لما طال الكلام عن الحسد في الآونة الآنية، وذاع صيته وانداح في صدر الرياح العاتية، وأطنب الخلق فيه وما أوجزوا، ونثروا فيه وأرجزوا، وألحقوا به كل شر، واتهموا به كل فاجر وبَرّ، فشكىٰ ذلك لباريه، ووقف الحسد عند قاضي السماء مظلوما، ولم أره قبل هذا اليوم إلا ظالماً وغشوماً، كان لزاماً علينا بعد حمد الله ربّ العالمين والصلاة والسّلام على نبيه الأمين أن نقول:
اعلم يا أخي -عَلََّمك الله- أنه ما من مصيبة في الأرض ولا في النفس إلا في كتاب من قبل أن يبرأها الله، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن النصر مع الصبر، وطريق اليأس إلى القبر، وأن مع العسر يسرا، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وأنه بما كسبت يداك، وما اجترحت يمناك، ويعفو الله عن كثير، ويغضي بالجميل، وأن ما تجاوز غيرك إليك اليوم وأنت لاهٍ، كثيرًا ما قد تجاوزك إلى غيرك وأنت مباهٍ.
وإن كان السهم الذي في سويداء مهجتك، لم يخرج إلا من جعبتك، فمن باب أولىٰ ألا تنشغل ببغض حاسدك، ولكن تحصن بالأذكار، وبما تجده في سنن المختار، فهو أنفع لك وأنجع.
وتذكر -فإن الذكرى تنفع المؤمنين- أن الشجرة لا تُقذَف بالحجر، إلا لما فيها من الثمر، كذلك الإنسان كلما كثر نَفعُه ودواؤه، كثر داؤه وأعداؤه، فاستغل الحجر الذي يلقمك إياه عدوك لتخبو، وقف عليه لتعلو، وما أفضلَ ما قلتُه في ذلك حين قلتُ:
أَتَرىٰ أناساً يحسُدونك خِلسةً
-عند الزَّوايا كالنِّساء لدىٰ الحُجُبْ.
دَعْهُمْ فأنتَ إلىٰ السَّماءِ بحِقْدِهم
-تَعلُو كَيوسُفَ إذ عَلا مِن قَعْر جُبّ.
ولا أريد إحاطةً بالأمر أجمع، فخير من إحاطة الذراع إشارة أصبع، فلا أطيل عليك والسلام..
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.