الراحة جزء مهم من الحياة، لكن غالبًا ما يُساء فهمها، وهذا ما أسعى لتوضيحه في هذه المقالة.
قد يهمك أيضًا
الفرق بين سيكولوجية الرجل وسيكولوجية المرأة
ما هو مفهوم الراحة؟
عندما تنظر إلى بحيرة أو غروب شمس مذهل، فبمَ تشعر؟ بالسلام والهدوء؟ أم بعدم الراحة نوعًا ما؟
الآن، ربما تستغرب رؤية (التململ(restlessness كاستجابة لجمال العالم الطبيعي، ولكن إذا أخذنا لحظة لاستكشاف العقل في هذه اللحظات، فسترى هذا الحال غالبًا.
يجد علماء الأعصاب الآن أدلة على أنه في أي لحظة ينخرط العقل في لعبة شد الحبل بين جبهتين:
· الأولى ميل العقل للشرود، ما يسمح للفكر بالتنقّل من فكرة إلى أخرى، وذلك دون تقييد، يُشار -في علم الأعصاب- للمنطقة التي تسهل هذا التدفق المتعرج للأفكار باسم "شبكة الحالة الافتراضية (DMN) اختصارًا لـ(Default Mode Network).
- الثانية ميل العقل إلى التركيز على شيء واحد محدد، بفضل قدرته الشديدة على تجاهل المدخلات الحسية -التي لا حصر لها- والتي تتنافس على الانتباه، وتوجيه انتباهنا نحو هدف محدد للتركيز.
تُعرف أجزاء الدماغ -وتتضمن قشرة الفص الجبهي وقشرة الجدارية- التي تسهّل ذلك باسم "شبكة المهام الإيجابية" (Task-positive network)؛ هذا ما يتيح لنا أن نكون منتجين.
حقيقة إن هاتين الجبهتين مجتمعتان في عقلٍ واحد هو ما يسمح للسكينة والقلق بالتواجد في ذات الجملة.
على سبيل المثال، عندما تشاهد بحيرة ساكنة، فستشعر بدايةً بهدوء مريح؛ تهدئ خلاله الأحاديث المستمرة التي تصاحب عقلك ويحثك جمال المشهد على الاستمتاع باللحظة.
ولكن بمجرد أن تبدأ حداثة التجربة في التلاشي، تبدأ "الثرثرة" في الظهور مرة أخرى؛ فتتحول التيارات المائية الناعمة -التي كانت تحتل مركز الصدارة في وعيك- إلى ضوضاء ناعمة تتلاشى، ليحلّ مكانها كل الأفكار حول ما تحتاج إلى إنجازه.
في الجوهر هذه هي الطريقة التي يعمل بها العقل، فالضدّ يُعرف بالضد، ولا يمكن فهم الشرود دون فهم القدرة على التركيز، وهذا ليس مجرد إدعاء فلسفي، ولكنه إدّعاء علمي أيضًا.
قد يهمك أيضًا من زرعها؟ ما هي الثقة بالنفس
الراحة في التخلص من القلق
السبب الذي جعلني أفكر في هذا أنني غالبًا ما أشعر بالحيرة حيال معنى الراحة، نعلم جميعًا أن الراحة مهمة، ولكن ما تعريفها بالضبط؟
هل هي عدم فعل شيء لفترة ما؟
وبعبارة أدقّ، هل يتعلق الأمر بعدم فعل أي شيء بجسمك، ولكن السماح لعقلك بالنشاط (مثل قراءة كتاب أو مشاهدة مسلسل) أم العكس حيث يكون عقلك هادئًا وجسمك نشطًا؟
إذا ذهبت في نزهة -على سبيل المثال- فهل تُعد هذه راحة؟ ماذا عن السفر، على الرغم من وجود ضغط التخطيط وغيره، هل يدخل في إطار الراحة؟
ومن المثير للاهتمام أن الإجابات عن كل هذه الأسئلة يمكن أن تكون "نعم"، حتى لو تناقضت مع بعضها البعض. والسبب: أن الراحة -في نهاية المطاف- هي عندما لا تربط قيمتك الذاتية بما تنتوي فعله.
عندما تحدق في بحيرة ساكنة وتبدأ بالقلق بعد بضع دقائق، فعادةً ما يكون ذلك بسبب فكرة تتسلل إلى ما أنجزته، يركز عقلك على القلق الذي كان لديك قبل دخول تلك البحيرة إلى مجال رؤيتك.
كل الأفكار حول ما عليك إنجازه في العمل، أو الوجبات Meals التي يجب أن تعدها.. ولمن، والفعالية التالية -في جدول مواعيدك- التي يتوجب عليك حضورها، يوجد تذكير صارخ بشيء يجعلك تخرج من اللحظة ويوجه عقلك نحو المستقبل.
عندما تفكر في أمرٍ عليك فعله، فأنت لم تعد مستريحًا، وفي الغالب سيكون ذاك الشيء إما من دافع المسؤولية تجاه شخص آخر، وإما لتثبت لنفسك أنك كفؤ.
قد يأخذ هذا شكل مهمة عمل، أو فكرة حول نموذج عملك "Business model"، أو حتى مكالمة افتراضية مجدولة مع عائلتك وأصدقائك.
قد يهمك أيضًا القلق والتوتر والإكتئاب من ألد أعداء السعادة وعلامات النضج العقلى .
أشكال الراحة مختلفة
هناك فكرة (خفية) عن القيمة الذاتية تتسلل إلى الصورة، لهذا فالراحة هي -في النهاية- فعل أشياء لا علاقة لها بتعزيز مكانتك في المجتمع، يمكن أن تأخذ الراحة شكل قراءة كتاب (بشرط ألا تخدم قراءته أهدافك المهنية أو الشخصية)، على سبيل المثال أدركت أن ذهني يسترخي فعلًا عندما أقرأ الروايات دون أي رغبة في تمييز "Highlight" أي شيء!
لأنني أكون حينها (حاضرًا تمامًا) مع الكلمات الموجودة على الصفحة، ولا أرغب في جمع أو الاحتفاظ بالمعلومات التي أستخدمها لاحقًا في كتابتي.
كما أنني أعد السباحة شكلًا من أشكال الراحة، رغم أن تمريناتي تُعد شاقة جسديًا إلى حد ما، إلا أنني أجد أن ذهني هادئ أثناء السباحة، دون التفكير فيما يجب أن أفعله، هناك شيء ما -يتعلق بملمس الماء على جسدي والحركة المنتظمة لأطرافي- يزرع هذا الإحساس بالسلام.
قد يهمك أيضًا القلق: العلاج الطبيعي، الانتعاش الدائم
لماذا تُعد البحيرة الساكنة أفضل تمثيل للعقل الهادئ؟
باختصار؛ لأنها تتماوج دون هدف، تتصاعد أمواجها على الضفة بهدوء دون أن تنكسر، لا يوجد شيء تحاول فعله، إنها ببساطة تذهب إلى حيث تريد أن تذهب.
لكن ألقِ حجرًا في البحيرة، وستتدفق التموجات بطريقة تتعارض مع حالة الطبيعة، حتى عاصفة من الرياح القاسية لن تحدث تموجات بالطريقة التي يحدثها الحجر الصغير.
هذا ما تعنيه رغبتك في أكثر مما لديك؛ لتصبح شخصًا ما أو تعزز مكانك في المجتمع، قد تكون معروفًا، لكن يأتي ذلك على حساب السكون من حولك.
الراحة هي أن تأخذ تلك اللحظات لفهم أن ما تنتجه لا يشكّل كينونتك، وأن تكون منسجمًا ومتقبّلًا لكل ما أنت عليه، إنه للسماح لهذا الفراغ الذهني بالتمدد كلما رأيت شيئًا جميلًا، وفهم أن هذا ليس غير مألوف، ولكنه لمحة عن حقيقة الكينونة.
قد يهمك أيضًا
-طمأنينة الإنسان...سلاح البشر السري
مقال رائع
موفق دائما بإذن الله سبحانه وتعالى
خالص التحية والتقدير والاحترام
برجاء الدعم والمتابعة والمشاركة
د. حمدي فايد
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.