مفهوم الصورة الفنية ومدى ارتباطه بالثقافة

تعد الصورة الفنية أحد مصادر المعرفة الحيوية والمتجددة والمثمرة عبر التاريخ، وأكثر وسائل الاتصال تأثيرًا، وبقدرتها المعرفية الكبيرة تعد معقدة بصريًّا في أطروحاتها وبياناتها.

فهي تدخل في عملية البناء الزمني للإنسانية، وتتوافق مع ضرورات إنتاجها وتوليدها، انطلاقًا من العلاقة الوثيقة بالواقع في مستوياته التاريخية.

قد يعجبك أيضًا أهمية الفن في الحياة اليومية

الصورة الفنية عبر التاريخ

تمثل الصورة الفنية موضوعات فكرية أعطت الإنسان قدرات على التأمل، وظهرت الصورة بأوجه متعددة ومتجددة في أنماط تفاعلها مع الواقع، بدءًا من التجارب التي سعت إلى التشابه مع الواقع، أو في سياقاتها المجردة البحتة.

ولقد زودت الصورة، التي تكونت في أشكال رمزية ودلالية، عبر التاريخ بقدرة ثورية على تكييف الوعي مع الأشكال الافتراضية للواقع التي لم تكن موجودة، كما أثرت الصورة التفكير العقلي للإنسان بتجسيد المجهول وغير المرئي والعالم الآخر.

واتخذت الصورة خلال تاريخها الطويل أنماطًا وأنماط البناء البصرية للأساطير والميثولوجيا، ووثقت مراحل الوعي الإنساني على المستوى الثقافي، كما استطاعت أن تتداخل مع التكنولوجيا والعالم التكنولوجي.

وهكذا اكتسبت الصورة أهميتها النفسية من جهة قدرتها على توجيه الوعي وتجسيد التجارب وأنماط الفكر، على حد تعبير الفيلسوف اليوناني أرسطو طاليس: "لا تفكر الروح أبدًا من دون الصور".

قد يعجبك أيضًا العلاقة بين التغييرات في المجتمع والفن في أوائل القرن العشرين

مفهوم الصورة الفنية

يعد مفهوم الصورة من المفاهيم التي لها ارتباط نفسي ومعرفي وديني وثيق ببنية الثقافة، ويشير جاتشيف إلى الصورة الفنية على أنها هذا الكل الفني الكامل، سواء على هيئة استعارة أو لجام.

إن العلاقة (الموجودة) بين جوانب الصورة المختلفة، أي بين الجوانب الحسية والعقلية، والجوانب المعرفية والإبداعية، تعكس مباشرة وبدقة نمط العلاقات بين الفرد والمجموعة في كل عصر، وهما إلى ذلك مرتبطان ارتباطًا وثيقًا.

وفي هذا السياق تحتل الثورة الفنية مكانًا بارزًا، وذلك لما له من قيمته الدلالية في الوصف المعرفي لآليات العمل الفني.

وإن خاصية الاكتمال التي يشير إليها جاتشيف في الصورة هي التعبير عن وصف جوهر الصورة، باعتبارها وحدة متزامنة مدمجة بين الفكر والعمل الفني، ولذلك فإن الصورة هي الشكل الذي بواسطته يظهر الفكر على سطح الوعي.

والصورة الفنية هي نتاج معرفي ملموس وصياغة بصرية متكاملة قادرة على المشاهدة والتأمل والتفاعل معها، بفضل قدرتها على إبراز الإبداع الموجه بالقدرات الحسية والعقلية.

وإن القدرة على صياغة هذه المهارات بأشكال قادرة على التفكير والتأمل، أي ديناميتها في قدرتها على الاستفزاز والتحليل والإبداع، ذات تأثير فعال على المشاهد، تجعله قادرًا على بناء آليات الرؤية وتطويرها.

فهو ليس وجودًا حسيًّا مسطحًا واعتباطيًّا، بل هو عمليات عقلية وحسية وتحليلية وواعية بحتة، وحركة معرفية متزايدة مع الواقع.

قد يعجبك أيضًا الفنون الإسلامية: من أعظم الفنون التي أنتجتها الحضارات الكبرى

الصورة والفكرة

إنه تدريب ملموس وتحويلي للفكر، من الصور الذهنية إلى الصور المرئية، ولهذه الحركة خصائصها المؤثرة في بنية أفكار الفنان والمتلقي، وتنتج الصور الذهنية استجابة لدوافع نفسية للفنان، أو نتيجة لسلسلة من المطالب الاجتماعية أو الدينية، فهو مركب قادر على توليد قيم نقدية تساعد على فهم أذواق أفراد المجتمع وتعديل أذواقهم وقيم القراءة البصرية لديهم.

إن الفعل الفني (الصورة البصرية) وتراكمه التاريخي والمكاني يولد فعلًا آخر على مستوى الوعي الأيديولوجي، وهو فعل العمق التجريبي الذي به تتفاعل الصورة مع الواقع.

وإن كلمة أيديولوجيا تمتد جذورها داخل مفهوم الصورة والتفكير بالصورة، وقد جاءت من الفعل icon، في اللغة الإنجليزية، وهو فعل كثيرًا ما كان يُربط بالفكرة العامة عن الصورة المرئية Visible image ، التي هي فكرة جوهرية في البصريات ونظريات الإدراك.

ومن ثم فإن الأفكار هي تكوينات ذهنية لمجموعة متفرقة إلى حد ما من الصور الموجودة في ذهن الفرد وعلى مستوى نشاطه العقلي أو الأيقوني أو المرتبط بالتفكير في الصور، وهكذا يحدث الخلط بين الأيديولوجيا، بطريقة أو بأخرى، وبين الصور والتفكير فيها.

ولقد تشكلت الصورة من تجارب الإنسان عبر العصور بأشكال ثابتة ومتغيرة، وبتشكيلات تلقائية مقصودة تؤثر في الأفكار وتضفي على الثقافة خصائصها الخاصة وتمدها بطاقاتها الكامنة.

قد يعجبك أيضًا الفن التشكيلي وتأثيره في الثقافة والتاريخ

وحدة التاريخ والزمان والمكان

ونظرًا للعلاقة التفاعلية فإن الوصف لفهم معنى الصورة وارتباطها بالتيار الأيديولوجي لا يقتصر على اعتبارها تمثيلًا اصطلاحيًّا ثابتًا لبنية الواقع، ما يمنحها صفة الاستقلال عن الواقع.

وبحسب محمد الخرافي، فإن الصورة (الفنية) "تنفصل عن كل الأشياء التي تجعل منها صورة -حرة مستقلة- في حين الصورة المدركة حسيًّا لا تنفك أبدًا عن الأشياء وليس لها وجود خاص مقترن بالأشياء نفسها".

ويمكننا القول إن الصورة الفنية المنتجة سواء في الفنون التشكيلية أو الدرامية -وإن كان بعض أجزائها متميز بصريًّا عن بعضها- تجسد وحدة التاريخ، ووحدة الإنسان، ووحدة الزمان والمكان.

وهذا يقودنا إلى فكرة مهمة، وهي أن الصورة الذهنية وتطورها جزء لا يتجزأ من كياننا.

وأن العمل الفني وسياقه مرئيان، والصورة هي الشكل الذي به يظهر الفكر على سطح الوعي.

وهنا يمكن تقسيم الصورة إلى قسمين: بصرية وأخرى متخيلة، والصورة البصرية Visuallmage هي هيئة بصرية ظاهرة لها غاية وتحمل وسائط ومفردات ورموزًا معبرة بغرض تحقيق تلك الغاية، ويمكن فهمها بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ارتباطًا بما تحمله من قيم ورموز لها دلالات حضارية وثقافية وتربوية.

أما الصورة المتخيلة Imaginative Image فهي صورة تكون على نحو مغاير للوجود الذي تكون عليه الأشياء لعدم وجودها واقعيًّا، فهي ظاهرة ذهنية كأسلوب أو أداة يقصد بها الوعي، موضوعها التأمل.

كاتب مقالات حصرية ، نكتب مقابل 50 دولارا أمريكيا ، للتواصل مع الكاتب ، هاتف 00966551657006 واتساب فقط.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب

كاتب مقالات حصرية ، نكتب مقابل 50 دولارا أمريكيا ، للتواصل مع الكاتب ، هاتف 00966551657006 واتساب فقط.