الأمريكي يمارس الخلط، فهو ليس أكثر من اصطلاح لغوي.
إشكالية التعريف الأكاديمي وصعوبة التصنيف
أما المصطلح الأكاديمي فهو بلا شك أقل غموضًا من المصطلح السياسي ولكنه ما زال بعيدًا عن أن يكون ثابتًا وأكيدًا تمامًا. ولقد وردت استعمالات شائعة مختلفة وغامضة، كذلك هناك الصعوبات التي فرضها تاريخ الأفكار بشكل عام. ومن المتفق عليه أنه يمكن التمييز داخل التاريخ الغربي بين أي حركة أو تيار ثقافي أو سياسي «محافظ».
ولكن من دراسة إلى أخرى، لا نجد للتكييف المعنى نفسه؛ فالحركة ليس لها باستمرار الأصل نفسه، وخاصة ليس الممثلين أنفسهم. إن المؤرخين متفقون على قاعدة عامة هي أن ولادة المحافظة كان في النصوص التي نُشرت لأول مرة بشكل معادٍ للثورة. ولكن M. Morton Averbach يعود إلى الفكرة الكلاسيكية ويدخل بين المحافظين، Cicero وSaint Augustin وThomas More... إلخ.
ويُعد Burke في الغالب الأب المؤسس للمحافظة، ولكن البعض يصنفه بين الليبراليين. على العكس من Tocque Ville فهو بشكل عام مصنف كليبرالي، لكنه صُنِّف محافظًا من قبل M.R. Kirk ومن قبل M.R. Nisbet.

وإن M.F.A. Hayek اعتبر من قبل بعض الجامعيين الأوروبيين ليبراليًا، وغالبًا ما وُضع في مخيم المحافظين في الولايات المتحدة، رغم أنه هو نفسه، أخذ قلمه ليكتب إلى زملائه فيما وراء الأطلسي، لماذا لا يعتبر نفسه محافظًا؟
إن ثقل الاستعمال الشائع كما سنراه، قد جاء من الأثقال التقليدية التي تشق اختلافًا محسوسًا ما بين التحليلات الأوروبية والأمريكية للمحافظة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالفترة المعاصرة، ضمن هذه الظروف، فليس ما يثير الدهشة، بأن البعض قد طرح المناقشة حول فائدة ومشروعية المفهوم.
هل المحافظة حقيقة تاريخية أم مجرد اصطلاح؟
إذن السؤال المطروح هو: هل المحافظة موجودة؟ وإذا كانت كذلك فضمن أي معنى؟
إن الاختلافات الأكاديمية قد بينت التعقيدات القصوى لتاريخ الأفكار، فلم ينتج عن ذلك أن هذا المفهوم يجب أن يجرد من دلالته. فالمحافظة، إذا لم يكن من السهل تحديدها بدقة فهذه بالضبط حقيقة تاريخية. فالمفهوم نافع ومشروع لأنه على عكس تقسيم الحقيقة بشكل مصطنع، إنه يأخذ بالحسبان بأن أي تيار فكري أو سياسي بالرغم من تنوع اختلافاته له وحدته واستقلاله العقائدي. وبتعبير آخر فإن المفهوم يسمح بالتمييز بين عائلة فكرية، محددة تاريخيًا ومكانيًا، فهو من حيث الجوهر ينقسم بوضوح بين العائلة الليبرالية والعائلة الاشتراكية.
من الواضح أن هذا التكييف والتمييز تبسيطي، فهو يلغي الاختلافات ويمحو الحالات الوسيطة وغير الأكيدة. ولكن بين المفكرين الذين يدعون «محافظين» فدرجة التقارب بينهم لا تعني وضعهم ضمن الفئة نفسها.
فما التعريف إذن؟ إن الاقتراحات السابقة تمنع تعريف المحافظة، لمجرد القلق واللبس في وضعها وحالتها. ولكن مسارها يعطينا الخصائص التالية:
- ربطها بالوضع الراهن، والخوف من التغيير.
- والمحافظة تكون صالحة لكل الأزمنة مهما أخذت أو ستأخذ أشكالًا متعددة.
هكذا يكون المفهوم مطبقًا على روما القديمة كما على روسيا السوفيتية، وفيما يتعلق بالمحافظة فهي من طبيعة مختلفة جذريًا، حسب الآفاق التي هي موجودة [تاريخ الأفكار السياسية] وبالتالي يكون المفهوم غير خاضع للتحليل.
عقيدة صنعت الأحداث: المحافظة كحركة مضادة للثورة
لكن التعريف المقترح، المستنبط من التاريخ هو: أن المحافظة هي حركة ثقافية (وسياسية) للعصر الحديث الذي وُلدت فيه ومعه، ومن ثم أصبحت ضده. فالعقيدة المحافظة تكون قد نشأت من أجل الدفاع عن النظام السياسي والاجتماعي التقليدي للأمم الأوروبية. فالمحافظة الصافية هي إذن «التقليدية» ضمن النطاق الذي يبقى فيه أحد فروعها مخلصًا للقيم «المحافظة»، وينفصل حسب مجرى التاريخ عن التقليد السابق إلى الحداثة، ولنمط التاريخ الذي يحدده. وهكذا يمكن الحديث إذن عن محافظة جديدة.
هذا التعريف يجب أن يكون بلا شك واضحًا ظاهرًا، فيوجد أنواع من المحافظة لها ما يبررها. والتحليل الذي يتبع يبذل جهدًا لرسم التاريخ الثقافي، كذلك التاريخ السياسي للمحافظة حيث إن الواحدة لا تنفصل عن الأخرى. هذا المنحى التاريخي استدعته الحقيقة نفسها. فالفكرة المحافظة هي ذات جذور داخل التاريخ.
نستطيع القول إن عقيدة المحافظة هي بنت الأحداث. فقد ولدت كرد فعل ضد الثورة الفرنسية، هذا الحدث العظيم الذي بدا لـ Burke وخلفائه بأنه تمزيق لنسيج التاريخ الأوروبي. فكانت أول كتابات المحافظين هي كتابات ظروف، وكانت نصوصهم ذات طابع قتالي لصالح الذين يتمتعون في السابق بالسلطة التقليدية غير المنقطعة والتي كنستها العاصفة الثورية.
بورك وتأملات الثورة: الصدام مع عصر التنوير
إن عقيدة المحافظة قد وُلدت على أساس أنها مضادة للثورة. هذا التكييف يجب أن يكون مفهومًا جذريًا في وجه من الوجوه. فالمحافظون لا يدينون فقط الممارسة الثورية، إنهم يرفضون منذ الأصل المبادئ التي تنادي بها، ويحكمون عليها بأنها معاكسة للطبيعة الاجتماعية للإنسان وللأخلاق أيضًا. وفكر المحافظة يناقض بالتالي عصر التنوير، وحقوق الإنسان، وبشكل أعم المشروع السياسي الحديث.
وإذا كان Burke يخشى على التاريخ ويعمل من نفسه حاملًا راية الدفاع والإنقاذ لتراث التاريخ، فهذا بسبب شعوره المتطرف لنهاية عالم تحكمه القيم العزيزة عليه. فببلاغة قوية كان لصدى أحيانًا نبرة خائبة، يهاجم السياسة الأيديولوجية للثوريين الفرنسيين، كذلك يطرح أول تأمل عميق حول ماذا ستكون عليه التوجهات المسيطرة للفكر الاجتماعي والسياسي للقرن التاسع عشر: أي التناقض بين النظام الاجتماعي - التقليدي والنظام الاجتماعي الحديث.
المحافظة السياسية والاجتماعية: جبهات معارضة الحداثة
إن اللحظة المضادة للثورة هي اللحظة التقريرية في التاريخ المحافظي، ففيها أعدت وثبتت التوجهات العميقة للعقيدة، وأيضًا تلك التوجهات تتضمن مؤشرات ظروف ولادتها. إن تاريخ المحافظة بعد الثورة هو في جوهره تاريخ مرونة الفكرة المعادية للثورة. ويجب أن يضاف إلى ذلك أن التاريخ له وجوه متعددة حسبما يتعلق الأمر بالمحافظة السياسية أو المحافظة الاجتماعية.
- الأول: هو في مداه الواسع خاضع إلى الحالات التاريخية والتقليد القومي، حتى إذا كان في كل الحالات معاديًا للحداثة وللديمقراطية.
- الثاني: يطرح جبهة معارضة أكثر اتحادًا لمواجهة التطور الذي لا يؤدي إلا إلى إعطاء الناطقين باسمها موضوعات جديدة للإدانة: الثورة الصناعية، تنظيم المدن، حضارة الجماهير.
في كلتا الحالتين نجد أن عقيدة المحافظة تبقى في نقدها المضاد للثورة وللحداثة بالإخلاص أو الاعتقاد التقليدي، ومصيرها عدم القدرة على تعطيل الزوال التدريجي للنظام التقليدي، فالمحافظون مارسوا تأثيرًا ثقافيًا مهمًا في القرن التاسع عشر وفق المعطيات التي أثروا بها في التطور التدريجي، إنهم لم يعملوا إلا إلى إيقافه. يدعي المحافظون بأنهم ينتسبون إلى التاريخ ولكن التاريخ يخطِّئ ادعاءاتهم.
اللحظة المضادة للثورة
على خلاف الليبراليين الذين اجتهدوا على امتداد القرن التاسع عشر لفرز -تمييز- الحب من الزوان (الأساليب المدمرة أو الراديكالية) في داخل الحركة الثورية، بمعنى آخر التمييز بين الروح الليبرالية عن الروح الجاكوبية Jacobin، فقد أدان المحافظون الثورة الفرنسية برمتها.
وقد وجد الحكم الكلي بالإدانة منذ 1790 عند Burke في «تأملات حول الثورة الفرنسية» المشهورة وأُعيدت وتمت من قبل خلفائه. فهم يرون أن الثورة الفرنسية هي ظاهرة غريبة، فالتاريخ في الماضي لم يعطِ مثلها، إنها فاسدة في مبادئها وفي ممارساتها، إنها بكاملها سيئة.
إن تأملات Burke هي النصوص الأساسية للفكر المحافظ. هي أيضًا التعبير الأكثر بلاغة وبدون أي شك الأكثر قوة، وتبقى النصوص المرجع الأمثل للتقليد المحافظي. ينجم عن ذلك بالتالي أن الفكر المضاد للثورة هو كل متجانس. فإن Maistre و Bonald المعادي للثورة يأخذ عن Burke حكمه المعادي، ويأخذ كذلك جزءًا من حيثياته، ولكن من جهة أخرى له تقليد وطني مميز وتوجهات خاصة به. فهو يتمسك بالأصل التاريخي، الذي يوجد ويميز في الوقت نفسه بين المحافظة بلون إنكليزي والمحافظة بلون فرنسي.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.