مغامرات كوكي- ج6-ساعة الصفر

 الجزء السادس - ساعة الصفر                                                    

 سمع العجوز صياح كوكي؛ فعلته الفرحة، وضحك حتى أدمعت عيناه، وما لبث أن قام من فوره ليتوضأ. أيضا؛ سمع كوكي أنين المضخة. معقول! أنصت. استمر الأنين. عجبا! خطا في حذر إلى حافة السطح. أطلّ على الفناء، فأخذته الدهشة:

يا الله! عجوز يتوضأ! فقد سمع صياحي وقام لأداء الصلاة.. وبالتالي فهو صاحب الكوخ! يا لي من ديك محظوظ! أكاد أطير من فرط الفرحة!

أدّى العجوز صلاة العصر، وسبّح لله وحمده على نعمه، وبعدئذ قام ليبحث عن الديك. خرج من غرفته إلى الفناء. رآه كوكا، فاختبأ بينما كان يراقب العجوز، الذي كان يفتش في جنبات الفناء. سأل كوكا نفسه:

عمّ يبحث العجوز؟

وسمع العجوز يقول:

أين أنت عزيزي الديك؟

كم كانت فرحة كوكا وغبطته!:

قال: الديك! إنه يبحث عنى! فلأرفق به.

وسرعان ما قفز كوكا، وحط أمام العجوز، الذي هتف ضاحكا:

أ هو أنت! تعال يا صديقي. إنك صاحبُ فضل، وضيفٌ يجب إكرامه.

لم يصدّق كوكا سمْعَه، لتنتابه الفرحة هاتفا:

فرجت!

وسرعان ما أحضر العجوز وعاءين نظيفين، ووضعهما أمام كوكا قائلا:

كما ترى. وعاء للحَب، وآخر للماء. تفضل يا عزيزي. بالهناءة والشفاء.

وراح كوكا يلتقط الحَب ويرتوي بالماء؛ بينما يُضيف العجوز:

كما تراني. عجوز في الثمانين. ليتك تؤنس وحدتي وتشاركني معيشتي! والأجر والثواب عند الله.

ويطرق كوكا، بينما يضحك العجوز قائلا: ها ها ها! أعرف فيم شردت. لا تخف يا عزيزي، فكيف يذبح الصديق صديقه؟

ويُهفهف كوكا بجناحيه، وأخذ يجرى هنا وهناك؛ معبّرا عن نشوته بين ضحكات العجوز. وما يلبث أن يثب كوكا، ويقف على كتف العجوز الذي يضحك بملء فيه، وقد أدمعت عيناه من فرط السرور.

اطمأن كوكا قلبا وارتاح بالا، وغشيته الفرحة، إذ قضى الله أن يعيش في مسكن مريح، وفي كنف صديق وَفَّى، علاوة على أنه يقوم بعمل نافع. ومع كل ذلك، لم ينس كوكا أمه وإخوته، وقد فاض قلبه شوقا وحنينا:

ترى كيف حال أمي وإخوتي؟

وذات يوم تأجج لهيب الشوق في قلب كوكا، وبلغ مداه:

طال البعاد، ولم أعد أحتمل الفراق، ليتني أعود لقريتي. ولكن، من يوقظ العجوز للصلاة؟ ومن يؤنس وحشته؟! لن أترك العجوز! أجل لن أتركه..

وسرعان ما عدل كوكا عن فكرته، وقرّر ألا يدع صديقه العجوز، وأن يتحلى بالصبر، إلى أن يُقْضَى الله أمرا كان مفعولا.

يوم لن ينساه كوكا؛ إذ صاح للصلاة ذات فجر. انتظر قليلا، ولم يأت إلى سمعه صوت أنين المضخة! صاح ثانية، ولم يصح العجوز. تملكه الفزع، وما لبث أن قفز قفزة رائعة. وقف بباب الغرفة وصدره يعلو ويهبط، وأطل ناحية العجوز، فوجده راقدا. دنا منه، فسمع تأوهاته.. تأمل محياه، الذي علته صُفرة الموتى:

إنه مريض! ماذا أفعل؟ ليتني طبيبا ف.

وقطع العجوز ما يجرى على لسان حال كوكا، هاتفا بصوت واهن:

لا تنزعج يا صديقي، فقد دنا أجلى، وحانت منيّتي والموت حق. وإني أشتاق للقاء ربى. أشهد أنك أوفى الأوفياء و.

وابتسم العجوز ابتسامة أضاءت محيّاه، ونطق بالشهادتين، ثم شهق شهقة الموت، وفارق الحياة. بينما علا كوكا الحزن، ولكنه استسلم لقضاء الله، ودعا له من كل قلبه:

رحمك الله، وعطر ثراك. إلى جنة الخلد يا أعزّ الأصدقاء!

أصبح كوكا وحيدا بعد رحيل العجوز، فلمن يصيح للصلاة؟ عندئذ قرر العودة إلى قريته. ودّع الكوخ؛ حاملا أعز ذكرياته، وطار على جناح السرعة، عائدا إلى مسقط رأسه.. كان يمرق الفضاء صائحا بقلب ملهوف:

أمااه أمااه

ويحط كوكا فوق بيت الدواجن. وما لبث أن أطل من كوّة في السقف. دبّ قلبُه؛ حين رأى طيور البوم:

البوم راقد في بيتنا! يبدو أنها احتلت البيت و. وأين أمي وإخوتي؟! أين البط والإوز؟

طار إلى الناحية المقابلة. ارتعد حين رأى أمه راقدة، ويبدو أنها مريضة، ومن حولها إخوته يعتصرهم الكمد والأسى. انفطر قلبه، وما لبث أن أطلق صياحه:

أماه.

ليستغرب الجميع، بينما تهتف أمه:

كوكا! كووكى ى ى ى ى!

وسرعان ما انطلق إخوته نحوه وفي مقدمتهم كوكو، كما هرول البط والإوز. حين قفز كوكا بينهم، ليستقبلوه جميعا أحرّ استقبال. ثم اندفع كوكا إلى أمه؛ ليعانقها، ويطفئ نار الشوق على صدرها الحنون.

وتحكى الأم ل كوكا؛ ما ألمّ بهم في غيابه، وكيف طردوا من دارهم:

لن ندع أولئك الأشرار. ولنهاجمهم، ولندافع عن بيتنا حتى النصر أو الموت. أخي كوكو. اليد الواحدة لا تصفق. أي: الاتحاد قوة، والتفرق ضعف وخذلان. لا وقت. يجب أن نباغتهم!، ولنركز نقرنا على أعينهم ورؤوسهم. اسمعوني معشر الدواجن. يجب أن ندبر خطة مُحكمة. البومُ لا يُبْصِرُ جيدا بالنهار وهذه نقطة ضعفه التي يجب أن نستغلها. ساعة الصفر منتصف النهار!

ثم هتفوا معا:

النصر لجيش الدواجن.

انتصف النهار. وسرعان ما يهجم جيش الدواجن بقيادة البطل كوكا، الذي يعلو صوته الحماسي:

هجووووم!

ويغيرون على البوم في هجوم مُفاجئ، وسرعان ما تعمل مَنَاقِيرهمَا في رءوسهم وعيونهم، وتستمر عمليات الكرّ والفرّ، ليعلو صراخ البوم، بينما يتخبطون:

أين نحن؟ أين نذهب؟ الدنيا ظلام!

ولا تجد عصابة البوم إلا أن تولى الأدبار؛ بجراحهم وخيبتهم، إلى حيث لا رجعة!، ويعلو صوت كوكو:

إنه ليوم مشهود ولنحتفل بالنصر المبين وبعودة أخي البطل كوكا

ثم يقول كوكو لأخيه البطل:

الأسود أجمل الألوان!

كلا. بل الأبيض!

وتتدخل الأم:

كل الألوان جميلة، والحياة جميلة بالحُب!

وعادت الدجاجة تبيض من جديد، وفقس البيض أفراخا بيضاء وسوداء، ولم تتنافر الأفراخ، ولم تتناحر، فقد تبددت الغيوم، ونزل المطر. حين تنمحي العداوة، تصفو النفوس، وتعود أوتار القلوب؛ لتعزف لحن الحب الخالد.

تمـت بحمد الله

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب