معلومات عن الفلوس في العصر الأموي

   يُعد ما وصلنا من الفلوس النحاسية قليلًا بالمقارنة مع أعداد الدنانير والدراهم، ذلك أن معدن النحاس أسرع تأثرًا بعوامل الطبيعة، فهو أسرع تلفًا من المعادن الأخرى. ثم إن الحديث عن الفلوس النحاسية في نهاية العهد الأموي لا يختلف كثيرًا عن الحديث عن الفلوس الأموية بعد التعريب عمومًا.

ذلك أن الفلوس لم يكن لها قاعدة عامة تلتزم بها وفقًا للنصوص أو المأثورات أو الوزن أو القطر في تلك المدة المبكرة من العهد الإسلامي، ومن أجل استكمال الصورة عن الفلوس الأموية في مدة الدراسة ضمن هذا البحث كان لا بد من التعرف على الفلوس الأموية المعربة عمومًا.

اقرأ أيضاً هل الأموال تشتري سعادة الإنسان؟

بما تتميز الفلوس النحاسية الأموية ما بعد الإصلاح النقدي؟

1. تختلف المسكوكات النحاسية الأموية في مرحلة ما بعد الإصلاح النقدي عن المسكوكات النحاسية الأولى (قبل الإصلاح) اختلافًا كبيرًا، كما تختلف كذلك عن مسكوكات الذهب والفضة المعربة. وصحيح أن الدنانير والدراهم كان لها شكلها العام الثابت تقريبًا، والمستقر على نمط معين وفق المأثورات الدينية والتوثيقية.

لكن الفلوس لم تكن تحمل مأثورات أو نقوش موحدة، كما لم يتقيد الولاة والحكام بذكر اسم الخليفة المعاصر لهم.

 ثم إن أوزانها وأقطارها متباينة كثيرًا؛ إذ أُعطيت دور السك المحلية في الولايات الإسلامية حق ضرب المسكوكات النحاسية بالطريقة التي تراها ملائمة، وحسب حاجتها.

وكثيرًا ما كانت النصوص التي على الفلوس تتضمن بعض الأخطاء الإملائية؛ لأنها كانت تسك تحت إشراف أمير المدينة، وليس تحت إشراف السلطة المركزية للدولة.

2. لا يمكن تحديد بداية أو نهاية تاريخ المسكوكات النحاسية الأموية المعربة لأي مدينة ضرب بدقة.

لأن معظم تلك النقود لا تحمل تاريخًا. ولكن أقدم إصدار للفلوس الأموية المعربة يجب أن يكون في المدة من 77-79هـ/697-699م؛ وهي المدة التي استقر فيها تعريب المسكوكات الذهبية والفضية. 

3. كانت الفلوس مقبولة التداول داخل المدينة التي تسك فيها، وإذا ما خرجت من تلك المدينة إلى أخرى فيجب أن تختم بختم أمير المدينة الثانية ليصبح من المسموح به تداولها، وقد عرف هذا الختم باسم «الوسم». وإن هذا الأمر لا ينطبق على الدنانير أو الدراهم؛ لأنها تحفظ أقيامها بوصفها معادن ثمينة. 

4. لقد كانت الفلوس النحاسية في الأصل نقودًا مساعدة، لكنها لاقت اهتمامًا كبيرًا من المسلمين في العصور اللاحقة، فعملوا على ضبط أوزانها وتحديدها -كغيرها من النقود- بسنج زجاجية خاصة.

أصبحت الفلوس النحاسية عملة الدولة الرسمية في عهد المماليك في مصر وبلاد الشام، وكانت تدفع ثمن المشتريات وبدل الخراج والزكاة.

5. بعض الفلوس كانت ذات حجم صغير، ربما دل ذلك على أنها نصف فلس، إن لم يثبت ذلك عليها.

6. ظهرت في مصر سلسلة من النقود البرونزية الأموية بعد التعريب، كشفت عنها حفائر الفسطاط، محفوظة الآن في متحف الفن الإسلامي في القاهرة.

وتحمل هذه النقود أسماء الولاة أو عمال الخراج الذين تولوا أعمالهم في مصر مثل فلوس القاسم بن عبيد الله -عامل الخراج على مصر بين سنتي (116-124هـ/735-742م-، وفلوس عبد الملك بن مروان عامل الخراج قبل أن يصبح الوالي على مصر في المدة 131-132هـ/749-750م. 

   وإلى جانب أسماء الولاة والعمال المنقوشة على الفلوس التي ضربت في مصر؛ فإن السبيكة المصرية تميزت عن السبيكة السورية النحاسية بأمرين: الأمر الأول أنها سميكة ومن معدن البرونز وأقرب شبهًا بالفلوس التي كانت تضرب في الإسكندرية قبل الفتح العربي، والأمر الثاني أن السبيكة السورية رقيقة ومن خام النحاس. 

7. أما الفلوس المعربة في  المغرب والأندلس فظهرت ابتداءً من سنة 108هـ/727م.

   وعلى أية حال يمكن تقسيم الفلوس الأموية بالاعتماد على المعلومات والنقوش التي تحملها إلى الأصناف التالية:

اقرأ أيضاً أثر الفلوس في النفوس.. كيف يؤثر المال على نفوس البشر؟

تقسيم الفلوس الأموية

أولًا فلوس مغفلة من أي اسم أو مكان ضرب أو تاريخًا

ولا تحمل سوى شهادة التوحيد على الوجه، والرسالة المحمدية على الظهر، ثم إن هناك بعض الفلوس من هذه العائلة التي اقتبست نصوصها من الدنانير أو الدراهم. 

ثانياً الفلوس التي لا تحمل تاريخ

ولكنها تحمل اسم مدينة الضرب. وهذا النوع من المسكوكات النحاسية الأوفر عددًا: مثل مسكوكات دمشق، الأردن، حلب، بعلبك، بصرى (بصرى الشام)، عمان، أذرعات، قنسرين، معرة مصرين، عكا، صفورية، بيسان، الرملة، أيلة، بيت جبرين، عسقلان، فلسطين، الموصل، وغيرها. وكل من هذه المدن ذات طراز خاص بها.

توجد عدد من دور الضرب التي أصدرت فلوسًا ذات مأثورات دينية فقط (الوجه: لا إله إلا الله وحده، الظهر: محمد رسول الله)، فضلًا عن ذكر أسم مدينة الضرب على الظهر(ضرب هذا الفلس بـ...)، أو ذكر أسم المدينة فقط من دون أو مع كلمة ضرب. 

وهناك فلوس تميز الوجه فيها بذكر عبارة التوحيد (لا إله إلا الله وحده) في المركز، محاطة بثلاث دوائر، وفي مركز الظهر مأثورة (محمد رسول الله) محاطة بكتابة نصها (بسم الله ضرب هذا الفلس بـ...). 

والنوع الآخر من الفلوس يحمل كلمات مثل (لله الملك فلس واف)، وهذا الطراز نادر من ضرب الرملة، للدلالة على شرعية هذا الفلس وقبوله في الأوساط التجارية والرسمية. ولا يمكن أن يكون هذا الفلس قد ضرب قبل عام 90هـ/709م، وهي السنة التي أسست فيها مدينة الرملة على يد سليمان بن عبد الملك.

ثالثًا الفلوس التي تحمل تاريخًا فضلًا على مدينة الضرب

   وجدت الفلوس التي تحمل تاريخ ومدينة الضرب، وكذلك المأثورات الدينية المتمثلة في شهادتي الإسلام (لا إله إلا الله) في مركز الوجه، ومأثورة (محمد رسول الله) في مركز الظهر موزعة على ثلاثة أسطر، في حين أن كل من الوجه والظهر محاط بكتابة خارج دائرة محيطة بالمركز.

الغريب وجود فلوس تحمل تاريخ ومكان ضربها ولا تحمل أية مأثورة دينية، بل إنها تحمل على الوجهين كلمات تتعلق بمكان وسنة الضرب فقط.  

   ومن المدن التي ظهرت فلوسها تحمل تواريخ واضحة مدينة دمشق التي أدرج (ووكرWalker) في كتالوجه 13 إصدارًا منها سنة 87هـ، 88هـ، 102هـ، 126هـ/744م، وحمص سنة 116هـ/735م. وفي الرملة ضرب الأمويون نقودًا نحاسية غير مؤرخة إلا فلسين.

الأول عام 101هـ والثاني 116هـ، إذ كان الأمويون قد أنشأوا معملاً لضرب النقود في الرملة، وفي طبرية -عاصمة جند الأردن- ضربوا فلوسًا قبل وبعد الإصلاح النقدي، بعضها يحمل تاريخ 110، 120هـ. وفي مدينة الكوفة سنة 101هـ/720م، وكذلك واسط سنوات 108هـ و116هـ و118هـ و120هـ و123هـ. كما عثر على فلوس أخرى من ضرب الرها سنة 110هـ، الري سنة 113هـ والموصل 97هـ.

رابعًا مسكوكات تحمل اسم مدينة الضرب، فضلًا عن نقوش صور أو رموز خاصة بها

وقد نسبت هذه المسكوكات إلى مرحلة الإصلاح النقدي على الرغم مما تحمله من صور ورسوم؛ لأنها تحمل شهادتي الإسلام بوضوح، إلى جانب تلك الرسوم التي يمكن أن تكون قد استمرت تنقش عليها من مخلفات التراث والتقاليد المحلية لدار الضرب تلك. فأصبحت تمثل رمزًا خاصًّا لهذه الدار أو تلك، بصرف النظر عن موقف الإسلام المتحفظ من التصوير.

من الأمثلة على هذه المسكوكات، ما ضرب في مدينة حمص التي تحمل على الوجه صورة حيوان لعله فيل، محاط بمأثورة الشهادة (لا إله إلا الله وحده) وعلى الظهر (محمد رسول الله حمص) في ثلاثة أسطر.

   وعلى هذا المنوال ظهرت مسكوكات من ضرب عمّان عليها رسم لزهرة الكشاف، ومن ضرب طبرية وجرش عليها صورة نسر، وأخرى من ضرب طبريا تحمل صورة أسد، ومن ضرب أذرعات عليها صورة أفعى، ومن ضرب دمشق عليها رسم شجرة لعلها نخلة.

من الرملة عليها شكل نجمة خماسية. فضلًا على قطع نقدية أخرى تحمل رسم حيوان أو شجرة نخل أو أشكالًا هندسية، أو إشارات للزينة. ثم إن بعض هذه الصور والرسوم وجدت على الأسرجة الأموية، أو قطع الفخار الأموي، مثل قطف عنب وشمعدان وعصفور ونجم وشجرة.

خامساً مسكوكات تحمل اسم مدينة الضرب واسم حاكم المدينة أو الإقليم

   وإن كانت هذه النقود أقل عددًا فإنها ذات أهمية كبيرة حسب التعرف على تاريخ المدينة التي تحمل اسمها، ولكن تاريخ المسكوكة يبقى تاريخًا تقريبيًا، يقع في أثناء مدة حكم ذلك الحاكم.

ومن الأمثلة على هذا النوع فلس من ضرب مدينة حمص غير متقن السك، يحمل على وجهه صورة جربوع داخل دائرة، وفي داخل دائرة الظهر اسم مروان بن بشير الذي لم تذكره المصادر التاريخية، فضلًا على المأثورات الدينية التي تحيط بدائرة الوجه والظهر. وتوجد فلوس من ضرب الموصل في عهد الأمراء يحيى بن يحيى والحر بن يوسف والوليد بن تليد والأمير زياد، وأخيرًا الأمير الوليد بن أبي بكر.

سادسًا مسكوكات ذات معلومات متكاملة أي إن نصوصها تضم مدينة الضرب والتاريخ  واسم الحاكم

تُعد المسكوكات ذات المعلومات المتكاملة نادرة نسبيًّا، إذ لم توجد مثل هذه المسكوكات في مدن ضرب بلاد الشام، في حين اكتشف في البصرة فلس ضرب سنة 100هـ/719م، في عهد أميرها عدي بن أرطاة، ثم إن هذا الفلس لا يحمل مأثورات دينية على الوجه أو الظهر. وقد عُرف فلس آخر من ضرب الكوفة سنة 100هـ/719م أيضًا في عهد أميرها عبد الحميد، وهو خال من المأثورات الدينية كذلك باستثناء عبارة (بسم الله) في أعلى الوجه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة