مغامرات كوكي -ج 4-هجوم البوم

   الجزء الرابع - هُجُومُ البُومُ !

كان حفلَ عُرْسٍ، إذ رأى كوكا ضيوفا كثير يدخلون الدار، واستقبلهم أهلها بالبشاشة والترحيب، وما لبثوا أن أدخلوهم بيت الدواجن، وبعد مدة وجيزة، جاءت ربّة الدار وابنتها، وفي يدها سكينا مسنونا؛ يلمع في ضوء الشمس. آنئذ؛ انزعج كوكا هاتفا في نفسه:

ما الخبر؟ يبدو أن الأمر لا يبشر بالخير!

وتعاونت الأم وابنتها في القبض على الديوك والدجاج، وذبْحها واحدا بعد الآخر، وصاحبنا كوكا يشاهد ما يجرى، وقلبه ينتفض من فرط الخوف. رأى الفتاة تتجه ناحيته:

السكين في انتظارك يا كوكا. ماذا تنتظر؟ حان وقت الفرار.

وما لبث أن رفع كوكا جناحيه، استعدادا للطيران، حتى لا يلقَى مصير أصدقائه، ولكن تحدث المفاجأة، إذ سمع الأم تقول لابنتها:

اُتْرُكْ هذا الأسود. كما أنه ليس ملكنا.

وسرعان ما التقط كوكا واستعاد هدوءه، قائلا في نفسه:

يا كرم الله! لقد أنقذني سواد لونى! ومع ذلك؛ لن أبقى بعد رحيل الأصدقاء. لن أستأذن أحدا هذه المرة!

وفي الصباح المبكر، طار كوكا إلى السور، ومنه إلى الأرض؛ مُودّعا الدار وأهله، واتخذ سبيله إلى رحلة مجهولة، لا يدري عواقبها. ساقته قدماه إلى منطقة صحراوية.. جعل يطير مرة، ويسير أخرى.. تلفت من حوله. الرمال تحيطه كأنه في بحر من الرمال، والشمس تصبّ لظاها فوق رأسه، وقد حلّ به التعب، ولا يجد شجرة على مدّ البصر يحتمى بظلالها:

الشمسُ حارقة. أكاد أن أهلك جوعا وعطشا. الماء أهم. العودة مستحيلة. ماذا أفعل؟

وقف كوكا يفكر. سأل نفسه: هل يعود من حيث أتى؟ كلا. لن يعود إلى الوراء، وليتجمّل بالصبر، ويتشبث بخيوط الأمل. ما أحلى الأمل!:

ماذا؟ نسمة تأتى من الشمال! الخير ناحية الشمال، والشمال عكس الجنوب. إلى الخير! أقصد إلى الشمال!

وانطلق كوكا، يسير تارة، ويطير تارة أخرى. تتراءى له مساحات

خضراء تتخللها خيوط بيضاء، لا بد أنها جداول مياه.. يا فرج الله! أسرع في سيره وطيرانه. اندفع إلى الماء. شرب حتى ارتوى، والتقط بعض الحَب.

رفع رأسه؛ فرأى فلاحا مشمّرا عن ساعديه، يضرب الأرض بفأسه وبالقرب منه جماعة أبو قردان أو مالك الحزين. ذلك الطائر الوديع، ناصع البياض، فهما صديقان متعاونان منذ زمن بعيد. يلمح دودة أرضية، يلتقطها بمنقاره ويبتلعها. طعام شهي لديدان تفسد الزرع! سبحان الله! كما رأى فلاحا آخر، يسقى زرعه، ومن حوله الطيور الوادعة تقوم بمهمتها.. جعل كوكا يتأمل أجزاء الطبيعة الساحرة، ولا يشعر بمرور الوقت.

زحفت الشمس ناحية الغرب. توقف الفلاحون عن العمل إيذانا بالعودة، بعد نهار من العمل الشاق. لقد ارتبطت حياة الفلاح بالشمس، يعمل قبل شروقها، ويتوقف قبل الغروب. وتجمعت الطيور الناصعة البياض، وها هي تستعد للعودة، وصاحبنا كوكا بلا هدف: لا يعرف إلى أين يذهب! ولستر الله؛ يلمحه أحد الطيور، يبدو أنه كبيرهم، فما لبث أن اقترب منه، وبادره قائلا:

تبدو غريبا ضلّ الطريق. اصطحبنا للمبيت، ونعرف حكايتك في الغد القريب.

ومشى كوكا بين الطيور البيضاء؛ التي كانت ترمقه بإعجاب. ولم يبت فوق الشجرة، ولكنه بات فوق سطح عشة وكالعادة تذكر أمه:

فاض الشوْقُ إليك يا أمي. لستُ أنساك في كل ساعات يومي. تُصبحين على خير.

ورغم تعب كوكا؛ إلا أنه لم يكسل، وصاح لصلاة الفجر:

كوكوكوكووو. كوكوكوكووو!

أشرق الصبحُ، وفي الطريق إلى الحقل، تجاذب كوكا الحديث مع كبير الطيور البيضاء، وحكى حكايته، منذ أن نقر البيضة، وحتى لقائهما بالأمس. ويطيّب الكبير خاطره، قائلا في تعقل وحكمة:

أسود. أبيض. أحمر. الألوان كلها سواسية ولا فرق بينها، المهم: التمسك بالسلوك الطيبة والأخلاق الحسنة. لا تحزن يا صديقي.. وعموما؛ الأسود لون حدقة العين، ولولاها ما رأينا الحياة. وعلى كل، فقد حللت علينا أخا كريما، وصديقا عزيزا.

عَوْدٌ إلى بيت الدواجن، حيث توقف النزاع والعراك، منذ رحيل كوكا، ووداعه لأمه، وبيته، وقريته.. وبمرور الأيام؛ نسيه الجميع؛ عدا أمه، فلم تبرح صورته خيالها، ولم تتوقف عن الدعاء له بالنجاح في سعيه، والتوفيق في غربته. وذات مساء تجتمع عصابة البوم الشرسة، وتدبّر لشنّ هجوم على الدواجن الآمنة، وفي نهاية الاجتماع، يهتف زعيمهم بصوته الأجش:

الليلة موعدنا لاقتحام بيت الدواجن واحتلاله، بعد أن نلقنهم درسا.

سمعا وطاعة يا زعيم..

وتغرب الشمس، ويُقبل المساء، وينطلق سرب البوم خلف زعيمهم، إلى حيث الدواجن الطيبة، وعندما يبلغوا بيت الدواجن، يعلو صوت الزعيم:

هجوووووووم!

تفاجأ الدواجن بإغارة البوم وهجومهم، ليُوسِعُوهُم خمشا ونقرا بين الصياح والصراخ:

رأسي عيني! عرفي!

الحقونا النجدة! أنقذونا!

وهكذا تُجبر الدواجن على الهروب إلى الفناء، وسرعان ما ينزوُون جميعا في أحد أركانه، ومكثوا في ذهولهم، وقد أفعم قلوبهم الذعر من هول المفاجأة. وعلت أصوات البوم الساخرة:

ما أضعفهم رغم ضخامتهم

أجسام البغال وأحلام العصافير!

بُلهاء! حمقى! أغبياء!

ويضجّون بالضحك:

باو باو بااو باو باو بااو باو باو بااو

ويتخذ الزعيم ذو الصوت الأجشّ قرارا:

لن نغادر هذا البيت؛ فما أجمله!، وما أفسحه!

وتضيف بومة:

وما أكثر خيراته! باو باو بااو

وهكذا احتلت عصابة البوم بيت الدواجن المسكينة، وتأكد لهم أنهم طردوا من دارهم، وراحت الدواجن تتباكى:

أصبحنا مشرّدين في العراء، بلا مأوى.

ولا بيت يقينا حرّ الصيف وبرد الشتاء.

وكان كوكو يعاني من آلامه:

آه! رأسي تؤلمني وعرفي.

وتعبّر الدجاجة، وقد ملأها اليأس:

لا تبك يا كوكو. لعنة الله على البوم.

وفي تلك اللحظة، يطوف كوكا بمخيلة الأم؛ لتهتف في لوعة:

ترى أين أنت يا كوكا؟

ويردد كوكو في تعجب ودهشة:

كوكا!

وتواصل الدجاجة:

أين أنت يا صغيرة الحبيب؟ كوكا. كوو كي ى ى ى! كوكا. كوو كي ى ى ى!

    تمت 

البقية: العدد التالي الجزء الخامس

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب