معزوفة الوهق واللعبة والوهم - قراءة في رواية التِّبر للمبدع إبراهيم الكوني

أيبيع الرجل زوجته مقابل التِّبر؟ أم يبيع رفيقه مقابل زوجته؟

"وإذا كان العار هكذا فإن النبل هو الحرية، هو الإخلاص لرفيق عرفه في الفناء وعبر به ملكوت الصحراء طوال هذه السنوات. والنبل هو الذي يحتم عليه أن يضحي بالوهق واللعبة والوهم ويختار الأبلق ليواصل معه الرحلة في ملكوت الخلاء"

بلغة قوية ساحرة لا يملكها سوى ملم بأمهات اللغات طاف بنا إبراهيم الكوني في معزوفته الحزينة بين الصراع الأبدي الذي يقابله الإنسان، صراع ما بين مسلمات وجد نفسه مقيد بها، واختيارات رجحها وآمن بها لتملأ فراغ في قلبه وحياته. لقد وضعنا الكوني في تلك الرواية بين مواجعنا ومآسينا، وضعنا بين حجري رحايا أحدهما العرف الذي اتفق عليه الجميع، والآخر اختيار نبيل فرض نفسه علينا بقوة.

لقد ظهرت بيئة ونشأة الكوني في تلك الرواية بشكل واضح جلي، فهو ليبي طارقي الصحراء بالنسبة له إنسان يشعر ويتألم ويساعد ويغضب، حتى حيواناتها كانت مثلها بشرية الإحساس إنسية العواطف، آدمية الأخلاق والصراعات، لقد بث حبه لتلك الصحراء في كلمات فتجملت، طاف بها في رعونة شبابه وقوة شغفه فصارت رفيقة دربه، وهبته خصالها وأسرارها فتكاد تسمع في كلماته كلمات حبيبات الرمال المتحركة وضحكاتها وغمغمتاها، ترى تغامزها وإشارتها ونظراتها الماكرة، توقفت كثيرًا عند شخصية "أوخيد" هذا المتحد مع بيئته بشكل كلي، هذا العاصي الولي، فلا تستطيع رؤيته أو تخيله خارج تلك البيئة، وتساءلت: هل هو هو؟ هل "أوخيد" "الكوني" فأجابتني كلمات المهري الأبلق "أو – و – ع – ع – ع" فقلت له صدقت لقد توحد الكوني مع بطل روايته كما توحد بطل الرواية مع بيئته فصارا ثالوث موحد لا يُرى أحدهم بدون الآخر.

في "غدامس" نشأ الكوني من أصول طارقية، وفي "امنغاستن" نشأ "أوخيد" مع أبلقه المهري الذي أحبه ووضع له مكانة خاصة في قلبه ليست لأحد من البشر "إن الأبلق ليس حيوان إن الأبلق هو الأبلق"، فتحادث معه وتقاسم معه الأحزان والآلام، يحدثه فيجيبه بصوته "أو – و – ع – ع – ع" أطعمه الشعير في وقت لم يجد البشر الشعير، بكى وانتحب لمرض الأبلق فعزله الرعاة فبات معه في الفلاة، أنقذه من الموت فأنقذه من الموت فتوحدا تخالط الدم بالدم فاتحدا، لقد توحدت الأرواح فصار تفريق الأجساد محال.

"والأنثى التي جلبت البلاء للأبلق هي التي دفعته لأن يعد ويخلف يحلف ويحنث. لم يخلف وعدًا في حياته وها هو يسهو ويفعلها."

في تلك المعزوفة يحقد "أوخيد" على كل أنثى في العالم بشر كانت أم حيوان يرى فيهم سبب كل بلاء يصيب الذكور، فكما كانت معذبة أبلقه ومسببة المرض له صارت معذبته وهلاكه، وفرقته عن أبلقه لكن الأبلق لم يتحمل الفراق فكان يقاتل ليعود له، لقد دعا عليه والده وأهل الصحراء يعرفون ماذا تعني تلك الدعوة.

"مهما فكرت، ومهما حكمت العقل، ومهما سرحت في التأويل فإن في جعبة الغرباء أسرارًا أخرى" يوصينا الكوني أن نحذر من ذلك الغريب ذلك الذي قد يعلم عنا كل شيء ويدبر لنا المكائد والمصائب وهو يظهر لنا أنه يمد يد المساعدة والسند، فما نلحظ أن تلك اليد ما هي إلا سيف مسموم غرس في قلوبنا إلا بعد فوات الأوان.

"استبدل بالحرية الوهق والدمية والوهم وقال لنفسه كما يقول الجميع: "هكذا وجدنا آباءنا يفعلون" لقد ترك ما كان يجبل نفسه عليه لقد انهار الصرح الذي بناه أمام كلمات قليلة، لقد ظن أن لا وجود للعار إلا في مخيلة البشر لا وجود له في حياته لكنه انهار أمام العار وتمثل أمامه بقوة وأصبح ملموسًا، لم يجد مفر منه فصرعه العار وأضعفته الدمية ودمر حياته الوهق.

لقد غرد الكوني في تلك المعزوفة باللحن الحزين، فسالت دموعي مع قطرات دماؤه وهو يحرث الصحراء بجسده، وهو يختبئ في الكهف مع الرسومات القديمة وهو يتقاطر دمه، فبكيت لما لامست كلمات أعماق قلبي لقد طوفت مع "أوخيد" في كل خطوة شعرت بنشوته وهو يسترق القبلات شعرت بخجله وهو مضبوط عاري شعرت بروحه وهي تنسحب منه بألم ورأيت نظرته الجامدة الخالية من الحياة فشعرت أني وصلت الحالة بين الموت والحياة وسألت نفسي: "هل أنا أوخيد؟ أم فرط الحب هو الذي وحدنا؟".

بقلم الكاتب


أحمد السيد أبو مكي كاتب روائي وصحفي، حاصل على ليسانس اللغة العربية وآدابها والعلوم الإسلامية، من كلية دار العلوم جامعة المنيا حاصل على دبلومة عامة في التربية من كلية التربية جامعة سوهاج. حاصل على شهادة معلم اللغة العربية للناطقين بغيرها من كلية دار العلوم جامعة القاهرة. صدر لي رواية "فرسان الشرق" عن دار الكنزي في معرض القاهرة الدولي للكتاب.

ما رأيك بما قرأت؟
اذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة للكاتب و شاركه مع الأصدقاء على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة و المفيدة و الإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.
تسجيل دخول إنشاء حساب جديد

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

أحمد السيد أبو مكي كاتب روائي وصحفي، حاصل على ليسانس اللغة العربية وآدابها والعلوم الإسلامية، من كلية دار العلوم جامعة المنيا حاصل على دبلومة عامة في التربية من كلية التربية جامعة سوهاج. حاصل على شهادة معلم اللغة العربية للناطقين بغيرها من كلية دار العلوم جامعة القاهرة. صدر لي رواية "فرسان الشرق" عن دار الكنزي في معرض القاهرة الدولي للكتاب.