5 معاهدات تاريخية غيّرت العالم عبر التاريخ من توردسيلاس إلى فرساي

تُعد المعاهدات أكثر من كونها وثائق؛ إنها محطات مفصلية في التاريخ، فأدت المفاوضات التي دارت على طاولة واحدة إلى تغيير مصائر شعوب برمتها، ورسمت خرائط جديدة، وأسست لمفاهيم سياسية ودبلوماسية لا تزال قائمة حتى اليوم، غالبًا ما تكون المعاهدات بين الدول هي نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة، ويتطلب الأمر كثيرًا من الحنكة والذكاء في المفاوضات من أجل الوصول إلى أفضل المزايا وتحقيق أكبر المكاسب من تلك المعاهدات.

وفي هذا المقال، نقدم لك قائمة بأشهر خمس معاهدات كان لها تأثير كبير في تغيير خريطة العالم الذي نعرفه الآن، إضافة إلى بعض المعلومات والأسرار عن تاريخ وظروف هذه المعاهدات والدول المُوقِّعة عليها، في السطور التالية.

وعلى مدار التاريخ، كانت كثير من المعاهدات ذات تأثير كبير، ليس فقط على الدول الموقِّعة على المعاهدة وإنما على مناطق وقارات، وقد يمتد التأثير إلى معظم دول العالم، نقدم لك قائمة بأشهر 5 معاهدات تاريخية، هذه المعاهدات ليست وثائق لإنهاء الحروب فحسب، بل هي لحظات محورية أُعيد فيها رسم خرائط القوة والنفوذ والسيادة في العالم، من تقسيم العالم الجديد بين إسبانيا والبرتغال إلى إعادة بناء أوروبا بعد حروب نابليون والحرب العالمية الأولى، نستكشف كيف أعادت هذه الاتفاقيات بناء العالم الحديث:

1. معاهدة توردسيلاس 1494 تقسيم العالم الجديد

تُعد معاهدة توردسيلاس نوعًا من أنواع التراضي بين البرتغال ومملكة «قشتالة» المعروفة الآن باسم إسبانيا، وذلك بعد الخلافات التي نشبت بين الدولتين على الأراضي التي اكتشفت حديثًا خارج أوروبا.

الخلفية التاريخية لمعاهدة توردسيلاس

كانت رحلات كريستوفر كولومبوس التي أبحر بها تحت رعاية مملكة قشتالة، قد أسفرت عن كثير من الاكتشافات والأراضي الجديدة التي ساد الاعتقاد أنها ستكون مملوكة لإسبانيا، لكن كولومبوس كان قد توقّف في أثناء رحلته في البرتغال، وتحدث إلى ملكها «جواو الثاني» وأخبره عن هذه الاكتشافات وغيرها من الجزر التي ينتظر الإبحار إليها.

وعند هذه النقطة قرر ملك البرتغال أن يستولي على هذه الأراضي المكتشفة، فأرسل رسالة تهديد إلى مملكة قشتالة التي كان يحكمها الملك «فرناندو» والملكة «إيزابيلا»، وقال في رسالته إنه ينوي إعداد أسطول من السفن للاستيلاء على هذه الممتلكات الجديدة، وحينئذ وهنا قررت مملكة قشتالة التفاوض مع ملك البرتغال نظرًا لفارق القوة الكبير بين المملكتين، لا سيما فيما يخص القوات البحرية.

معاهدة توردسيلاس

بنود ونتائج معاهدة توردسيلاس

كان المخرج السياسي هو اقتسام الأراضي الجديدة، فعقد الطرفان معاهدة تحت رعاية البابا «ألكسندر السادس». وبعد توقيع المعاهدة ركّزت إسبانيا على عمليات اكتشاف الأمريكيتين، في حين كانت البرازيل من نصيب البرتغال التي استفادت كثيرًا من هذه الاكتشافات وأصبحت أكثر ثراء، وسيطرت على طرق التجارة مدة طويلة.

2. صلح وستفاليا 1648 ميلاد الدولة القومية الحديثة

يُعد صلح وستفاليا من أهم معاهدات الصلح في تاريخ المعاهدات التي انتهت على أثرها حرب الثلاثين عامًا التي قسمت أوروبا بسبب الصراع الديني بين البروتستانت والكاثوليك. وعلى الرغم من أن المعاهدة كان لها تأثير مباشر على منطقة أوروبا الوسطى والغربية، فإن الصلح كان له تداعيات كبيرة على مستوى العالم من الناحية القانونية والدبلوماسية، فقد أسس عددًا من المبادئ في النظام العالمي مثل مفهوم سيادة الدولة على أراضيها، وحق كل دولة في تبني القوانين التي تناسبها، وفرض النظام الضريبي دون تدخل من أطراف خارجية.

صلح وستفاليا

دارت معظم معارك حرب الثلاثين عامًا في ألمانيا في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وهي مرحلة كانت فيها ألمانيا تعاني من التقسيم والاختلاف بين الإمارات والمدن والإقطاعيات في نظم الحكم والقوانين، ولا يجمعها سوى أنها تتحدث لغة واحدة. وعلى هذا عانت البلاد من الصراعات الطاحنة التي أدت إلى تناقص أعداد السكان بنسبة وصلت إلى الثلث خلال الحرب.

بنود صلح وستفاليا

وفي عام 1648، تم توقيع المعاهدة وإنهاء الحرب في منطقة الإمبراطورية الرومانية المقدسة، واكتسبت المعاهدة أهمية عالمية، إذ نظّمت إلى حد كبير شؤون أوروبا، إضافة إلى إنهاء عصر الإصلاح الديني بتسوية دينية منحت الحرية والمساواة لجميع الطوائف، والتسوية السياسية التي وضعت حدودًا لتدخل الدول في شؤون بعضها، وكانت ألمانيا المستفيد الأكبر من انتهاء الحرب، إذ بدأت عهدًا جديدًا من التنظيم والإصلاح الاجتماعي والاقتصادي.

نتائج صلح وستفاليا

  • حصول سويسرا على استقلالها
  • الاعتراف رسميًّا بدولة هولندا التي استقلت عن إسبانيا والإمبراطورية الرومانية
  • حققت السويد كثيرًا من المكاسب، إذ سمحت لها المعاهدة بالاستيلاء على مقاطعة «بوميرانيا الغربية» ومصبات عدد من الأنهار.
  • نقلت المعاهدة العلاقات الأوروبية إلى المستوى السياسي بدلًا من المستوى الديني، ودفعت كل دولة إلى البحث عن حماية أراضيها وشعبها دون التدخل في حدود الدول الأخرى.

3. معاهدة باريس 1783 استقلال الولايات المتحدة

تُعد معاهدة باريس أقدم معاهدة كان أحد أطرافها الولايات المتحدة الأمريكية وما زالت بنودها قائمة حتى الآن، وهي المعاهدة التي منحت الولايات المتحدة استقلالها، واعترفت بها بريطانيا بعد سنوات طويلة من القتال والمقاومة، وكانت نهاية للحرب الثورية الأمريكية، وعلى إثرها تم رسم الحدود بين الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في أمريكا الشمالية.

معاهدة باريس

وكان الأمريكيون قد بدأوا حرب الاستقلال منذ عام 1775، ودخلوا في صراع كبير مع بريطانيا، وهو ما تضمن دولًا أخرى مثل فرنسا وإسبانيا وهولندا.

ثم بدأت عملية المفاوضات عام 1782، حينما دخلت الولايات المتحدة في نقاش مع بريطانيا من أجل الاعتراف باستقلال الولايات المتحدة وترسيم الحدود، ولِاستغلالِ الحالة التي كانت عليها بريطانيا ورغبتها في إنهاء الحرب من أجل الحصول على عدد من المكاسب.

وقد شملت المفاوضات كلًّا من فرنسا وإسبانيا وهولندا من أجل إنهاء حالة الحرب وحصول كل الأطراف على صفقات مرضية، وهو ما حدث فعلًا، إذ تنازلت بريطانيا لإسبانيا عن مجموعة من الأراضي شرق وغرب فلوريدا، وتبادلت بريطانيا الكثير من الأراضي مع فرنسا، وأعادت بريطانيا كثيرًا من الجزر التي استولت عليها إلى هولندا، وحصلت في المقابل على بعض الامتيازات البحرية والتجارية.

بنود معاهدة باريس

نصت المعاهدة على أن بريطانيا تُقر بأن الولايات المتحدة، بأسماء الولايات التالية، هي ولايات حرة ومستقلة وذات سيادة كاملة، إضافة إلى تنازل التاج البريطاني عن أي حقوق في تلك الولايات، وهي:

نيوهامبشاير، ماساتشوستس، رود آيلاند، كونيتيكت، نيويورك، نيوجيرسي، بنسلفانيا، ديلاوير، ماريلاند، فرجينيا، كارولينا الشمالية، كارولينا الجنوبية، جورجيا.

كذلك، منحت المعاهدة حق الصيد للأمريكيين في مناطق أخرى في خليج سانت لورانس وقبالة سواحل نيوفاوندلاند، إضافة إلى إطلاق سراح الأسرى الأمريكيين وإعادة الأراضي التي تم الاستيلاء عليها دون تعويض.

ومن أجل فهم الموقف البريطاني الذي استغنت فيه عن حقوقها في الولايات المتحدة الأمريكية وأعطت الأمريكيين كثيرًا من الامتيازات، فقد كانت السياسة البريطانية تستهدف خلق أسواق مربحة في أمريكا أمام التجار البريطانيين، وكذلك أن تكوِّن شراكة بين إنجلترا والولايات المتحدة على المستوى التجاري، وقد كانت إنجلترا مرهقة من الحرب على الجبهة الأمريكية، لا سيما مع دخول عدد من الدول في تلك الحرب.

4. مؤتمر فيينا 1815 إعادة بناء أوروبا

على الرغم من أن مؤتمر فيينا لم يكن في حد ذاته معاهدة أو اتفاقية، فإنه شهد عددًا من الاتفاقيات التي خرجت من المؤتمر الذي امتد من سبتمبر 1814 حتى يونيو 1815، وكان له تأثير كبير على قارة أوروبا بعد أحداث الحرب النابليونية وكذلك بعد تفكك الإمبراطورية الرومانية، فقد أدت هذه المعاهدات إلى خريطة سياسية جديدة للقارة العجوز، وكانت فعاليات المؤتمر تشبه كثيرًا ما يحدث الآن في الأمم المتحدة من أجل حل المشكلات بين الدول.

جمع مؤتمر فيينا سفراء الدول الأوروبية تحت رئاسة النمسا بهدف تسوية النزاعات وحل القضايا العالقة بعد أحداث الثورة الفرنسية وما تلاها من حروب نابليون، وكذلك أحداث تفكك الإمبراطورية الرومانية؛ وكانت فرنسا قد استسلمت قبل المؤتمر، وانتهى باستسلامها عصر الحرب الذي استمر أكثر من 25 عامًا، لذا كانت مستعدة للتفاوض.

أطراف مؤتمر فيينا

شهد مؤتمر فيينا عددًا من الجلسات غير الرسمية بين الدول الكبرى مثل فرنسا والنمسا والمملكة المتحدة وروسيا من أجل التوصل إلى اتفاقيات مرضية لجميع الأطراف. وعلى الرغم من اتجاه الدول المنتصرة لاستبعاد فرنسا من المشاركة في الجلسات والمناقشات المهمة؛ فإن المفاوض الفرنسي استطاع التحالف مع مجموعة من الدول الصغيرة مثل البرتغال والسويد وإسبانيا ليحقق وجودًا كبيرًا بين الدول الكبرى.

مؤتمر فيينا

وفي يوم 9 يونيو عام 1815، وُقِّعَ المرسوم النهائي للمؤتمر الذي ضم عددًا من الاتفاقيات التي منحت روسيا عددًا من الأراضي في بولندا وفنلندا، ومنحت مملكة بروسيا أجزاءً كبيرة من ساكسونيا وبولندا. كما نصت الاتفاقيات على إنشاء اتحاد ألماني جديد يضم عددًا من الكيانات الصغيرة التي كانت تابعة للإمبراطورية الرومانية.

نتائج مؤتمر فيينا 

كان من نتائج مؤتمر فيينا:

  • توحيد هولندا تحت نظام ملكي دستوري.
  • استعادة النمسا مجموعة من الممتلكات التي فقدتها في أثناء الحرب.
  • تثبيت ملكية بريطانيا لعدة مستعمرات، ومنها مستعمرة كيب في جنوب إفريقيا وتوباغو وسيلان في آسيا.

أما فرنسا التي فقدت كل الأراضي التي استولى عليها الإمبراطور نابليون، فقد خرجت من مؤتمر فيينا بأقل الخسائر، فقد احتفظت بحدودها الأصلية قبل الحرب، ولم تعاقب العقاب الكبير. وهو ما كان أحد نقاط نجاح المؤتمر الذي جمع الأطراف المنتصرة مع المهزومة، ولم يتخذ إجراءات عقابية قوية تجاه الدول المهزومة.

5. معاهدة فرساي 1919 نهاية قاسية وبداية لحرب أخرى

تُعد معاهدة فرساي التي انتهت على إثرها الحرب العالمية الأولى من الناحية القانونية الدولية إحدى أهم المعاهدات في التاريخ الحديث، وقد جاءت بعد مفاوضات طويلة وشاقة استمرت أكثر من ستة أشهر، وانتهت بفرضِ عددٍ من الالتزامات والخسائر على ألمانيا في صورة تنازلات كبيرة وأجزاء من أراضيها لصالح الدول المنتصرة. وحصلت هذه الدول على عدد من المستعمرات في منطقة المحيط الهادئ وإفريقيا.

معاهدة فرساي

وفي الناحية الأخرى، خسرت الدولة العثمانية كثير من أراضيها في آسيا وإفريقيا، ما أدى إلى انهيارها تمامًا، وهو ما حدث تقريبًا لممتلكات الإمبراطورية النمساوية والمجرية التي توزعت على البلدان المنتصرة في الحرب.

بنود معاهدة فرساي

تضمنت البنود القوية في معاهدة فرساي منع ألمانيا من نظام التجنيد الإجباري، وتجريدها من الأسلحة الثقيلة، وحصر الجيش الألماني في 100 ألف جندي فقط، إضافة إلى التزام ألمانيا بعدم بناء قوات جوية جديدة أو غواصات حربية. كل ذلك إضافة إلى التعويضات المالية الضخمة التي فُرضت على ألمانيا لصالح بعض البلدان، وهو ما كان له دور كبير في تدمير ما تبقى من الاقتصاد الألماني بعد الحرب، وربما كان سببًا في قيام الحرب العالمية الثانية.

كذلك، فقد نتجَ عن معاهدةِ فرساي عددٌ من المعاهدات الجانبية التي وُقِّعت بين عدد من الدول، مثل: معاهدة «سان جيرمان» مع النمسا، ومعاهدة «نُويي» مع بلغاريا، ومعاهدة «تريانون» مع المجر، ومعاهدة «سيفر» مع الدولة العثمانية.

وعلى الرغم من أن الحرب العالمية الثانية كانت أكثر تأثيرًا على أوروبا من الحرب العالمية الأولى، فإن معاهدة فرساي كان لها تأثير على خريطة أوروبا لم يحدث مثله في التاريخ الحديث. إذ عدّّلت المعاهدة الحدود الدولية في وسط أوروبا وشرقها، وأنشأت كثير من الدول الجديدة، وقسّمت كلًّا من المجر والنمسا.

وظهرت على أثرها دول مثل تشيكوسلوفاكيا، وتضاعفت مساحات بعض الدول الصغيرة مثل مملكة صربيا التي أصبحت بعد الحرب يوغوسلافيا، ورومانيا التي زادت مساحتها إلى الضعف بعد استردادها لكثيرٍ من الأراضي نتيجة المعاهدة.

خمسة قرون من الدبلوماسية من التقسيم إلى التوازن

إن هذه المعاهدات تمثل مراحل تطور الدبلوماسية الدولية. ففي حين كانت معاهدة توردسيلاس وثيقة لتقاسم الأراضي المكتشفة، جاء صلح وستفاليا ليؤسس لمفهوم الدولة القومية القائمة على سيادتها، وفي المقابل، حاول مؤتمر فيينا بعد الحروب النابليونية تحقيق التوازن بين القوى المنتصرة والمهزومة لتجنب صراعات مستقبلية.

ولكن، لم تسر الأمور على المنوال نفسه في القرن العشرين؛ فظهرت معاهدة فرساي حالة فريدة من نوعها، فإذا كان هدف مؤتمر فيينا هو احتواء فرنسا المهزومة وإعادة إدماجها، فإن معاهدة فرساي جاءت ببنود قاسية ومذلة هدفت إلى معاقبة ألمانيا معاقبة قاسية، وربما كانت هذه القسوة -ويتفق المؤرخون- هي السبب الرئيس في أسباب معاهدة فرساي ونتائجها التي أدت إلى انهيار الاقتصاد الألماني، ومهدت الطريق لظهور النزعة العسكرية التي أشعلت شرارة الحرب العالمية الثانية.

وفي نهاية هذا المقال الذي تضمن أشهر 5 معاهدات كان لها تأثير كبير على خريطة العالم الذي نعرفه، نأمل أن نكون قد قدمنا لك المتعة والإضافة، ويسعدنا كثيرًا أن تشاركنا رأيك في التعليقات، ومشاركة المقال على مواقع التواصل لتعم الفائدة على الجميع.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.