معاناة الضعفاء وانعدم الرحمة في زمن الفساد

بينما كنت واقفاً على شرفة بيتي العليا المطلّة على المدينة تأمّلت السّماء، فوجدتها صافيةً زرقاء كعادتها تبتسم دائماً في الوجوه، تأمّلت الكون فعجبت من بدائع صنع اللّه، رأيت الشّمس وهي تسطع بضوئها القويّ كأنّما يبارز أمراء الجمال في الحُسن والبهاء.

 داخلني إحساسٌ جميلٌ، شعرتُ بالرّاحة فالاطمئنان، وبينما أنا أنظر إلى السّماء وأسرح بخاطري بعيداً، أطرقت رأسي في الأرض، وإذا بعجوزٍ شمطاءَ أكل الدّهر منها وشرِب وأبلاها وأوهنها وأضعفها تَحمِل كيساً ثقيلاً لا يتحمّله شابٌّ قويٌّ! ولمّا مضت خطوتين وهي تتصبّب عرقاً وتصدر صوت التّعب أتبعتها بنظري فرأيتها تُعطي الكيس لشابٍّ قويّ جالسٍ في دكّانه، وهو بدوره ألقى إليها بضعة نقودٍ فأخذتها العجوز مبتسمةً وفرحةً، ومضت في سبيلها تتخبّط في مشيتها، وأنا أخاف أن يُسقطها مهبّ ريحٍ بسبب وهنها وضعفها.  

لفت انتباهي منظرٌ آخر لطفلٍ صغيرٍ تبدو في وجهه البراءة، وفي ثوبه الوساخة والقذارة، وهو يرقد في الشارع حيث المخاطر هناك حوله.

 كم تفطّر قلبي حين رأيته يتلوّى بلسعات البرد، وكم تفطّر قلبي حين رأيت أحدهم يمشي فتتعثر قدمه بالصّغير فيسقط ثمّ يقف غاضباً وينهال بالركلات والصّفعات علیه وهو يذرف دموع البراءة والنّزاهة والتوجّع!

وكم‌ تفطّر قلبي حين رأيت البعوضات والذبابات تقيم على جسده خيمةً ومأدُبةً، وهي تتحرّك يُمنةً ويسرةً محاولاً إبعادهم ولكن دون جدوی، وكم دُهشتُ حين شاهدت الرّعاية الإلهية لهذا الطّفل فهو رُغم انتشار الوباء إلّا أنّه في صحةٍ جيّدةٍ؛ فلا يشكو من شيءٍ غير الجوع بسبب الفقر!

 لماذا كلّ هذه القسوة والعنف على الضّعفاء والمساكين؟!

 أين الإنسانية وأين الرًحمة على هؤلاء؟!

 لماذا لا نساعد هؤلاء، ونمنحهم شعور الإيجابيّة في الحياة؟ فكم مات أحدهم بسبب أنّه لا يجد لقمةً يسدّ بها جوعه أو دواءً يشفي به علّته، كم هم محرومون ومظلومون ومهمّشون!

إنّ هذه الدّنيا خُلقت لأجل البشرية جمعاء، لم تخصّص للونٍ ولا لفئةٍ معيّنةٍ، ولم تمنح لأحدهم فيها حقّ العيش والاستقرار وتُحرّمه على الآخر، وإنّما قسّم اللّه أرزاقه بين عباده بدرجاتٍ متفاوتةٍ، فأعطى هذا وحرم هذا، كلُّه لحكمته - جلّ علاه - فلو كان النّاس كلّهم أغنياء لصَعُب العيش علينا في هذه الأرض؛ لأنّه حينها يستغني كلٌّ منّا عن الآخر، وسنكون حينها عاطلين عن العمل، ويقوم كلٌّ منّا بالأعمال بنفسه لعدم وجود عمالةٍ لأنّنا كلّنا أغنياء!

 ولو جعل اللّه النّاس أغنياء جميعاً لَما استطاع المريض أن يتخلّص من مرضه لعدم وجود طبيبٍ، ولضاقت أيضاً ساحة الخير والإنفاق في سبيل اللّه لعدم وجود فقراء أو مساكين مستحقي الصّدقات.

ولحكمةٍ أخرى اللّه أعلم وأبصر بها.

فعلينا أن نساعد الضّعفاء لأنّ هذا حقهم، وأموالنا وممتلكاتنا جميعاً مودعةً لنا لحينٍ ولأجلٍ مسمّى قريب، فحين يأتي أجلنا لن نأخذ أيَّ شيءٍ معنا، فالحياة قصيرةٌ، كظلٍّ يظلّك قليلاّ ثمّ يزول عنك. 

والأغنياء والفقراء كلّهم سواسيةٌ كأسنان المشط في أخذ الأجر والثواب من عند اللّه.

ألا يحزنك أيّها الغنيّ المتنعّم قول النبيّ: إنّ الفقراء هم أكثر أهل الجنة؛ فلا تستهن بأيّ معدومٍ فلربما لك الدّنيا التي هي دار الفناء وله الآخرة التي هي دار القرار.

جُل الأنبياء وأصحاب العظمة في التّاريخ كانوا من صنف الفقراء، ومع ذلك إن تصفّحت كتب التاريخ ستجدهم في القمّة؛ إذن لا تستهن بالفقراء فلو أرادوا الدّنيا لأعطاهم اللّه إيّاها ولأكثروا منها، لكنّ القناعة كنزٌ لا يفنى، فقناعتهم هي ما تحول بينهم وبين الثراء والغنى.

يقول تعالى في سورة النحل: "مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ* أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُون).

أيّها الغنيّ، لا يرحم الله من لا يرحم، فإن ملأت بطن جائع فهو أفضل من ألف استغفارٍ، وإن كسوت عارياً فهو خير لك.

 فطهّروا أموالكم بالصّدقة ومساعدة المحتاجين. 

مترجم وكاتب وباحث وطالب علم

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

مترجم وكاتب وباحث وطالب علم