معرض ألوان من ضفتي البحر الأحمر.. حوار تشكيلي بين مصر والسعودية في جدة

ما الذي يحدث عندما توضع أعمال فنانين مصريين وسعوديين في مساحة واحدة؟ الإجابة لا تكمن بالضرورة في البحث عن أوجه التشابه بين التجربتين، ولا في محاولة إثبات أن الفن قادر على تجاوز الحدود، وهي عبارات أصبحت مألوفة في الحديث عن المعارض العربية المشتركة، وإنما في إتاحة الفرصة للمشاهد كي يرى تنوع التجارب نفسها، وكيف يمكن للفنانين أن ينطلقوا من بيئات متقاربة ثقافيًا وتاريخيًا، ثم يصل كل منهم إلى لغة بصرية خاصة به.

من هذه الزاوية يمكن قراءة معرض «ألوان من ضفتي البحر الأحمر»، الذي نظمته القنصلية العامة لجمهورية مصر العربية في جدة بالتعاون مع مركز أدهم للفنون يومي 4 و5 سبتمبر 2026، بمشاركة أكثر من 65 فنانًا وفنانة من مصر والسعودية قدموا نحو 70 عملًا فنيًا، في تجربة جمعت أعمالًا متعددة الاتجاهات والأساليب داخل مساحة واحدة.

المعرض لا يقدم «فنًا مصريًا» و«فنًا سعوديًا» فقط

أهمية المعارض الجماعية الكبيرة أنها تمنع اختزال تجربة بلد كامل في مجموعة محدودة من السمات، وهذا ينطبق بوضوح على «ألوان من ضفتي البحر الأحمر»، فعدد المشاركين يجعل من الصعب التعامل مع الأعمال بوصفها ممثلة وحيدة للتجربة المصرية أو السعودية، والأدق أن ننظر إليها بوصفها مجموعة أصوات فنية تجتمع داخل معرض واحد.

وهذا التنوع هو النقطة الأكثر إثارة للاهتمام، لأن الفنان لا يدخل إلى اللوحة محملًا باسم بلده فقط، وإنما بخبرته الشخصية وذاكرته ومكانه وأسئلته وطريقته في النظر إلى الأشياء، ولذلك فإن تعدد الأعمال داخل المعرض نفسه يصبح أكثر أهمية من محاولة تصنيفها مسبقًا تحت عنوانين كبيرين هما «مصر» و«السعودية».

البحر الأحمر.. عنوان يفتح بابًا للقراءة

اختيار البحر الأحمر عنوانًا للمعرض يمنح التجربة طبقة إضافية، فهو في الجغرافيا مساحة تفصل بين ضفتين، لكنه في التاريخ كان طريقًا للحركة والتجارة والسفر والاتصال، ولذلك يمكن للعنوان أن يُقرأ بعيدًا عن المعنى الاحتفالي المباشر، بوصفه إشارة إلى مساحة جغرافية شهدت اتصالًا مستمرًا بين مجتمعاتها.

لكن الفن من هذا المنظور لا يقدم درسًا في الجغرافيا أو التاريخ، وإنما يسمح بتحويل هذا المعنى إلى تجربة بصرية، فالمشاهد ينتقل من عمل إلى آخر بين تجارب مصرية وسعودية، ويبدأ تلقائيًا في ملاحظة ما يجمع بينها وما يميز كلًا منها، من اختيار الموضوع إلى معالجة اللون والخط والتكوين والرمز.

وفي ضوء ذلك تحديدًا تصبح فكرة «الضفتين» أكثر فائدة من فكرة «الجسر»، لأن الجسر يوحي بالوصول إلى نتيجة واحدة، بينما الضفتان تحتفظان بخصوصيتهما حتى وهما تلتقيان، وهذه المسافة بين الخصوصية والاشتراك هي التي تمنح المعرض مادته الحقيقية.

نحو 70 عملًا.. صورة متعددة لا واحدة

وجود نحو 70 عملًا لأكثر من 65 فنانًا وفنانة يجعل المعرض أقرب إلى بانوراما صغيرة للحراك التشكيلي لدى المشاركين منه إلى معرض يقوم على مدرسة فنية واحدة، ولذلك لا يبدو من الدقيق البحث عن أسلوب موحد للأعمال، فتنوع المشاركين يعني بالضرورة تنوع الرؤى والتقنيات والموضوعات.

وهذه نقطة تحسب لأي معرض جماعي من هذا النوع، لأن الجمهور لا يتلقى تجربة جاهزة ومغلقة، وإنما يتحرك بين أعمال مختلفة، وقد يتوقف أمام عمل لم يكن يتوقع أن يجذبه، أو يكتشف فنانًا جديدًا بالنسبة إليه، أو يقارن بين طريقتين مختلفتين في معالجة الموضوع نفسه، وهي قيمة لا تنتجها المعارض التي تقوم على صوت واحد مهما بلغت جودة هذا الصوت.

«الجمل عبر العصور».. عندما يتحول التراث إلى بناء بصري

من الأعمال التي حظيت باهتمام واضح خلال المعرض عمل الفنان السعودي عبد الرحمن عقيلي «الجمل عبر العصور»، وهو عمل مكوَّن من 1088 قطعة سداسية جرى تركيبها بطريقة تشبه الأحجية لتكوين صورة واحدة، في حين تحمل القطع في داخلها صورًا وشواهد مرتبطة بالجمل عبر أزمنة وثقافات مختلفة، ويبلغ العمل 260 سم عرضًا و137 سم ارتفاعًا، واستغرق تنفيذه خمسة أشهر وفق التغطية المنشورة عن العمل.

أهمية العمل لا تتوقف عند حجمه أو عدد أجزائه، وإنما في الطريقة التي يعيد بها تقديم عنصر شديد الحضور في الذاكرة العربية داخل صياغة فنية معاصرة، فالجمل في هذا العمل ليس مجرد رمز جاهز للصحراء أو التراث، بل مدخل إلى تاريخ طويل من علاقة الإنسان بالحيوان في السفر والعمل والتجارة والاستقرار، ومع اقتراب المشاهد من العمل تظهر التفاصيل الصغيرة، بينما تمنحه المسافة تكوينًا بصريًا واحدًا.

وهذه العلاقة بين الجزء والكل هي أكثر ما يلفت في التجربة، فالقطعة المنفردة تبدو محدودة، لكن اجتماع القطع يصنع معنى أوسع، وهي فكرة يمكن أن تُقرأ أيضًا خارج العمل نفسه، فالمعرض بأكمله يقوم على مجموعة كبيرة من الأعمال والأصوات التي لا تلغي بعضها، وإنما تصنع مجتمعة صورة أكثر اتساعًا.

ما الذي تضيفه المشاركة المصرية؟

وجود الفنان المصري في هذا السياق لا يعني أن عليه أن يقدم صورة نمطية عن مصر، كما أن الفنان السعودي ليس مطالبًا بتقديم صورة تمثيلية عن بلده، وهذه نقطة أساسية في قراءة الفن المعاصر، لأن العمل الفني يفقد جزءًا من حريته عندما يتحول إلى بطاقة تعريف ثقافية.

قيمة المشاركة المصرية والسعودية تأتي من أن الفنان يدخل إلى المعرض بعمله أولًا، وليس بجنسيته، ثم يكتشف المتلقي بعد ذلك ما إذا كان العمل يرتبط ببيئته المحلية، أو ما إذا كان الفنان قد ابتعد عنها إلى موضوع أكثر ذاتية أو إنسانية، وبذلك تغدو الجنسية جزءًا من سياق العمل، لا تفسيرًا جاهزًا له.

وهذا النوع من اللقاءات مهم خصوصًا في المشهد العربي، لأن الحركة بين المؤسسات والمعارض العربية لا تزال تحتاج إلى المزيد من اللقاءات المباشرة التي تسمح للفنان بأن يعرض تجربته خارج محيطه المعتاد، وتمنح الجمهور في البلد المضيف فرصة التعرف إلى أسماء وتجارب ربما لا تصل إليه عبر المعارض التجارية أو وسائل الإعلام اليومية.

جدة ليست مجرد مكان للعرض

اختيار جدة لإقامة المعرض يمنحه أيضًا سياقًا خاصًا، فالمدينة مرتبطة تاريخيًا بالبحر الأحمر وبحركة المسافرين والتجار والحجاج، وهي في الوقت نفسه تشهد نشاطًا متزايدًا في المجالات الثقافية والفنية، ولذلك فإن استضافة معرض يجمع فنانين من مصر والسعودية داخلها تبدو منسجمة مع طبيعة المدينة بوصفها نقطة اتصال بين تجارب وثقافات مختلفة.

وقد صاحبت المعرض فعاليات ثقافية وفنية أخرى، بينها عروض لفرقة التنورة وتقديم بعض المأكولات والمشروبات الشعبية المصرية، وهو ما أضفى على المناسبة طابعًا ثقافيًا أوسع من العرض التشكيلي وحده، وإن كانت القيمة الفنية الأساسية تظل في الأعمال المشاركة وفي الطريقة التي استقبل بها الجمهور هذه التجارب.

من المناسبة إلى المشروع

وعند هذه النقطة يبرز السؤال الأهم الذي يمكن طرحه على أي معرض مشترك بين فنانين من بلدين: ماذا يحدث بعد انتهاء المناسبة؟

المعرض الذي ينتهي بانتهاء أيامه يظل حدثًا ثقافيًا جيدًا، لكن المعرض الذي يفتح علاقات جديدة بين الفنانين يمكن أن يتحول إلى بداية لمسار أطول، من خلال معارض متبادلة وورش عمل ولقاءات نقدية وإقامات فنية ومشروعات مشتركة، وعندها لا يعود اللقاء مجرد تجميع لأعمال في قاعة، وإنما يصبح جزءًا من حركة أوسع لتبادل الخبرات الفنية.

وهذا لا يعني أن معرض «ألوان من ضفتي البحر الأحمر» مطالب وحده بصناعة هذا المسار، وإنما أن مثل هذه التجارب يمكن أن تكون لبنات في علاقة أكثر انتظامًا بين المؤسسات والفنانين في البلدين، خصوصًا مع اتساع الحركة الفنية والثقافية في السعودية ووجود تاريخ طويل للحركة التشكيلية المصرية.

لا توجد لوحة واحدة تمثل البلدين

من السهل أن يتحول الحديث عن معرض مصري سعودي إلى خطاب عن «وحدة الثقافة» أو «تشابه الحضارة»، لكن الأعمال الفنية نفسها أكثر تعقيدًا من هذه العبارات، فالفنانان قد ينتميان إلى المجال الثقافي العربي نفسه، ومع ذلك تختلف تجربتهما في التعامل مع المكان والذاكرة والجسد واللون والتراث والمدينة.

وهذا الاختلاف ليس مشكلة ينبغي تجاوزها، بل هو جزء من قيمة اللقاء، لأن التفاعل الفني الحقيقي لا يحدث عندما تكون الأعمال متشابهة، وإنما عندما توضع أعمال مختلفة أمام عين واحدة، وتدفع المشاهد إلى اكتشاف علاقات لم تكن واضحة قبل أن تتجاور.

لهذا فإن «ألوان من ضفتي البحر الأحمر» يمكن أن يُقرأ بوصفه تجربة في التجاور أكثر منه تجربة في التطابق، وهو فارق مهم، لأن الفن لا يحتاج إلى أن يجعل الجميع يقولون الشيء نفسه حتى ينجح في إقامة تفاعل بينهم.

الفن حين يتحرك بين الضفتين

ربما تكون القيمة الأهم لمثل هذه المعارض أنها تمنح العمل الفني فرصة للحركة، فاللوحة التي تُنجز في القاهرة وتُعرض في جدة تدخل إلى سياق جديد، والجمهور الذي يراها لا يملك بالضرورة الخلفية نفسها التي يملكها جمهورها الأول، وهذا الاختلاف في التلقي يمكن أن يضيف إلى العمل معنى جديدًا.

والأمر نفسه ينطبق على الفنان السعودي الذي يرى أعماله في سياق يضم تجارب مصرية، لأن وضع العمل إلى جوار أعمال أخرى يغير طريقة النظر إليه، وقد يكشف للفنان نفسه عن تفاصيل في تجربته لم يكن يلتفت إليها من قبل، وهذه إحدى وظائف المعرض الجماعي التي لا تظهر في الخبر الصحفي، لكنها تحدث داخل التجربة الفنية نفسها.

ما بعد «ألوان من ضفتي البحر الأحمر»

انتهت أيام المعرض، لكن نجاح هذه التجربة لا ينبغي أن يقاس فقط بعدد المشاركين أو الحضور أو الأعمال المعروضة، وإنما بما يمكن أن يبقى منها في ذاكرة الفنان والجمهور، وبما إذا كانت قد فتحت الباب أمام لقاءات أخرى أكثر تخصصًا واستمرارًا.

فالفن التشكيلي المصري والسعودي لا يحتاج إلى مناسبة تثبت وجود علاقة بينهما، فهذه العلاقة قائمة منذ زمن، لكن ما يحتاج إليه هو مساحات أكثر لرؤية التجارب بعضها إلى جوار بعض، ومساحات تسمح للفنان بأن يعرض عمله خارج سياقه المعتاد، وللجمهور بأن يكتشف أسماء جديدة، وللمؤسسات بأن تحول اللقاءات العابرة إلى تعاون مستمر.

وعلى هذا الأساس يمكن النظر إلى «ألوان من ضفتي البحر الأحمر» لا بوصفه معرضًا يضع مصر والسعودية في صورة واحدة، وإنما بوصفه محاولة لوضع تجربتين تشكيليتين في مجال رؤية واحد، بحيث تبقى لكل منهما خصوصيتها، ويصبح الاختلاف نفسه جزءًا من التفاعل الفني، وربما يكون هذا هو المعنى الأكثر صدقًا لفكرة ضفتي البحر الأحمر: أن المسافة بينهما لا تختفي، لكنها تتحول إلى مجال يعبره الفن ذهابًا وإيابًا، فتصبح المسافة نفسها جزءًا من قيمة اللقاء لا عائقًا أمامه.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.