مغامرات كوكي..ج2 فرخ أسود.. يا خبر !

فقس البيض كله عدا بيضة! ما السبب يا تُرى؟ الدجاجة الأم؛ تنازعها مشاعر الفرحة والحزن!؛ فبقدر فرحتها بأفراخها؛ بقدر حزنها على البيضة التي لم تفقس. وراحت تحدث نفسها:

لقد رقدتُ على البيض، وأدفأتُهُ، واعتنيتُ به كما يجب. لم أهملْ أو أتهاونْ على مدى ثلاثة أسابيع.. أسألك اللهم الصبر على البلاء، فلأدفئها يوما آخر، أو يومين.

لم تضيّع الدجاجة الوقت، وسرعان ما رقدت على البيضة الوحيدة، وفي الوقت نفسه، قرّر الفرخ ألا ينقر البيضة، ويظل بداخلها!، ولم يمض يوما أو بعض يوم، ليَعدِلَ عن قراره:

كم أنعمُ بالدفء و ولكني كبَرتُ، وضاقت عَلَى البيضة بما رحُبت، وَأَكَاد أختنق، فلأنقرها وأخرج، فكم أشتاق لرؤية أمي وإخوتي.

ويعجل الفرخ بنقر البيضة، ويخرج إلى الحياة:

أمي. أميها أندا!

وما أن يقع عليه بصر الأم، لتشهق:

يا خبر! فرخ أسود. وإخوته بيضُ اللون؟ يا الله! ولكنه جميل كإخوته!

تعجبت الأم لا لشيء إلا لأنه سيكون مُلفتا للنظر، فهو الوحيد الذي يحمل لونا مختلفا عن إخوته، وفي الوقت نفسه؛ لم تسخط أو تعترض، ورضيت بقضاء الله، وشكرته على نعمه، واختارت له اسم كوكا. وقد لفت نظرها حيويته، ورشاقته، وخفة ظله. وأخذت ترقبه، وهو ينقر الحَب بسرعة فائقة وما يلبث أن ينطلق نحو إخوته، الذين ما أن أبصروا به ليبتعدوا عنه صائحين:

كوكو: لا تقترب منا!

فرخ: إننا نخاف منك!

آخر: ابتعد.. ابتعد!

وقف كوكا يتأملهم مستغربا.. اقترب في حرص، ولكن كوكو

لم يُمهلْهُ، فهجم عليه، وأوسعه نقرا بين صراخ كوكا وذهوله، وسرعان ما تنطلق الأم، وتفضّ الاشتباك، ثم تنهر كوكو على فعلته. في الوقت نفسه؛ لم يجد كوكا إلا أن ينزوي في أحد الأركان، وهو في حيرة من أمره، وسؤال يلحّ عليه:

لماذا انقض عليه كوكو؟!

وفي اليوم التالي، يتقدم كوكا إلى أخيه كوكو، ويسأله عن سبب اعتدائه عليه، فيجيب قائلا في حنق:

لأنك أسود.

أسود! أ لستُ أبيضَ مثلكم؟!

ألا تصدّق؟ 

اتبعني إلى أين؟! وقصد كوكو إناء الماء، ومن خلفه كوكا والإخوة وبعض صغار البط والإوز، ووقفا على حافته، قائلا في ثقة: انظر إلى صورتك لترى الحقيقة! وينظر كوكا إلى صورتيهما بصفحة الماء؛ هاتفا في استغراب: فعلا. لونك أبيض، ولونى أسود! و.

ولا كلمة! ولتبتعد حالا!

وانبرى كوكا يدافع عن نفسه:

وما ذنبي؟ إنني لم أتخيّر لوني!

ألا تكفّ عن الجدال؟ تعال!

يراوغه كوكا، ويستطيع أن يُفلتَ قبل أن يهجم عليه، وما لبث أن أطلق ساقيه للريح. لم يدعه كوكو، فانطلق وراءه، وبعض الأفراخ، بينما علا صياح كوكا:

أمي! النجدة! النجدة! أمي!

تسمع أمه استغاثته، فتنقذه في الوقت المناسب. وكانت هذه الواقعة بمثابة جرس إنذار للدجاجة الأم، بما يُوجب أن تعالج الأمر بلباقة وحكمة، قائلة ل كوكا:

لا تخف يا كوكا. إنك لطيف وجميل كإخوتك.

ويقول كوكو مُعترضا:

كيف يكون لطيفا ولونه ليس أبيض مثلنا؟!

ويُضيف فرخ:

وكيف يكون جميلا ولونه أسود؟!

تفكر الدجاجة قليلا، تم توجّه الكلام ل كوكو وإخوته:

أ تعرف يا كوكو: الليل أجمل أم النهار؟

وعبّر كل عن رأيه بدءا ب كوكو:

النهار أجمل بشمسه التي تنير الدنيا.

وفي النهار نأكل ونلعب ونمرح.. وتسعى الأحياء جميعا لرزقها.

وتوضح الأم مستطردة:

والليل أيضا جميل بقمره ونجومه وسكونه، فتخلد الأحياء للنوم والراحة، لتستقبل يومها الجديد في نشاط.. اليوم نصفه نهار: أبيض جميل، ونصفه الآخر: ليل أسود جميل. ولولا النهار ما كان الليل ولا عرفناه، ولولا الليل ما كان النهار ولا عرفناه. الليل والنهار أخوَان لا يفترقان ولا يتخاصمان.. كوكا أخوكم ويحبكم جميعا، والإخوة لا تتخاصم ولا تتعارك، ويعيشون معا في حب ووئام وأمان.

كانت أصص الورد والأزهار؛ فوق السور المجاور، فسعت نحوها، والصغار من خلفها، وواصلت الدجاجة حديثها:

تأملوا الوردة الحمراء، والفلة البيضاء، والنرجس، والبنفسج، والقرنفل.. ألوان عديدة وجميلة، وتعيش جميعا في حب وسعادة.. ويجب ألا يفترق الإخوة لأي سبب، ولتتحدوا وتتعاونوا لكي يحترمكم الجميع، ويحسب لكم ألف حساب.

لم يستوعب الصغار كلام الأم؛ خاصة كوكو المتمرد العنيد، وفي غفلة الأم؛ لم يَسْلمْ كوكا من مضايقاتهم:

ابتعد أيها الأسود!

لا تقترب وإلا أوسعناك نقرا.

ويستنكر كوكا سلوكهم وتصرفاتهم، بعد نصائح الأم:

مستحيل! لا أصدّق!

وتشجّع صغار البط والإوز وأصبحوا وأمسوا يطاردونه في كل مكان:

انتظر أيها الأسود!

توقف أيها الأسود!

وربّة الدار أيضا، لم يسلم من لسانها وركلاتها كلما صادفته:

ابتعد أيها الأسود الكئيب!

مذلة، وإهانات، وإهدار كرامة من الجميع، ويحدث كوكا نفسه:

وما ذنبي؟ إنني لم أخلق نفسي، وإخوتي أيضا. ولم يتخيروا لونهم الأبيض. الله وحده خالق الأحياء جميعا، وخالق الكون.. هكذا خلقني الله، ولا عيب في خلقي، ولا كآبة في لوني، وما ذنب المسكينة أمي، لكي تتألم من أجلي؟!

ويتخذ كوكا قراره بأن يحتمل إيذاء إخوته والآخرين، وألا يشكو لأمه؛ كي لا يسبب لها الحزن.. ويحاول أن يتفادى الجميع، وينأى بنفسه عنهم:

سأنزوي بعيدا، وأعيش وحيدا دون أخ أو صديق. إنه قدري ولا مفرّ. لن يستمر الكرب طويلا، ولأصبر على بلواي، وسيأتي الله بالفرج.

ثم تتألق عيناه ببريق عجيب، مستطردا:

غدا أكبر ويقوَى جناحاي، ويتبدل الشعر الأسود ريشا.. عندئذ يتوقف عذابي

نعم. سيتوقف عذابي للأبد!

البقية: العدد القادم

 

بقلم الكاتب



ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب