مغامرات كوكي- ج5- وداعا صديقي

 الجزء الخامس-  وَداعا صديقي!            

 منذ رحل كوكا، وصورة أمه لا تفارق مخيلته، وصوتها يتردد في عالمه، ولا ينسى وصاياها التي تنير دروب حياته، ويذكرها دوْما؛ خاصة عند ما يصحو وقت الفجر، وفي المساء عندما يتأهب للنوم.. وفي ليلة نزوله ضيفا على جماعة أبو قردان بيض اللون والقلب.. كان غارقا في نومه، وكأنما سمع نداء أمه:

كوو كي ى ى ى ى!

وما يلبث أن يصحو، والصوت ما زال يرنّ صداه في سمعه، ويذهب بخياله ومشاعره بعيدا بعيدا إلى حيث أمه، ليهتف في لوعة:

أمي الحبيبة! إنها لا تنساني حتى في منامها. لقد فرّق بيننا لونى الأسود، ويعلم الله أنى لستُ ساخطا، ولا حانقا. إنها قسمتي والحقيقة أنني أحب إخوتي، ولكم أشتاق إلى رؤياهم، وكذا البط والإوز، وأمي على الأخص.

يتنهد. أين ذهبت يا كوكا؟!، أفق من أحلامك، فقد حان وقت الصلاة. انهض، ولا تكسل عن أداء واجبك.

وينساب صياح كوكا، الذي يشق صمت السحر، وتستجيب له الديكة من كل حدب وصوب: كوكوكوكووو. كوكوكوكووو!

ويعود كوكا ليحدث نفسه:

ستصحو الطيور البيضاء، وتسعى لعملها؛ فتلتقط دودة الأرض التي

تضرّ بالزرع، وأنا عاطل بلا عمل.

واصطحبهم كوكا في الصباح المبكر، ووقف على رأس الحقل، يرقب اثنين من جماعة أبو قردان: أحدهما ينتزع دودة، والثاني يبتلع أخرى:

يبدو أنه طعام شهي. لم لا أجرّب؛ فقد يصادفني النجاح؟

وبالفعل، ينهض كوكا، ويقفز داخل الأرض، وما يلبث أن يدسّ منقاره في التربة؟، ثم يدسّه مرة أخرى، وكأنه في عراك:

أين أنت أيتها الدودة الماكرة؟

أخفق كوكا، وجرّب مرة ثانية. وأخفق أيضا:

لو كان منقاري طويلا! ثانية! قلنا إنّ لو تفتح عمل الشيطان، والمفروض أن تتمنى أمرا ممكنا وليس مستحيلا. لقد خلقنا الله بهذه الخلقة لجميلة، ولن تستطيل مناقيرنا مهما تمنينا.

ومع ذلك دسّ منقاره. رآه كبير الطيور البيضاء، فاقترب منه، وقال له:

أرفق بنفسك يا كوكا لن تستطيع انتزاع الدودة من الأرض، فإن منقارك قصير!

ورجع أبو قردان ليواصل عمله، وترك كوكا، الذي واصل محاولاته التي باءت جميعا بالفشل، وفوق ذلك، أصابه الإعياء، وعندئذ أقرّ الحقيقة:

عملٌ لا يناسبني. مكاني ليس في الحقول والغيطان، ولكن بين الناس في البيوت. كلًّاًّ مُيسّر لما خلق له! ولأبحث عن عمل آخر.

وعندئذ قرر كوكا الرحيل، والسعي في مكان آخر؛ عله يجد العمل الذي يناسبه، وراح يودّع الطيور الناصعة البياض:

أشكر لكم صنيعكم وحُسن ضيافتكم، وأسألكم الرحيل..

وقال الكبير في تأثر:

يعزّ علينا فراقك. ونأمل زيارتك، لنطمئن على حالك.

وودّعه الجميع وداعا حارّا، وتمنوْا له التوفيق في مستقبل أيامه:

تصحبُك السلامة يا كوو كي ى ى!

ودّعهم كوكا، وفي نفسه تفاؤل، وفي قلبه عزيمة، ناسيا لونه الأسود

الذي لم يكن عائقا ذات مرة، ولم يعرقل مسيرته، أو يسبب له

الإهانة: والأخيرة أهمها.

كان كوكا يحلق في الفضاء، والشفق يلوّن السماء بلون الغروب. وسرعان ما حط في منطقة متطرفة، بعيدا عن البيوت، وانبرى يحدث نفسه في لوعة:

أقبل المساء، ولستُ أدرى أين أبيت ليلتي!

وفي تلك اللحظة، تذكر أمه وإخوته، ولم يكن بوسعه إلا أن يتمنى لهم الخير. وجعل يتلفت من حوله على مدّ بصره. لمح كوخا. يا فرج الله! ماذا تنتظر يا كوكا؟!، ويمرق كوكا كالسهم بينما يصيح:

إلى الكوووخ!

ويحط فوق سطح الكوخ. يصيخ السمع. يبدو أن الكوخ بلا صاحب؛ فمن الذي يسكن في مكان موحش كهذا؟! و. ولكنه مكان آمن على الأقل. استلقى فوق كومة قش، لم ينم، وظل مفتوح العينين، يرقب القمر ونجومه المنتثرة في قبة السماء الصافية. وجعل يستعيد الأحداث منذ رحل عن بيته وقريته:

إن سواد لونى لم يسبب تعطيلي ولم يكن عقبة في سبيلي. أحبتني الديكة البيض، وأبو قردان ناصع البياض. لم يجرح أحد كرامتي.

وصحا كوكا وقت الفجر كعادته: حان وقت الصلاة. ولكن، لمن أصيح والبيوت بعيدة؟. عموما، يجب أن أؤدي واجبي؛ فقد يسمعني خفير، أو فلاح يسقى الزرع، أو.

وانطلق صياحه يبدد السكون ويجلجل في الآفاق:

كوكوكوكووو. كوكوكوكووو!

كان عجوزا يسكن الكوخ، أيقظه صياح كوكا.. انتابته الدهشة. أي ديك في هذه المنطقة المنعزلة؟! مستحيل.. يبدو أنه حلم:

ليتني أحلم كل يوم!

ويستمرّ صياح كوكا:

كوكوكوكووو. كوكوكوكووو!

يا الله! ليس حلما!

فرح العجوز، ونفض عنه الغطاء وقام ليلبى النداء، وكان السهر والسفر قد أضنيا كوكا؛ فسرعان ما استسلم لنوم عميق. وإذا ما فرغ العجوز من الصلاة منشرح النفس مرتاح البال: يا سلام! ما أجمل صلاة الفجر!

وانبرى يسبّح ربه حتى وقت الشروق، ثم يتوكل على الله، ويخرج إلى عمله نشيطا، فيجمع الحطب من الحدائق والحقول، ثم يحمله على كتفه، ويذهب به إلى سوق القرية فيبيعه، ويرزق بثمنه ما يحتاج إليه من غذاء، وثوب يستر جسده.

خرج العجوز من السوق حاملا طعامه، وصلى الظهر بمسجد القرية، ثم استهلّ رحلة العودة

عَوْدٌ إلى كوكا، الذي صحا من نومه، وبطنه تقرقر:

أشعر بالجوع والعطش، فلأبحث عن بعض الحَب والماء.

خطا إلى حافة السطح. أطل على الفناء، وما لبث أن قفز، وجعل يفتش وينقّب. تهلل حين عثر على الحَبّ، وبعض الماء:

يا للحظ! عثرنا على الماء والغذاء! الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا!، ثم طار إلى السطح، واسترخى في ظل السور. عاد العجوز حامدا شاكرا، ويدخل الكوخ:

وما يلبث أن يستريح في غرفته من عناء الرحلة مستلقيا بفراشه.. ويصيح كوكا لصلاة العصر:

كوكوكوكووو. كوكوكوكووو!

ويهتف العجوز في تعجب ودهشة:

صياح وقت العصر!

 تمت

  البقية: العدد التالي     

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب