مغامرات كوكي - فقس البيض عدا واحدة!

صحت عصافير الكناري والطيور المغردة قبل شروق الشمس، وفي بيت الدواجن، أيقظت البطة والإوزة صغارهما، وصحت الدجاجة الوحيدة على صخب الصغار لتصيح فيهم، وتنهرهم كعادتها كل صباح. وهذه المرة تشجع بطبوطة الصغير، واقترب منها وقال في أدب:

لقد طلع النهار يا خالتي العزيزة دجاجة.

وتردّ عليه الدجاجة في حدّة:
وما شأنك يا بطبوطة؟ أغرب عنى هذه الساعة.
معذرة خالتي!
وابتعد عنها بطبوطة، وجعل يتأملها وهي شاردة تحدث نفسها:
إنني عاطلة وليس لي عمل، فلِمَ أصحو مبكرا؟ ! فلأعاود النوم.
وعادت الدجاجة إلى مرقدها، وما لبثت أن راحت في سبات عميق.. استغرب بطبوطة؛ قائلا في نفسه: لقد نامت ثانية! تُرى متى تصحو؟!
وسرعان ما لحق بأمه وإخوته، ليستقبلوا يومهم الجديد، ويتنسّموا هواء الصباح اَلنَّدَى. ولا يمضي وقتٌ طويلٌ وتشرق الشمس؛ لتملآ الدنيا بنورها. وتمضي الساعات؛ فيشتد لهيبها، وتتخلل أشعتها بيت الدواجن، وتلسع الدجاجة؛ فتهبّ من نومها فزعة؛ لتهتف في رهبة: من الذي لسعني تلفتت من حولها في حيرة.

نظرت إلى فتحة بالسقف. ضوْءُ النهارِ يؤذى عينيها: الشمس أيضا! أفّ ل بطبوطة والشمس. ألا يتركاني تنبهت حين أتى إلى سمعها صياح الإوزة. ألقت نظرة إلى الخارج.

لقد انتصف النهار! إنها الوحيدة التي ظلت نائمة؛ حتى هذه الساعة المتأخرة. حاولت أن تنهض: آه! لقد نمتُ طويلا. ومع ذلك أشعر بالخمول.

آه! رأسي تؤلمني تحاملتْ الدجاجة على نفسها، وخطتْ بين تأوّهاتها؛ إلى الخارج. التقطت قليلا من الحَب، ثم انزوت في أحد الأركان، وراحت تتأمل البطة والإوزة والصغار، وهي: تأكل، وتلعب، وتمرح، وصياحهم يعبّر عن السعادة. ما زالت تتأملها: يا لحظ البطة! إنها سعيدة بصغارها. تأكل وتلعب معا، وأنا آكل وحدي وأنام وحدي. ما أتعسني لقد مللت الوحدة. وتمضي ساعات النهار بطيئة متثاقلة.

والدجاجة حزينة بائسة. تقضى النهار بلا أنيس ولا جليس. تغرب الشمس، ويأتي المساء. وينام الجميع في بيت الدواجن، ولا يزور النوم جفونها! وتظل ساهرة وحدها، في سهد وأرق. وتتنهد الدجاجة: الوحدة كئيبة. لقد سئمت الحياة. إلى متى أعيش وحدي؟ رُحماك ربى. الليل ساكن، والقمر في كبد السماء يضيء الدنيا.

يا إله الكون. شمسٌ تنيرُ نهارا، وقمرٌ ينير ليلا! يا لعظمة الله!، ويا لجمال الحياة! خرجت الدجاجة إلى الفناء، وجعلت تروح وتغدو في ضوء القمر الفضي: ما فائدة العقل إذا لم نستخدمه؟ يجب أن أجد حلا لمشكلتي، فبالعقل والتفكير؛ يُحلّ كل عسير، ويصبح الصعب سهلا ويسيرا. هيا. شغلي مُخّك يا دَجَّجَ!

وأطرقت الدجاجة تفكر، وتفكر. أخيرا صاحت فرحة: وجدتها! العمل. هذا هو. يجب أن أثبت ذاتي، وأحقق وجودي. ولكن ماذا أعمل؟ رَبّاه! و. وما عمل الدجاجة إلا أن تبيض. ثم يفقس البيض أفراخا جميلة أرعاها. أي أصبح أمّا. أجل: الأمومة عمل عظيم ومُشرّف. فكرة عبقرية! أحمدك يا رب! . وسرعان ما خطت نحو البيت:

سأنام لأصحو مبكرا. دون بطبوطة الغباوة، والشمس اللاسعة كه كه كه

وما أن ترقد الدجاجة، ليأخذها النعاس.. ولأول مرة تنام نوما عميقا دون سهد. والعجيب، أنها استيقظت نشيطة، وسبقت البط والإوز إلى سطح الفناء!

الجوُّ مُنعشٌ والنسيمُ عليلٌ. ما أجملَ الصباح!

صحا البط والإوز، وكانت دهشة بطبوطة عندما رأى الدجاجة:

عجبا! . لقد صحت خالتي الدجاجة مبكرا، وتبدو نشيطة. سبحان مغيّر الأحوال!

وراحت الدجاجة تأكل بشهية مفتوحة:

سألتقط الكثير من الحَب، ثم أبيضُ آخر النهار..

قضت الدجاجة ساعات النهار في حيوية؛ بين دهشة الجميع، وقبل غروب الشمس؛ جعلت تقرقر. لقد جاء الفرج. تلفتت من حولها، وسرعان ما دخلت البيت في حذر، ووضعت أول بيضة. تأملتها في سعادة: بيضة كبيرة! ما أجملها! .

وسرعان ما غطتها بالقش؛ لتكون في مأمن وبعيدا عن العيون:

سأبيض كل يوم بيضة أو بيضتين. التساهيل على الله. لن أكسل أو أنسى يوما.

ودارت الأيام. وذات يوم، أزاحت القش، وكانت فرحتها:

ما شاء الله! كل هذا البيض! سأصبح أمّا لكل هذه الأفراخ. يا لي من دجاجة بيّاضة ومحظوظة! .

وما لبثت أن رقدت الدجاجة فوق البيض لتدفئه. . شعرت بالهدوء وراحة البال. وكثيرا ما كانت تشرد بخيالها، وترى بعين المستقبل، حين يفقس البيض، وتخرج أفراخٌ جميلة، تحومُ حولها. تدعوها؛ فيتبعونها أينما تذهب. يا له من مشهد رائع يسرّ العين والقلب! ستملأ عليها الدنيا، وتودّع الوحدة إلى الأبد:

الدجاجة: تُك تُك. تُك تُك تُك، تُك تُك تُك!.

الأفراخ: صوْ صوْ. صوْ صوْ. صوْصوْصوْ.

وترقد الدجاجة ثلاثة أسابيع، لا تدع البيض إلا لتلتقط بعضا من الحَب وقليلا من الماء. ثم تعود لتواصل تدفئة البيض، حتى لا يفسد. إنها تدرك ذلك بغريزتها!، ولا عجب؛ فقد علمها الله اَلْعُلَى القدير. كم تعبت الدجاجة، وكم شعرت بالمُعاناة، ولكن ما أمتع التعب والمعاناة!، وما أهون الصعب في سبيل الهدف!، وتحقيق أغلى الأماني، وَجَنَى أحلى الثمار.. ستؤكد ذاتها ووجودها ونفعها.. سيُصبحُ لها عملا شريفا، وما أشرف عمل الأم!، وما تبذله من جهد في تربية صغارها، ورعايتها لهم حتى يَكْبُرُوا، وما أعظم الأمومة!: فات الكثير، ولم يتبق إلا القليل.

وتمضي الأيام، يوما بعد آخر: واحد وعشرون يوما. شعرت الدجاجة ببوادر الفقس، فتركت البيض؛ بعد أن أنجزت أولى مَهامها، وجعلت ترقبه في تشوّق ولهفة.. ورهبة! وتستقبل الأفراخ، واحدا تلو الآخر، كلها ذات شعر أبيض اللون، وقلبها يرقص من فرط الفرحة. يا له من سعيد، بل أسعد الأيام في حياتها:

ما أجمل الأفراخ! كم أحبها، وكم أشعر بالسعادة!
الدجاجة ما زالت ترقب البيض. دبّ قلبها. لقد فقس البيض كله، عدا واحدة! انتظرت الدجاجة، ولكن؛ لم تفقس البيضة، ولم يخرج الفرخ!
البقية: العدد القادم

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
Apr 14, 2021 - عبد الوهاب الجزائري العربي زيدي
Apr 13, 2021 - وصال الدقيوش
Apr 12, 2021 - Fareed Hawammdeh
Apr 11, 2021 - هبة عبد الرحمن مختار محمد عبد الله
نبذة عن الكاتب