معركة الزاب سقوط الدولة الأموية وبداية الدولة العباسية

يُعد الصراع بين الأمويين والعباسيين أحد أبرز التحولات في تاريخ الدولة الأموية وتاريخ الدولة العباسية، بلغ هذا الصراع ذروته في معركة الزاب الفاصلة التي لم تكن مواجهة عسكرية فحسب، بل كانت نهاية لحقبة وبداية لأخرى. قاد الثورة العباسية قادة محنكون مثل أبو مسلم الخراساني في خراسان وقحطبة بن شبيب في العراق، لتصل المواجهة النهائية إلى آخر خلفاء بني أمية، مروان بن محمد، وتعلن بداية الدولة العباسية رسميًّا.

الطريق إلى الزاب.. زحف الجيوش العباسية

إبان زحف الجيوش العباسية من خراسان نحو العراق بقيادة قحطبة بن شبيب، عسكر الخليفة الأموي مروان بن محمد بالزاب، فأرسل إليه قحطبة قائده أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزدي فعسكر تجاهه، ولما وصلت الجيوش العباسية الكوفة، أرسل إليه أبو سلمة الإمدادات، ولما بويع الخليفة العباسي أبو العباس أرسل عمه عبد الله بن علي العباسي ليقود المعركة الحاسمة ضد الخليفة الأموي مروان بن محمد.

بلغ هذا الصراع ذروته في معركة الزاب الفاصلة التي لم تكن مواجهة عسكرية فحسب، بل كانت نهاية لحقبة وبداية لأخرى

ويبدو أن التوفيق حالف العباسيين في اختيارهم قوادهم، فلقد اختاروا للقيادة في خراسان خراسانيًا هو أبو مسلم الخراساني، ولما تقدمت جيوشهم نحو العراق المأهول بالعرب، ولوا قيادتهم عربيًا هو قحطبة بن شبيب ومن بعده ابنه الحسن، ولما كانت المعركة النهائية (الزاب) بينهم وبين الخليفة الأموي مروان بن محمد ولوا القيادة لعباسي صحيح هو عبد الله بن علي العباسي.

أسباب سقوط الدولة الأموية في معركة الزاب

كيف سقطت الدولة الأموية؟ لم تكن الهزيمة في الزاب وليدة اللحظة، بل كانت تتويجًا لعدة عوامل أدت إلى تآكل قوة الأمويين. يمكن تلخيص أسباب سقوط الدولة الأموية التي تجلت في هذه المعركة في النقاط التالية:

التقت الجيوش العباسية بالجيوش الأموية عند نهر الزاب الكبير في 11 جمادى الآخرة سنة 132هـ/ 750م، وحقق الأمويون عدة انتصارات في بداية المعركة، غير أن عوامل عدة تضافرت لتحول بينهم وبين إتمام النصر في المعركة النهائية الحاسمة.

فعلى الرغم من تفوقهم العددي؛ فإن دور الدعاية في انتصار العباسيين كان واسعًا، والتأثير النفسي الذي أحدثته الانتصارات العباسية المتوالية دون هزيمة واحدة جعلت الجند الأموي يعتقد «أن النصر معقود للألوية السوداء الزاحفة من خراسان»؛ ما أدى إلى ضعف روحهم المعنوية، ورسخ في أذهانهم أنهم يدافعون عن خلافة زائلة؛ لذا فترت همتهم، وتراخوا في الدفاع عن خليفتهم.

هذا وقد أدت العصبية دورها في تخاذل القبائل العربية في مواجهة العباسيين، وهو ما يمثل أحد أوجه الصراع بين القبائل العربية في العصر الأموي، فلقد جبن كل منها عن مواجهتهم، وكلما استنهض مروان همة قبيلة لتحمل على العباسيين جبنت وطلبت منه أن يستنهض قبيلة أخرى، حتى إن صاحب شرطته تخاذل في الدفاع عنه.

ويصور الطبري هذه الحالة فيقول: «وقال مروان لقضاعة انزلوا، فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا، فأرسل إلى السكاسك أن احملوا، فقالوا: قل لبني عامر فليحملوا، فأرسل إلى السكون أن احملوا، فقالوا: قل لغطفان فليحملوا، فقال لصاحب شرطته: انزل، فقال: لا والله ما كنت لأجعل نفسي غرضًا. قال: أما والله لأسوءنك، قال: وددت والله أنك قدرت على ذلك. ثم انهزم أهل الشام».

وكان لاعتقاد الخليفة الأموي مروان بن محمد في التنجيم والعمل بمقتضاه أثره في نتيجة المعركة، فيروي الطبري أنه قال لقواده: «إن زالت الشمس اليوم ولم يقاتلونا، كنا نحن الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم، وإن قاتلونا قبل الزوال فإنا لله وإنا إليه راجعون». وأمر جنده بالوقوف، وألا يبدأوا المعركة حتى تزول الشمس، ولما تقدم أحد قواده للهجوم قبل الزوال غضب عليه وشتمه، وانتهز العباسيون الفرصة وقاتلوهم قبل الزوال.

وفي محاولة من مروان لرفع روح جنده المعنوية وحثهم على الصبر وإغرائهم بالقتال، أخرج إليهم أموالًا ليوزعها عليهم، فترك بعضهم القتال ونهب الأموال، فأمر ابنه عبد الله أن يتراجع بجنده ليمنع وصول الجند إلى الأموال، فلما رأى الجيش تراجع عبد الله ظنوا أنها الهزيمة، فتركوا المعركة وولوا مدبرين.

أحداث معركة الزاب.. هزيمة الأمويين

وهكذا انتهت معركة الزاب بانتصار العباسيين، وهزيمة الأمويين، وفرار الخليفة مروان بن محمد، واستيلاء عبد الله بن علي على ما في معسكره من الأموال، وكان شيئًا كثيرًا.

انتهت معركة الزاب بانتصار العباسيين، وهزيمة الأمويين، وفرار الخليفة مروان بن محمد، واستيلاء عبد الله بن علي على ما في معسكره من الأموال

هروب مروان بن محمد وسقوط العواصم الأموية

استطاع مروان بن محمد آخر خلفاء بني أمية الفرار من موقعة الزاب إلى الموصل، فتتبعه عبد الله بن علي، ففر إلى حران، فتتبعه عبد الله بن علي، ففر إلى قنسرين، فدخل واليها الأموي -وكان ختنًا للخليفة الأموي- في طاعة العباسيين وأظهر السواد شعارهم، فأعطاه عبد الله الأمان ولمدينته ولأهلها. وأخذ مروان ينتقل من مدينة لأخرى، وكان كلما دخل مدينة وعلم بتتبع عبد الله بن علي خرج منها إلى غيرها، فتبايع هذه المدينة لعبد الله وتدخل في طاعة العباسيين، تم ذلك في الموصل وحران، والجزيرة وقنسرين وحمص. يقول ابن كثير: «وجعل عبد الله بن علي لا يمر ببلد وقد سودوا فيبايعونه فيعطيهم الأمان».

ولم يواجه عبد الله مقاومة تذكر إلا في دمشق عاصمة الأمويين، وهنا بدأت مرحلة دخول العباسيين دمشق، ففرض عليها حصارًا قويًا، وتوالت عليه الإمدادات من قبل الخليفة العباسي أبي العباس، ولقد كان لطول الحصار وإحكامه أثر في انقسام أهل دمشق على أنفسهم، وظهور العصبية القبلية بين اليمنية والمضرية، وانحياز بعضهم إلى العباسيين والبعض الآخر إلى الأمويين؛ ما سهل على العباسيين فتحها في 10 رمضان سنة 132هـ/ 750م.

نهاية مروان بن محمد وفتح مصر

تابع الخليفة مروان بن محمد مسيرة الهروب متجهًا إلى مصر عبر الأردن وفلسطين، فتتبعته الجيوش العباسية، بقيادة علي بن عبد الله «وكان لا يمر بمدينة إلا سودت وبايعته».

وفي فلسطين وجه عبد الله بن علي العباسي أخاه صالح بن علي وقائده أبا عون في طلب مروان، فتتبعه في الرملة والغرما والعريش والفسطاط، ثم عبر مروان النيل إلى الجيزة ومنها إلى الفيوم، حيث اختبأ في قرية (بوصير) بالجيزة، فظفرت به الجيوش العباسية وقتلته، وأرسلت برأسه إلى الخليفة العباسي أبي العباس الذي كافأ عمه صالح بولاية إفريقيا ومصر وفلسطين والأردن، ليحدث بذلك فتح مصر على يد العباسيين.

ثم طلب منه أن يولي قائده أبا عون عبد الملك بن يزيد الأزدي على مصر، فبنى للعباسيين عاصمة جديدة بجوار الفسطاط سماها العسكر ونزل بها، وهو ما يُعرف بحدث تأسيس عاصمة العباسيين الجديدة (العسكر) في مصر.

نتائج معركة الزاب وقيام الدولة العباسية

يمكن تلخيص نتائج معركة الزاب في نقاط حاسمة غيرت مجرى التاريخ الإسلامي:

  • سقوط الدولة الأموية: كانت المعركة بمثابة ضربة قاضية للخلافة الأموية التي حكمت العالم الإسلامي قرابة 90 عامًا.

  • قيام الدولة العباسية: أعلنت المعركة عن بزوغ فجر الدولة العباسية كقوة مهيمنة جديدة، وانتقال مركز الخلافة من دمشق الشامية إلى العراق.

  • ملاحقة الأمويين: بدأت حملة شرسة لملاحقة وقتل أفراد البيت الأموي في كل مكان، ولم ينجُ منهم إلا عبد الرحمن الداخل الذي فر إلى الأندلس.

لم ينجُ من بطش العباسيين إلا عبد الرحمن الداخل الذي فر إلى الأندلس وأسس الدولة الأموية في الأندلس

مقارنة بين الأمويين والعباسيين.. تحول في الخلافة

يمثل الانتقال من الحكم الأموي إلى العباسي تحولاً جوهرياً. يمكن إجراء مقارنة بين الأمويين والعباسيين كالتالي:

  • الأساس العرقي: اعتمد الأمويون بشكل كبير على العصبية العربية، بينما قامت الدولة العباسية على تحالف أوسع شمل الفرس الخراسانيين والموالي، مما جعلها أكثر عالمية.

  • المركز الإداري: كانت دمشق هي قلب الدولة الأموية، بينما نقل العباسيون العاصمة إلى العراق (الكوفة، ثم بغداد)، مما قربها من النفوذ الفارسي.

  • الطابع الإداري: حافظ الأمويون على كثير من النظم الإدارية البيزنطية، بينما طور العباسيون نظامًا بيروقراطيًا معقدًا متأثرًا بالتقاليد الساسانية الفارسية.

الزاب نقطة تحول

كانت معركة الزاب نقطة تحول أنهت تاريخ الدولة الأموية في المشرق، وفتحت صفحة جديدة تمامًا في التاريخ الإسلامي مع قيام الدولة العباسية التي حملت معها تغيرات سياسية وثقافية واجتماعية عميقة استمر تأثيرها قرونًا طويلة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.