«استمرارية 26» معرض لفنون الوسائط الجديدة في مركز الدرعية لفنون المستقبل بالرياض، يضم أعمال 16 فنانًا ناشئًا من السعودية ودول مختلفة، طوروا مشروعاتهم على مدار عام كامل، ويركز على 4 محاور رئيسية هي الذاكرة بوصفها عملية حية، والجسد والإدراك والحضور، وأنظمة السلطة والتحسين، والتكرار والإيقاع والتجربة الجماعية، مع توظيف الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي والمختلط والصوت والفيديو والتركيبات التفاعلية لبحث علاقة الإنسان بالتكنولوجيا والهوية والمكان والعمل. يستمر المعرض حتى 7 نوفمبر 2026.
معرض لا يستخدم التكنولوجيا للدهشة فقط
في الرياض، يفتح معرض «استمرارية 26» بابًا مختلفًا على فنون الوسائط الجديدة، فالتكنولوجيا في هذا المعرض ليست مجرد وسيلة لإنتاج صور مبهرة أو تجارب غامرة، وإنما تصبح جزءًا من الأسئلة التي يطرحها الفنانون حول الذاكرة والهوية والمكان والجسد وعلاقة الإنسان بالأنظمة التي تحيط به.
ويجمع المعرض، الذي افتتحه مركز الدرعية لفنون المستقبل في نسخته الثانية، أعمال 16 فنانًا ناشئًا طوَّروا مشروعاتهم على مدار عام كامل، إلى جانب أعمال مرشدي البرنامج، ليقدم تجربة تقع عند تقاطع الفن والتكنولوجيا والبحث في طبيعة الإنسان المعاصر. ويستمر المعرض حتى 7 نوفمبر 2026.
الفنانون من العالم إلى الرياض
لا ينتمي الفنانون المشاركون إلى تجربة جغرافية واحدة، بل يجمع المعرض فنانين من السعودية ومصر والكويت واليمن وهونغ كونغ وأوغندا والصين والهند وروسيا والمكسيك والمملكة المتحدة، ومن بينهم في أحمد ونجود البواردي من السعودية، وعمر عادل ودينا خليل ومنة الشاذلي من مصر، وبدرية السالم من الكويت، وعزت شداد من اليمن، إلى جانب تجارب دولية متعددة.
وهو تنوع يجعل «استمرارية 26» أقرب إلى مساحة للحوار بين ممارسات مختلفة في فنون الوسائط الجديدة، وليس مجرد معرض يجمع أعمالًا رقمية تحت عنوان واحد.
وتأتي هذه الأعمال بوصفها حصيلة النسخة الثانية من برنامج الفنانين الناشئين في فنون الوسائط الجديدة، الذي منح المشاركين عامًا كاملًا لتطوير مشروعاتهم، مع توفير مرافق للإنتاج وتجهيزات تقنية وميزانية للعمل، إلى جانب الإرشاد الفني والتعلم متعدد التخصصات، وأقيم البرنامج بالتعاون مع الاستوديو الوطني للفنون المعاصرة «لوفرينوا» في فرنسا، تحت إشراف القيِّمة الفنية إيريني باباديميتريو، وبالتعاون مع القيِّمة الفنية المساعدة بشرى الغامدي، وبتوجيه الفنانين لويس فيليب ديميرز وريك تريويك.
الذاكرة لم تعد أرشيفًا للماضي
أحد المحاور الأساسية في المعرض هو الذاكرة بوصفها عملية حية، وهي صياغة تبتعد عن النظر إلى الذاكرة بوصفها مكانًا ثابتًا نخزن فيه الماضي، لتتعامل معها على أنها شيء يتغير ويتشكل باستمرار، سواء على المستوى الشخصي أم الجماعي أم الثقافي أم البيئي، وفي هذا التصور للذاكرة تتقاطع الذاكرة مع التكنولوجيا التي أصبحت شريكًا في عملية الحفظ والتسجيل والاسترجاع، لكنها في الوقت نفسه تفرض أسئلة جديدة حول ما نتذكره، وما ننساه، وكيف يمكن أن تتغير علاقتنا بالماضي عندما تتحول التجارب إلى صور وبيانات.
وتظهر هذه الفكرة في أعمال عدد من المشاركين بطرق مختلفة، فبعضهم يتعامل مع الذاكرة من خلال الصورة والفيديو، في حين يستخدم آخرون البيئات التفاعلية أو الوسائط الغامرة، فلا يصبح المتلقي مجرد مشاهد لذكريات الآخرين، وإنما طرفًا في تجربة تتغير بحسب حضوره وتفاعله معها.

الجسد يدخل إلى العالم الرقمي
إذا كانت الذاكرة هي أحد أبواب المعرض، فإن الجسد هو باب آخر، فمحور «الجسد والإدراك والحضور» يطرح سؤالًا عن معنى وجود الإنسان في زمن يستطيع فيه أن يعيش جزءًا من تجاربه داخل بيئات افتراضية أو مختلطة، وأن يتفاعل مع أعمال فنية لا تكتمل بالضرورة من دون وجوده.
وفي هذا المحور لا يصبح الواقع الافتراضي مجرد تقنية، بل وسيلة لإعادة التفكير في الإحساس بالمكان والحركة والحضور، وما إذا كان الجسد يظل المرجع الأساسي لتجربتنا عندما تنتقل بعض تجاربنا إلى فضاءات رقمية، وهي أسئلة تتقاطع في المعرض مع التركيبات التفاعلية والواقع الافتراضي والمختلط والصوت والصورة المتحركة.
من يملك التكنولوجيا؟
ينتقل المعرض في محور «أنظمة السلطة والتحسين» إلى سؤال مختلف، فالتكنولوجيا لا تدخل حياتنا بوصفها أدوات محايدة دائمًا، وإنما ترتبط بأنظمة تتخذ قرارات وتنظم حركة الأفراد وتجمع البيانات وتعيد ترتيب علاقتهم بالمكان والعمل والمجتمع.
ولذلك تصبح التكنولوجيا نفسها موضوعًا للنقد والتأمل، خصوصًا عندما ترتبط بالتحكم أو المراقبة أو تحسين الأداء، فالسؤال لا يعود فقط: ماذا تستطيع الآلة أن تفعل؟ وإنما أيضًا: من يحدد ما ينبغي أن تفعله، ولصالح من تعمل، وما الذي يحدث عندما تصبح الأنظمة التقنية جزءًا من القرارات التي تؤثر في الإنسان؟ وهذه الأسئلة تنتمي إلى أحد المحاور الأربعة التي ينتظم حولها المعرض.
الذكاء الاصطناعي ليس بطل المعرض الوحيد
رغم الحضور الواضح للذكاء الاصطناعي في «استمرارية 26»، فإن المعرض لا يختزل فنون الوسائط الجديدة فيه، فالأعمال تمتد من المشروعات المولدة بالذكاء الاصطناعي إلى الضوء والصوت والفيديو والواقع الافتراضي والواقع المختلط والتركيبات متعددة الوسائط، وهو ما يكشف أن التكنولوجيا المستخدمة في الفن المعاصر أصبحت شبكة واسعة من الأدوات والممارسات، وليست تقنية واحدة تهيمن على المشهد.
وفي افتتاح المعرض، ناقش الفنانون نويل أبيتا ونجود البواردي وبدرية السالم وهاربريت سارين موضوعات من بينها سلطة الذكاء الاصطناعي والذاكرة والزمن والإدراك المتجسد، وهو ما يؤكد أن حضور الذكاء الاصطناعي في التجربة لا ينفصل عن الأسئلة الإنسانية التي تحيط به.
أعمال تجعل التكنولوجيا مرئية
تمنح بعض الأعمال في المعرض هذه الأسئلة شكلًا محسوسًا، ومن بينها عمل الفنان لويس فيليب ديميرز «أجساد مشعَّة»، الذي يحول إيماءات الجمهور إلى حركة جماعية، فيدخل جسد المتلقي في تكوين العمل نفسه، ويقدم الفنان ريك تريويك عمل «الشبح خارج القوقعة»، الذي يجمع بين النحت والواقع الافتراضي ويتناول العلاقة بين الهوية المادية والهوية الافتراضية.
وهذان العملان يوضحان طبيعة العلاقة التي يحاول المعرض بناءها بين الإنسان والتكنولوجيا، فالمتلقي لا يقف دائمًا خارج العمل ليتأمله، وإنما يمكن أن يصبح جزءًا من آليته، وتتحول الحركة أو الحضور أو التفاعل إلى عنصر في التجربة الفنية نفسها.
التكرار والعمل والإنسان أمام الآلة
أما المحور الرابع، «التكرار والإيقاع والتجربة الجماعية»، فيذهب إلى منطقة ترتبط بعلاقة الإنسان بالأنظمة المؤتمتة والعمل، وبالطريقة التي يمكن أن يتحول بها التكرار إلى تجربة جسدية واجتماعية، فالآلة تستطيع أن تكرر الفعل بسرعة ودقة، في حين يختبر الإنسان التكرار بوصفه جهدًا ووقتًا وإيقاعًا يوميًا.
ومن خلال هذا المحور يصبح التكرار أكثر من عنصر بصري، فهو طريقة للتفكير في العمل والقدرة البشرية على التحمل، وفي العلاقة المتغيرة بين الإنسان والأنظمة المؤتمتة التي تدخل بصورة متزايدة في تفاصيل الحياة.
من السعودية إلى العالم
من اللافت في «استمرارية 26» أن البرنامج لا يضع الفنانين السعوديين داخل تجربة منفصلة عن المشهد الدولي، بل يضعهم إلى جانب فنانين من مناطق متعددة، وهو ما يسمح بتجاور أسئلة مختلفة حول التكنولوجيا والهوية والمكان والذاكرة.
ومن بين المشاركين السعوديين في أحمد ونجود البواردي، في حين يشارك من مصر عمر عادل ودينا خليل ومنة الشاذلي، وتظهر إلى جانبهم تجارب من آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، بما يجعل الرياض في هذه الدورة نقطة التقاء لممارسات فنية تنتمي إلى سياقات ثقافية مختلفة، لكنها تلتقي عند أسئلة مشتركة فرضتها التحولات التقنية على الفن والحياة.
عام كامل قبل مواجهة الجمهور
ربما تكون إحدى أهم نقاط البرنامج أن الأعمال لم تنتج على عجل من أجل معرض واحد، فالفنانون حصلوا على عام كامل لتطوير مشروعاتهم، وهي مدة تمنح العمل الفني فرصة للبحث والتجريب وإعادة البناء، خصوصًا في الأعمال التي تعتمد على تقنيات تحتاج إلى اختبار مستمر قبل الوصول إلى صورتها النهائية.
وهذا النموذج يجعل «استمرارية 26» نتيجة لمسار يبدأ بالتعليم والإرشاد والإنتاج ثم يصل إلى العرض أمام الجمهور، وهو ما يفسر اهتمام مركز الدرعية لفنون المستقبل بتقديم البرنامج بوصفه جزءًا من بناء منظومة لفنون الوسائط الجديدة، وليس مجرد مناسبة لعرض أعمال رقمية.

الرياض وتجربة فنون الوسائط الجديدة
يقام المعرض في مركز الدرعية لفنون المستقبل، الذي يركز على الممارسات الإبداعية متعددة التخصصات عند تقاطع الفن والعلوم والتكنولوجيا، ويقدم البرنامج نموذجًا يقوم على الجمع بين التعليم والإرشاد والإنتاج والعرض، بما يمنح الفنان الناشئ فرصة لتطوير ممارسة فنية لا تنتمي بالضرورة إلى الحدود التقليدية بين الرسم والنحت والتصوير والفيديو.
وفي هذا النموذج تكتسب التجربة أهمية تتجاوز المعرض نفسه، لأن فنون الوسائط الجديدة تحتاج إلى بيئة تسمح للفنان باستخدام المختبرات والتجهيزات التقنية والعمل مع متخصصين، كما تحتاج إلى وقت للبحث والتجربة، وهو ما يوفره البرنامج قبل وصول الأعمال إلى قاعة العرض.
الفن لا يتنبأ بالمستقبل.. بل يختبره
في النهاية، لا يقدم «استمرارية 26» تصورًا واحدًا للمستقبل، ولا يحاول الإجابة عن السؤال الكبير حول ما إذا كانت التكنولوجيا ستغير الإنسان أم أن الإنسان سيظل قادرًا على التحكم فيها، وإنما يضع هذه العلاقة أمام الجمهور في صور وتجارب وأجساد وأصوات وبيئات رقمية.
فالذاكرة في هذه التجربة ليست مجرد ماضٍ محفوظ، والجسد ليس مجرد حضور مادي، والذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة لإنتاج صورة، والتكنولوجيا ليست مجرد شاشة أو جهاز، وإنما جميعها تتحول إلى موضوعات فنية تتيح للمتلقي أن يرى التحولات التي يعيشها من زاوية مختلفة.
وهذا هو الجانب الأكثر أهمية في المعرض، فالقيمة ليست في أن الفنان استطاع استخدام تقنية جديدة، وإنما فيما استطاع أن يفعله بهذه التقنية، وفيما إذا تمكن من تحويلها من أداة للدهشة إلى وسيلة لطرح سؤال، لأن التكنولوجيا عندما تدخل الفن لا تصبح مهمة لمجرد أنها جديدة، وإنما عندما تجعلنا نعيد النظر في أشياء ظننا أننا نعرفها، من الذاكرة إلى الجسد، ومن الهوية إلى العمل، ومن علاقتنا بالآلة إلى الطريقة التي نفهم بها وجودنا في عالم يتغير بسرعة.
وفي هذا المعنى، يصبح عنوان «استمرارية» مناسبًا لتجربة لا تنتهي عند المعرض، لأن التكنولوجيا تتغير، والفن يتغير معها، لكن الأسئلة التي تضع الإنسان في مواجهة نفسه تظل مستمرة.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.