معارك وجودية خفية في أحداث الحياة اليومية

كثير ما تنشأ معارك وأحداث يومية قد تمس إحساسنا بوجودنا فنستشعر الخطر أو عدم الارتياح وكأن هناك حساس تلقائي في إدراكنا وظيفته الأساسية هي تأمين وجودنا عن طريق إعطاء إشارات لوعينا كلما تهدد هذا الوجود. وتضم الأحداث طيفا كبيرا من الأفعال.. ويشبه هذا الطيف الموجي للضوء الذي تتراوح درجاته بين الموجات القصيرة حتى تصل للموجات الكبيرة. فمثلا يمكن أن يبدأ عمل هذا الحساس عندما يمر عليك صديق أو زميل في الطريق فيتظاهر بعدم رؤيتك. فسرعان ما تذهب إليه تعاتبه لأنه لم يلقي عليك تحية الصباح. فما أهمية هذه التحية سوى الشعور أنك موجود في وعي هذا الإنسان وبالتالي فأنت موجود.. وهذا السلوك قد يسبب لك ضيقا وحنقا لأنه يتجاهل وجودك. ويمكن أن يتطور هذا الحدث مع أحد الرؤساء الذي تذهب إليه في مشكلة تريد منه الحل فإذا به قد يتجاهل وجودك أو لا يظهر أي رد فعل لطلبك وكأنك غير موجود تماما. . وقد تستاء من هذا الفعل أكثر من رد الفعل السلبي الذي يضايقك أيضا بلا شك ولكنه لا ينفي وجودك. فإذا كان رد الفعل سلبيا فأنت ربما تضع هذا الشخص في خانة معينة... فقد يكون على حق أو على غير حق في رد فعله السلبي.. أما الشخص الذي يتجاهل وجودك فلن تبادله حبا أو كرها ولا تملك حياله إلا التجاهل المتبادل. وهذا ربما يكون أسوأ قرار وأسوأ نهاية لعلاقة إنسانية. فالتجاهل المتبادل يعدم كلا الشخصين في وعي الآخر وهذا الإعدام سيكون له تأثرا سلبيا على الطرفين ثم على المجتمع الذي يضمهما. . الطريف في الأمر أن بداية التجاهل قد تكون مقصودة لسبب تافه جدا.. أو قد لا تكون مقصودة البتة. . ولكن في جميع الأحوال فرد فعل الطرف الآخر سيكون بالمثل. . ومن هنا تبدأ صراعات عدم الاحترام أو التجاهل العمدي ويستمر الدوران في دائرة مغلقة رغم أن البداية ربما كانت نقطة مظلمة أو نظرة عمياء.. إنه جد شعور كئيب عندما تجد البعض يتجاهلونك عمدا أو كمدا..

وإذا ابتعدنا عن هذه الأحداث البسيطة تجدنا في أي حدث اجتماعي معرضين لصراعات وجودية خفية وكأننا حقا في عراك وجودي دائم. أحيانا لا نحس بهذا الصراع الوجودي عندما يكون هناك اتفاق سلام غير معلن بين أعضاء المجتمع الصغير بحيث يحترم الجميع وجود بعضهم البعض أي أن هناك علاقات توازنية تظلل هذا المجتمع وتحفظ للجميع إحساسهم بوجودهم. فكثيرة هي الأحداث التي نسعى من خلالها لتجاهل الآخرين سواء قصدا أو عفوا. .

ومن السلوك المرضي حقا أن البعض لا يجد وسيلة لإثبات وجوده إلا عن طريق إثبات فشل الآخر وغياب قيمته بدلا من أن يحاول الفرد إتيان عمل يثبت به قدراته وتأثيره.. وهذا السلوك المرضي لا يفتأ عن مهاجمة وتحقير الآخرين وتسفيههم أو إثارة الإشاعات عنهم وكأنه في حرب دائمة لقتلهم معنويا إن لم يجد الوسيلة لإيذائهم بدنيا..

فكيف نصل وسط هذا السياق لمجتمع التوازن لنفسي الذي لا يسعى أفراده إلي تجاهل بعضهم البعض والإساءة للآخرين أو نزع القيمة والمكانة والاعتبار عن الأقران.؟ ؟ ؟

. البداية تبدأ من القناعة بأن المجتمع الذي يلقي كل أفراده الاحترام الكريم هو المجتمع الآمن الذي لن يلفظك أنت يوما ما. . . فالمجتمع الذي يلفظ بعض أفراده اليوم.. قد يلفظ الآخرين غدا عندما تتغير موازين القوى... لذا فإن المجتمع الذي يبني على احترام الجميع. . الصغير والكبير.. القوي والضعيف... الفقير والغني.. علي نفس القدر من الاهتمام.. هو المجتمع الذي تأمن إليه في قوتك وضعفك... في كبرك وصغرك.. في فقرك وغناك... وإذا استتب هذا الشعور فلن تخاف تقلب الزمن.. ولن تخشي الضعف أو الفقر أو التلاشي... وإذا زال الخوف ظهر الإنسان بكل قدراته وإبداعاته ولكان دائما في حراك للأمام يحس حقا سعادة وجوده وأمن مستقبله. كما أن الوجود الفعال لهذا الإنسان سيكون له حتما عائدا فعالا على كل المجتمع الذي يحتويه..

الكاتب نشأ وتربي في مدينة السويس الباسلة الواقعة علي البحر الأحمر بحمهورية مصر العربية حيث كان يستمتع يوميا بمشاهدة أمواج البحر ومن خلفها سماء صافية وآفاق شاسعة وما تتمخض عنه من سفن تأتي من الأفق البعيد المجهول...فكانت البيئة التي عاش فيها موحية وملهمة له كي يحاول المساهمة في إكتشاف هذا العالم فنهل من الثقافة الأدبية والعلمية المتوافرة في ذلك الزمن البعيد والتي كانت ذاخرة بثقافات غنية تمخضت عنها حركة التنوير المصرية والعربية في بداية ومنتصف القرن العشرين.....وعاصر الكاتب أربع حروب 1948و 1956و 1967 و1973 فكانت الأولي هو موعد ولادته والثانية طفولته والثالثة بداية الشباب والرابعة عنفوان الشباب فاحتلت قضايا الوطن مكنون وجدانه. وفي سنوات بداية الشباب تنازعته الإهتمامات العلمية وفيضان الإبداع الأدبي ولكنه قرر أن يبقي علي الإثنين علي أن تصبح مهنته العلم وعاطفته هي الأدب بحيث يبق العلم علي السطح الظاهر ويبقي الأدب والفلسفة في الباطن والوجدان...وبحكم العمل في ميدان العلم كباحث وأستاذ في علم الكيمياء الحيوية كان الوقت يستهلك تماما في النشاط العلمي ولكن الأدب والفلسفة والقضايا العامة يحتل الوجدان دائما كبركان أو نبع ماء أرضي تحت السطح الساخن..لذا عندما سنحت الفرصة للكتابة كان لديه الكثير لما يريد البوح به لأقرانه ولتلاميذه وللأجيال القادمة..فقد بدأ ينشر مقالات كثيرة علي صفحات التواصل الإجتماعي علها تنقل الأفكار الدفينة التي عاشت غالبا تحت السطح تبحث عن الفرصة المناسبة للتدفق كي تتفاعل مع العقول الجميلة في بلادنا الجميلة... الكاتب هو أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة الزقازيق ويدين بالفضل لجامعة عين شمس التي إحتضنته طالبا وأهلته لهذا الدور بكثير من الإعداد والتوجية..

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

نبذة عن الكاتب

الكاتب نشأ وتربي في مدينة السويس الباسلة الواقعة علي البحر الأحمر بحمهورية مصر العربية حيث كان يستمتع يوميا بمشاهدة أمواج البحر ومن خلفها سماء صافية وآفاق شاسعة وما تتمخض عنه من سفن تأتي من الأفق البعيد المجهول...فكانت البيئة التي عاش فيها موحية وملهمة له كي يحاول المساهمة في إكتشاف هذا العالم فنهل من الثقافة الأدبية والعلمية المتوافرة في ذلك الزمن البعيد والتي كانت ذاخرة بثقافات غنية تمخضت عنها حركة التنوير المصرية والعربية في بداية ومنتصف القرن العشرين.....وعاصر الكاتب أربع حروب 1948و 1956و 1967 و1973 فكانت الأولي هو موعد ولادته والثانية طفولته والثالثة بداية الشباب والرابعة عنفوان الشباب فاحتلت قضايا الوطن مكنون وجدانه. وفي سنوات بداية الشباب تنازعته الإهتمامات العلمية وفيضان الإبداع الأدبي ولكنه قرر أن يبقي علي الإثنين علي أن تصبح مهنته العلم وعاطفته هي الأدب بحيث يبق العلم علي السطح الظاهر ويبقي الأدب والفلسفة في الباطن والوجدان...وبحكم العمل في ميدان العلم كباحث وأستاذ في علم الكيمياء الحيوية كان الوقت يستهلك تماما في النشاط العلمي ولكن الأدب والفلسفة والقضايا العامة يحتل الوجدان دائما كبركان أو نبع ماء أرضي تحت السطح الساخن..لذا عندما سنحت الفرصة للكتابة كان لديه الكثير لما يريد البوح به لأقرانه ولتلاميذه وللأجيال القادمة..فقد بدأ ينشر مقالات كثيرة علي صفحات التواصل الإجتماعي علها تنقل الأفكار الدفينة التي عاشت غالبا تحت السطح تبحث عن الفرصة المناسبة للتدفق كي تتفاعل مع العقول الجميلة في بلادنا الجميلة... الكاتب هو أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة الزقازيق ويدين بالفضل لجامعة عين شمس التي إحتضنته طالبا وأهلته لهذا الدور بكثير من الإعداد والتوجية..