درج الباحثون والإخصائيون على استخدام تعبير «الصحة الجسمية» للدلالة على خُلو الجسم من الأمراض، والتوافق والتعاون بين وظائفه، مع القدرة على مواجهة الصعوبات العادية الطبيعية والبشرية المحيطة به.
كذلك درج الباحثون والإخصائيون حديثًا على استخدام تعبير «الصحة النفسية» أو «العقلية» للدلالة على خلو المرء من الصراع الداخلي، والقدرة على مواجهة الأزمات النفسية العادية، وعلى التوافق والتكامل بين الوظائف النفسية المختلفة.
ولقد آن لنا أن نستخدم تعبيرًا جديدًا، يُعد مدلوله أو محتواه من «الصحة الجسمية» و«الصحة النفسية» بمثابة «الرحم» أو «المنبت» الذي يتم فيه تشكيلهما وطبعهما وتحديدهما ونموهما، وهذا التعبير الجديد هو «الصحة الثقافية».
معنى «الصحة الثقافية»
يمكن تعريف «الصحة الثقافية» بأنها:
- حيوية ثقافة من الثقافات، وغناها بعناصرها، وقدرتها على الابتكار.
- والتماسك والتكامل بين عناصر هذه الثقافة وجوانبها المختلفة.
- والموازنة بين أحسن ما في القديم فيها وأنفع ما في الجديد النابع منها أو الوارد إليها.
- ومرونتها وتكيفها الدينامي وفق العوامل الداخلية والخارجية التي تؤثر فيها وتتأثر بها.
- وقدرتها على التفاعل الإيجابي مع غيرها من الثقافات على نحو ينمي شخصيتها المتميزة.
- وانطلاقها الموجه في زمانها ومكانها وفق مجموعة من المبادئ والقيم المتجددة والمتسقة، ونحو صورة (يوتوبية) قائمة على تنبؤ وتقدير سليمين للمستقبل.
- وإشعاعها على غيرها من الثقافات، على اعتبار أن ذلك جزء من الرسالة الإنسانية التي يجب أن تنهض بها.
معنى الثقافة
«طريقة معيشة مجتمع من المجتمعات بما فيها من أفكار، وقيم، ومعتقدات، واتجاهات، ونظم، وأساليب تفكير، وعادات وتقاليد وأدوات. وهي تصدق بهذا على كل النواحي السياسية والاجتماعية والاقتصادية وكل ما أنتجته يد الإنسان وعقله ووجدانه».

صحة المجتمع الثقافية
ولما كانت الثقافة لا تعيش قائمة بذاتها، وإنما يتصل كيانها على الدوام بمجتمع من المجتمعات، فإن مظاهر «الصحة الثقافية» من حيوية وغنى، وتكامل، وتوازن، ومرونة وتكيف، وقدرة على التفاعل الإيجابي، والانطلاق الموجه، والإشعاع، كل هذا يمكن التعرف عليه من واقع حياة المجتمع وسلوك أفراده، وعلاقاتهم بعضهم مع بعض، ومع غيرهم من أفراد المجتمعات الأخرى.
فإذا كان المجتمع غنيًّا بتراثه، وثروته المادية، وأفراده المتعلمين القادرين على النمو إلى أقصى درجة ممكنة وعلى التفكير الحر وعلى العمل والإنتاج في شتى الميادين.
وإذا كان المجتمع متماسكًا بهؤلاء الأفراد الذين يتقاسمون خبرة مشتركة وتتسع بينهم دائرة المصالح المشتركة، ويعملون في توافق وانسجام وتعاون، وذلك في جو تقل فيه الفوارق المالية وتخف فيه حدة التمييز بسبب الجنس أو الدين أو العنصر، ويتضاءل فيه الطمع والاستغلال والانتهازية والأنانية.
وإذا كان المجتمع بأفعاله معبرًا عن أقواله وقيمه، جادًّا في تحقيق أمانيه المعقولة، بحيث لا تتسع فيه الهوة بين الكلام والعمل، ولا يعبر سلوكه عن ثنائية أو تناقض بين النظر والتطبيق.
وإذا كان المجتمع بأفراده ومؤسساته وتنظيماته، قادرًا على تحديد مشكلاته والتفكير في حلها بأسلوب التفاهم والمناقشة والتدارس العلمي، وإيجابيًّا على أوسع نطاق نحو هذا الحل.
وإذا كان المجتمع قادرًا على أن ينظر إلى نفسه ومَن حوله نظرة ناقدة بنَّاءة تؤدي به إلى تهذيب تراثه، والانتقاء من بين عناصره، والسعي وراء التجديد، وفق حاجاته ومطالبه.
إذا كان المجتمع كذلك قيل إنه صحيح ثقافيًّا، وبقدر تشبعه بهذه العوامل أو المظاهر مجتمعة تكون درجة صحته الثقافية.
نسبية الصحة الثقافية
غير أنه ينبغي ألا يُفهم من هذا أن الصحة الثقافية لها مستوى عام ثابت مقنن يمكن على أساسه ترتيب المجتمعات الإنسانية في درجات يعلو بعضها فوق بعض، فكل مجتمع من مجتمعات العالم له في جملته شخصية فريدة، وصحته الثقافية ينبغي أن يُنظر إليها أولًا من هذا «البعد الذاتي»، دون إغفال في الوقت نفسه الأبعاد الأخرى وهي: «البعد النسبي» الذي يتمثل في مكان المجتمع من المجتمعات الأخرى وتأثيره فيها وتأثره بها، و«البعد الزماني» الذي يتمثل في فعل الزمن في المجتمع وفي غيره من المجتمعات، وما يترتب على ذلك من تغير في الأوضاع إلى الحد الذي يجعل ما قد يبدو صحيحًا لمجتمع ما اليوم غير ذلك غدًا. هذا فضلًا عن أن مواصفات الصحة الثقافية مثلها مثل مواصفات كل المفاهيم الأخرى تتغير من وقت إلى آخر. فلو أنه وُجد من تحدَّث عن الصحة الثقافية منذ قرن مثلًا ما كان يُنظر إليها بالتحديد والتقدير والمواصفات نفسها التي نحاول أن ننظر بها اليوم. بل إن من يتناول هذا الموضوع بعد اكتشاف الإنسان، عن طريق العلم، للعوالم الأخرى، وبعد غزوه الفضاء وغيره من الآفاق المجهولة بالنسبة له سوف يقدِّر ولا شك الصحة الثقافية بموازين غير التي نحاول تحديدها.
وينبغي ألا يُفهم من محاولة تحديدنا لمظاهر الصحة الثقافية، أن هذه الصحة لها مقياس أو مقاييس دقيقة موضوعية، يمكن أن نقيسها بها بالدقة، والبساطة، والثقة نفسها التي نقيس بها صحة الجسم مثلًا.
فالمجتمع، وإن كان يُشبَّه بالجسم، في بعض الأحوال، لكنه يختلف عنه في نواحٍ كثيرة، أهمها أن المجتمع في واقعه عبارة عن مجموعة من المجتمعات والمؤسسات والتنظيمات، التي تتفاوت في حجمها، ووظائفها، ودرجة نضجها وتكافلها، وهو أيضًا مجموعة من العلاقات المرئية وغير المرئية، المتداخلة والمتشابكة، في أبعاد مختلفة يصعب سبر نموها، ووزنها بميزان واحد. ومن ثم كان تقديرنا لمجتمع من المجتمعات.

وكون الفرد وحدة المجتمع في النهاية يجعل من الممكن قياس الصحة الثقافية في الإطار «النسبي الفلسفي». فما الفرد إلا المجتمع بثقافته، مجزأ في وحدة متفردة غير منفصلة عن التشكيلات الاجتماعية (من أسرة وجماعة رفاق ومؤسسة عمل... إلخ).
وينبغي لنا عند قياس الصحة الثقافية، أن ننظر إلى هذا الفرد في أكبر تشكيلة ممكنة.
الصحة الثقافية والصحة النفسية
إن الصحة الثقافية فيها شمول، وفيها اعتبار لأكبر قدر من الأفراد والعلاقات والعوامل والمتغيرات، في قطاع العموميات والخصوصيات على السواء. وتحقيقها من أجل ذلك، يحتاج إلى مجهود جماعي على أوسع نطاق.
أما الصحة النفسية، فتنصبُّ على الفرد في حد ذاته، وإن لم تنكر علاقته بغيره؛ لأنه لا فرد بدون علاقة مع غيره.
ثم إن الصحة الثقافية ضمان لتحقيق الصحة النفسية للأفراد، وليس العكس بالضرورة صحيحًا؛ فقد تحكم على الفرد بأنه صحيح نفسيًّا، وقد يبدو فعلًا، دون أن يدل على صحة مجتمعه الثقافية. فمجرد تكيف الفرد مع نفسه ومع غيره، على النحو الذي يمكِّنه من إشباع حاجاته، وشعوره بالطمأنينة والسعادة، يمكن أن يتخذ دليلًا على الصحة النفسية. وإذا نظرنا إلى هذا الفرد وإلى غيره من الأفراد، وجدنا أنهم على حظ محدود من الصحة الثقافية وفق المعايير العامة.
وفي الوقت نفسه قد نجد من الأفراد من يبدو أنه غير صحيح نفسيًّا، لا يشعر بالارتياح لعلاقات الناس بعضهم مع بعض، ولا يجد سهولة في التكيف؛ لأنه لا يقنع بالمستوى الذي يتكيف عليه الناس، ويقضي معظم حياته حائرًا، داعيًا للإصلاح.
والعجيب أن عيوب المجتمع وأمراضه الثقافية قد تكتسب -بحكم شيوعها وطول بقائها- حصانة تُعمي الناس عنها، وتجعل أغلبهم يتقبلونها خلفًا عن سلف، دون أن ينقص ذلك من قيمتهم في المجتمع، أو يُعد شذوذًا فيهم بصفتهم أفرادًا في هذا المجتمع. وفي الوقت الذي تستطيع فيه الثقافة السائدة أن تحمي حالة النقص على هذا النحو في الأفراد، وتدافع عنها، تجدها ترمي أفرادًا آخرين بالشذوذ لأنهم يعترضون على بعض مظاهر هذه الثقافة، ويسلكون سبيلًا يسعى إلى التغيير فيها.
من الذي يشخِّص الصحة الثقافية؟
إذا كان المجتمع في بعض الأحوال -والبعض قد يعني الكثرة- يصعب عليه تشخيص أحواله الثقافية، وأمراضه الاجتماعية، فمن ذا الذي يحكم على صحته الثقافية؟ هل يترك ذلك لمجتمع آخر على نحو ما يفعل الإنسان مع أخيه الإنسان في مجال الصحة الجسمية؟
لا شك أن لأحكام الغير وآرائهم وزنًا في الحكم على الصحة الثقافية لمجتمع من المجتمعات، ولا شك أن المقارنة تؤدي إلى استجلاء بعض جوانب الثقافة، وأن الاحتكاك الثقافي يولد مزيدًا من البصر بالأوضاع الثقافية من جانب الثقافات التي يحدث الاحتكاك بينها. لكن تشخيص الحالة الثقافية لمجتمع من المجتمعات، لا يمكن أن يتم على الوجه السليم، ولا يمكن أن يفيد بوصفه خطوة للعلاج والإصلاح، إلا إذا نظر المجتمع، بأفراده ومؤسساته وإدارته، إلى نفسه، وحاول أن يشخص أحواله تشخيصًا موضوعيًّا. والمجتمع طبيب نفسه، ولا يمكن أن يعالجه خارج عنه.
وعملية تشخيص المجتمع لأحواله الثقافية، بطريقة موضوعية يمكن أن يقوم بها المجتمع بوحداته، ومؤسساته، وتنظيماته المختلفة، عن طريق المناقشة، والبحث، وتوفر الجو الملائم من الحرية. وهذا المستوى من التشخيص يمثل أعلى المستويات، بل هو في الواقع «يوتوبية»، تسعى المجتمعات الديموقراطية إلى تحقيقها. وهي لم تتحقق بعد، حتى في المجتمعات التي يُقال إنها خطت خطوات كبيرة في طريق الديموقراطية «السياسية». فضغط مطالب الحياة على الأفراد، وجريهم وراء الرزق، وأثر الجماعات الضاغطة، وتسلط الأيديولوجية الرأسمالية وتحكم أصحابها في معاش الناس وغذائهم الفكري، وعدم كفاية المستوى التعليمي بالنسبة لكثير من الأفراد، كل هذا يجعل عملية اشتراك أكبر قدر من أفراد تلك المجتمعات في تشخيص صحتها الثقافية أمرًا في غاية الأهمية.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أدى النقص في أدوات القياس الاجتماعي، وحداثة ظهور العلوم الاجتماعية، وتعقُّد المجال الذي تعمل فيه على النحو الذي يجعل تقدمها يبدو وكأنه بطيء بالقياس إلى تقدم العلوم الطبيعية والرياضية في الجمال المادي، كل هذا أدى إلى صعوبة التشخيص في مجال الصحة الثقافية. وإذا كان «غاغارين» استطاع أن يرقب الأرض من الفضاء ويشخص بعض معالمها ويشهد قارات بأكملها أو أجزاء كبيرة منها، بفضل تقدم العلوم الطبيعية، فإن المجتمعات الإنسانية في شديد الحاجة إلى ثورة في العلوم الاجتماعية تمكِّن الإنسان من تشخيص هذه المجتمعات تشخيصًا شاملًا موضوعيًّا.
ويتضح أن تشخيص المجتمعات لأحوالها قد جاء على يد فرد أو حفنة من الأفراد منها، وهؤلاء الأفراد أوتوا من الحساسية الاجتماعية، ومن نفاذ البصر، وعمق التفكير، وسلامة الرأي، والاستعداد للتضحية، ومن السمو، ما جعلهم يرتقون عن مستوى مجتمعاتهم، دون أن يفقدوا الحساسية والاستجابة لها، فيرونها في صورتها الكلية، ولو بمقدار، ويحددون مواطن العلة والداء، ويفطنون إلى نواحي القوة، ويرسمون خطط العلاج.
وعرف هؤلاء الأفراد بتسميات منها: الحكماء، والفلاسفة، والعلماء، والأساتذة والمعلمون، والحكام المستنيرون، والمصلحون الاجتماعيون. واختلف هؤلاء الأفراد في النقاط التي بدءوا منها النظر والتفكير، والمطالبة بالإصلاح . فمنهم من دخل دراسة المجتمع من زاوية الدين، ومنهم من بدأ بالعدل والسياسة، ومنهم من جعل الاقتصاد نقطة البداية.
ومهما يكن الأمر فإن جدوى أفكارهم وقيمتها وفاعليتها في الإصلاح، كانت تتوقف على درجة شمول نظرتهم إلى المجتمع في النهاية، وعلى مدى عمق هذه النظرة، ثم على مدى استمرار هذه النظرة في المجتمع، وهو ما يوفره تتابع أكثر من جيل من المفكرين أو الفلاسفة الذين يكمل بعضهم تفكير البعض الآخر.
كذلك اختلف هؤلاء الأفراد في طريقة إيصالهم لانطباعاتهم وأحاسيسهم وأفكارهم إلى أبناء المجتمع، وفي درجة توعية هؤلاء الأبناء بها، وعلى أساس هذه الطريقة والدرجة كان يتقرر مصير الإصلاح. فمن المصلحين من كانت أداته الكلام والمحاضرات، ووسيلته نشر أفكاره بين تلاميذه (كما فعل سقراط)، ومنهم من سجَّل أفكاره كتابةً لتُنشر بين الناس (كما يتمثل في محاورات أفلاطون، وكتابات روسو وكارل ماركس، والشيخ محمد عبده)، ومنهم من وجد أن هذا كله لا يكفي، خصوصًا إذا كانت وسائل النشر والاتصال الحديث من صحف ومجلات وكتب وإذاعة، تسيطر عليها قوى الرجعية.

مظاهر سوء الصحة الثقافية في مجتمعنا
عبَّر سوء الصحة الثقافية في مجتمعنا عن نفسه، في وجود ثنائيات ومتناقضات صارخة في المجتمع، نذكر منها على سبيل المثال:
- وجود القديم والجديد جنبًا إلى جنب، ومعيشة أكثر من جيل ثقافي واحد في وقت واحد ومكان واحد.
- التفاوت الكبير بين الريف والمدن، بل بين أحياء المدينة الواحدة.
- الفوارق الاجتماعية والمادية الكبيرة بين الأفراد.
- انتشار الأمية بين سواد الشعب، وضيق فرص التعليم، واقتصار التعليم الثانوي والعالي على قلة تتسع المسافة الثقافية بينها وبين الغالبية العظمى من أبناء المجتمع.
- البُعد الكبير بين الواقع ممثلًا في سلوك الناس وأفعالهم، وبين النظر فيما يجري على ألسنتهم، وفيما يحفظه تراثهم من روحانية قيمة في الكتب.
التربية والصحة الثقافية
لسنا في حاجة إلى أن نناقش أو نؤكد أهمية التربية في تجديد المجتمع وتحقيق صحته الثقافية. إنما الذي ينبغي أن نناقشه وأن نؤكده هو نوع التربية التي تحقق هذا التجديد، وهذه الصحة الثقافية. فالعبرة ليست في أن نقدم تعليمًا أيًّا كان نوعه، وكيفما كان قدره، وإنما بأن نقدم هذا التعليم مشروطًا بشروط معينة، تحدد كمه ونوعه، ومنهجه، ووجهته ووظيفته، حتى يصبح قادرًا بالفعل على إحداث التجديد المنشود. فالتعليم لا يمكن أن يكون قوة فعالة في التجديد الثقافي إلا إذا تركزت الجهود لتجديده هو بالفعل.
ولئن كانت الدول المتقدمة، التي قطعت شوطًا كبيرًا في طريق النهوض قد نظرت إلى التعليم على أنه أداة من أدوات التجديد، وأعادت النظر فيه على نحو يمكنه من أن يكون كذلك، فإن الدول حديثة النمو أشد حاجة إلى هذا النظر وإعادة النظر إذا أرادت بالفعل أن تخطو خطوات واسعة إلى الأمام تعوضها -ولو إلى حد ما- ما فاتها في ظل الاستعمار، والاستبداد، والاستغلال، والاضطراب.
ولكي يكون التعليم أداة من أدوات التجديد، وعاملًا فعالًا في تحقيق الصحة الثقافية، لا بد له أولًا أن يتحقق فيه شرط الاتساع، بحيث يتناول كل فرد من أبناء الشعب، ولا بد أن يقترن شرط الاتساع بشرط الكفاية في طول التعليم أو مدته.
البُعد الثالث.. عمق التعليم وجودته
أما البعد الثالث فيتصل بتوجيه التعليم للاضطلاع بدوره في رفع مستوى البيئة بطريق مباشر، إذ ليس يكفي في عصر يحدث فيه التغير بخطى سريعة، وعلى نطاق واسع لم يسبق له مثيل، أن تكون وظيفة المدرسة مجرد إعداد أجيال المستقبل، وإنما ينبغي أن تتسع وظيفة المدرسة بحيث تتضمن إعادة تربية الكبار، وإعادة توجيههم على نحو يجدد قيمهم وأفكارهم، ومعتقداتهم، وفق الفلسفة التي ننشدها ووفق مطالب العصر العلمية والتكنولوجية.

عامل رابع أساسي في جعل التعليم أداة فعالة من أدوات التجديد والصحة الثقافية وهو المعلم الصالح الكفء. وشرط الكفاية والصلاحية في المعلم أن يكون على حظ من التعليم يقابل حرج المرحلة التي يعيشها الإنسان في القرن الحادي والعشرين، وخطورة المهمة الملقاة على عاتق التربية في التوجيه الاجتماعي والتجديد الثقافي، هذا فضلًا عن المطالب الاستثنائية الفريدة التي تخص مجتمعنا العربي بالذات.
ويتصل بشرط كفاية المدرس وما ينبغي أن يقابلها من تقدير له شرط آخر هو توافر الإدارة المدرسية الواعية الإيجابية الفعالة. ولكي تكون الإدارة المدرسية واعية لا بد للقائمين عليها من الإلمام بمشكلات مجتمعهم، وأهدافه، وظروف بيئاتهم، مثل إلمامهم بمبادئ الإدارة وإتقانهم لمهاراتها الفنية والإنسانية في إطار ديموقراطي تعاوني، ووعيهم في كل الأحوال بأن الإدارة المدرسية ليست سوى وسيلة لتحقيق أهداف التعليم وترجمة فلسفته. وإذا كانت هذه الوسيلة تتشكل بالأهداف والفلسفة فإنها من ناحيتها تؤثر في صدق تحقيق هذه الأهداف وترجمة هذه الفلسفة.
ولكي تكون الإدارة المدرسية فعالة لا بد أن يتوافر لها على مستوى المدرسة على وجه الخصوص القدر الكافي من الحرية والتصرف والإمكانيات حتى يمكن للمدرسة أن تكون بالفعل قوة تغير في الصغار والكبار، وتؤدي دورها بتغييرها هؤلاء الصغار والكبار في تغيير البيئة ذاتها. وينبغي أن يلاحظ أن الحرية والسلطة الكافيتين ينبغي أن يقابلهما شرط الكفاية والوعي.
والخلاصة أن الصحة الثقافية لمجتمعنا رهن إلى حد كبير بالصحة التعليمية، إن صح هذا التعبير. وهذه الصحة لا تكون بمجرد زيادة سنة في مدة الإلزام، أو تعديل شروط القبول في مرحلة من المراحل أو إطالة مدة إعادة المعلم بمقدار، أو إضافة مادة جديدة أو جزء من مادة وحذف أخرى في المنهج، أو إعادة النظر في خطة الدراسة، وتوزيع حصص الأسبوع،... إلخ.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.