تولى الخلافة بعد أخيه يزيد الثالث في شهر ذي الحجة من سنة 126هـ / 745م، لكن لم يعترف أحد بسلطانه خارج العاصمة، ولم يتم له الأمر، فكان يُسلَّم عليه تارة بالخلافة وتارة بالإمارة، ولم يبقَ في الحكم سوى سبعين يومًا.
لذا لم يعُدُّه المؤرخون من جملة الخلفاء، ويقول المسعودي إنه مكث في الخلافة أربعة أشهر ثم خُلع، ثم إن المسعودي لم يدرجه في لائحة الخلفاء؛ لأن المدة التي حكم فيها لم تكن كافية لتمييزها عن مدد الخلفاء الآخرين.
المبحث الثاني
أقرأ أيضاً أحمد شوقي ( 1870 – 1932 م ) أمير شعراء العصر الحديث
خلافة مروان بن محمد
هو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم الملقب بشيخ بني أمية وكبيرهم، كان والده أحد إخوة الخليفة عبد الملك بن مروان، وأميرًا على أرض الجزيرة وأرمينية سنين كثيرة، وكان يقود الحرب ضد الروم، وأبوه هو الذي قتل مصعب بن الزبير في العراق في عهد أخيه عبد الملك بن مروان.
كانت أم مروان بن محمد كردية غير عربية، ما يعني عدم اكتمال شروط النسب العربي اللازمة للخلافة حسب قانون بني أمية، وقد ولد في بلاد الجزيرة سنة 72هـ/692م، ونقل الطبري أنه ولد عام 76هـ/ 696م، وكان مشهورًا بالفروسية والإقدام والدهاء.
وقد لقب بالجعدي نسبة إلى مؤدبه (الجعد بن درهم)، وكان يلقب بمروان الحمار؛ لثباته في الحرب وصبره في مقارعة خصومه، وكان يلقب أيضًا بـ(عير الجزيرة) أو (حمار الجزيرة).
ومن سنة 115هـ/ 734م أُسندت إلى مروان بن محمد في عهد هشام بن عبد الملك ولاية كل من أرمينية وأذربيجان، وقد كان مروان عند حسن الظن به بوصفه جنديًا يدافع عن ثغر القوقاز أمام هجمات الترك دفاعًا لا يلين، وقد لبث في هذا المنصب 12 عامًا.
كانت بمنزلة مدرسة عسكرية له، أكسبته الخبرة العسكرية الكبيرة لا سيما مع تقدم فن القتال والحرب بجيوش منظمة أكثر من السابق، فقد كان الاعتماد على القبائل.
وينسب إلى مروان بن محمد إنشاء نظام الكراديس في الحرب بدل قتال الصف الذي كان من زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وفضلًا على الخبرة العسكرية فقد كان مروان على جانب كبير من الخبرة بألاعيب السياسة ودسائسها.
ولعل بُعد ولايته عن مركز الدولة الإسلامية من جهة، واستتباب الأمور في عهد الخليفة هشام ذي الشخصية القوية من جهة أخرى جعلت مروان في منأى عما كان يحدث في أقاليم الدولة الإسلامية الأخرى.
أقرأ أيضاً أدب الأسطورة| تاريخ الأسطورة وأنواعها وعلاقتها بأدب الطفل
مسير مروان بن محمد إلى دمشق
الأحداث العاصفة التي وقعت في الشام عقب مقتل الوليد الثاني مباشرة دعت مروان إلى التحرك من بلاد أرمينية إلى الشام والتدخل فيها كما سبق ذكره، لكن يزيد الثالث استطاع أن يحول بينه وبين دمشق باستعمال دبلوماسية عالية المستوى معه، فعرض على مروان الاتفاق، وقد تلكأ مروان في مبايعة يزيد.
ثم بايعه بعد أن أقرَّه واليًا على أرمينية وأذربيجان فضلًا على توسع مناطق نفوذه في بلاد الجزيرة الفراتية والموصل، وهي المناطق التي كانت تحت سيطرة والده من قبل.
لكن هذا الاتفاق الذي عقده مع يزيد لم يكن مقنعًا لمروان الذي بقي يتحين الفرص للانقضاض على العاصمة والاستيلاء على مقاليد الأمور فيها، وقد مكث مروان في بلاد الجزيرة غير بعيد، وقد سنحت له هذه الفرصة بعد شعر من ذلك الاتفاق عندما توفي الخليفة يزيد الثالث، فقرر في هذه المرة أن يدخل العاصمة دمشق.
وقبل أن يتحرك لذلك الهدف استخلف على الجزيرة أخاه عبد العزيز بن محمد، في حين جعل لكل من القبائل القيسية واليمانية زعيمها الخاص.
ترك ابنه عبد الملك بن مروان على رأس جيش عظيم بالرقة على أهبة الاستعداد لأي طارئ، وقد فعل ذلك كله حتى يضمن استقرار الأوضاع الداخلية خلفه، في حين سيكون مشغولًا بتصفية حساباته مع القيادة الضعيفة في دمشق.
وقد تحرك مروان بن محمد بجيش يقارب ثمانين ألف مقاتل سار به إلى دمشق، وعندما وصل إلى قنسرين قابل جيش الخليفة إبراهيم بن الوليد بقيادة أخوي الخليفة بشر ومسرور، فانتصر مروان عليهما وحبسهما، فقد كان رجالهما قليلي العدد والعدة، وقد ساعده زعيم القيسية في قنسرين يزيد بن عمر بن هبيرة في الانتصار عليهما.
ثم سار مروان بأهل قنسرين إلى حمص التي كانت قد امتنعت عن إعطاء البيعة لإبراهيم بن الوليد، وولي عهده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك الذي كان الخليفة إبراهيم قد أرسله على رأس قوة لإخضاع أهل حمص.
وقد حاصر عبد العزيز حمص، لكن قدوم جيش مروان بن محمد من قنسرين متوجهًا إلى حمص جعل عبد العزيز يرحل عنها هاربًا إلى دمشق، فدعا مروان أهل حمص إلى مبايعة ولدي الوليد الثاني (الحكم وعثمان).
وهما محبوسان عند إبراهيم بن الوليد بدمشق، فبايع أهل حمص مروان بن محمد على هذا الأساس، وانطلقوا معه حتى نزل بمرج دمشق، حيث خرج له جيش الخلافة المقدر بـ120 ألفًا على رأسهم سليمان بن هشام بن عبد الملك، في منطقة يقال لها عين الجر، في حين كان جنود مروان يقدرون بـ80 ألف مقاتل.
لكن الغلبة كانت لمروان، فقد انهزم عسكر الخليفة، ولاحق مروان فلول المنهزمين إلى العاصمة دمشق، واستولى على مقاليد الأمور فيها.
واللافت للانتباه أن مروان حتى هذه اللحظة كان يدعو إلى مبايعة أبناء الوليد (الحكم وعثمان)، ولم يدع إلى نفسه أبدًا، ما جعل فريق الخليفة إبراهيم بن الوليد المكون من قائد قواته سليمان بن هشام وولي عهده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، فضلًا على يزيد بن خالد القسري عقب هزيمتهم في موقعة عين الجر وهروبهم إلى دمشق أن يفكروا في التخلص من أبناء الوليد الموجودين في السجن.
لأن وصولهما إلى الحكم سوف يعرض قاتلي أبيهما إلى الانتقام، فقتل يزيد بن خالد القسري الحكم وعثمان ابنا الوليد في سجنهما.
وقتل يزيد بن خالد القسري يوسف بن عمر أيضًا، وكان ذلك انتقامًا لمقتل أبيه قبل فوات الأوان على يد والي العراق السابق يوسف بن عمر، أما أبو محمد السفياني الموجود في السجن ذاته فقد تحصن في إحدى غرف السجن، ولم يتمكنوا من قتله، حتى داهمتهم قوات مروان بن محمد.
وقد ِاستطاع سليمان بن هشام أن ينهب بيت المال قبل أن يصل مروان، ويقسمه فيمن كانوا معه من الجنود، ويخرج من المدينة مع إبراهيم بن الوليد إلى تدمر، مقر قبيلة كلب.
ولعل الرياح جرت في هذه المرة بما تشتهي سفن مروان، فقتل ابني الوليد كان قد أزال العقبة التي كانت تحول بينه وبين الخلافة، فأخذ البيعة لنفسه في 26 صفر 127هـ/ 7 كانون ثاني 745م، وكان أبو محمد السفياني أول من بايعه، وزعم أن الحكم وعثمان قد أوصيا بأن يكون مروان هو الخليفة بعدهما.
أقرأ أيضاً معلومات عن عهد الخليفة يزيد الثالث الأموي
ما الهدف المعلن لمسير مروان؟
وقد كان الهدف المعلن لمسير مروان إلى العاصمة هو تنصيب ولدي الوليد في الحكم، وكان يأخذ البيعة لهما من القبائل والأقوام التي كانت تأتيه من كل حدب وصوب، كل ذلك جعله يبدو في نظر أتباعه بمظهر المخلِّص لهم من مغتصبي الخلافة في دمشق.
وهو المعقود عليه الأمل في إعادة الأمور إلى نصابها الطبيعي، ويمكن عدّ تلك المناورات السياسية قمة ما وصلت إليه فنون السياسة، من أجل حشد أكبر تأييد ممكن لخطواته التي تهدف إلى القضاء على الخلافة الهزيلة في دمشق.
أما وقد قُتل وليا العهد الشرعيان في سجنهما؛ الحكم وعثمان ابن الوليد، فقد أصبح من الطبيعي أن يتسلم مروان الخلافة بنفسه لعدم وجود وريث شرعي يتسلمها، وبذلك يكون مروان قد تسلم الخلافة من دون حق شرعي هو أيضًا، فلم يكن مروان بن محمد من الفرع المرواني المباشر الذي يحق له تسلم السلطة، وقد وجد من هو أحق منه بالخلافة.
وإنما تسلمها بفرض حالة الأمر الواقع التي لا تفهم سوى لغة القوة، وإن ذكرت المصادر أن مروان بن محمد فوجئ بالخبر الذي سمعه من محمد السفياني عن نقل الخلافة إليه بوصية من أبناء الوليد قبل قتلهما.
أما النيات التي كان يبيتها مروان في نفسه من بداية مسيرته إلى دمشق في المرة الأولى في عهد يزيد تدور الشكوك حولها من كل ناحية، ولو أن مروان كان صادقًا في قضية أخذ الثأر للوليد لما تراجع إلى بلاد الجزيرة في المرة الأولى عندما أجزل يزيد الثالث له العطاء.
وخلاصة القول إنه يمكن النظر إلى مروان بن محمد على أنه كان مغتصبًا للخلافة من إبراهيم بن الوليد، وإذا كانت عملية قتل أو إعدام الوليد الثاني على يده حركة نفذها ابن عمه يزيد الثالث لأسباب تبدو مبررة؛ فإن مروان بن محمد تحرك لخلع إبراهيم بن الوليد طمعًا واضحًا في الخلافة، مستغلًا ضعف الأخير وقلة حيلته، وعدم استتباب الأمن وشيوع الفتن والفوضى في أرجاء الدولة الأموية المفككة من شرقها إلى غربها.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.