مظاهر الحياة الثقافية في بلاط سيف الدولة

استولى سيف الدولة على مدينة حلب السورية عام 944م بعد أن انتزعها من أحد قادة الإخشيد، سيد مصر، فأرسل له الإخشيد جيشًا كبيرًا بقيادة كافور، فالتقى الجمعان في مدينة حمص، فانهزم كافور وتبعه سيف الدولة إلى دمشق، وحصلت معركة انهزم فيها سيف الدولة، وجرى الاتفاق بين الطرفين على أن تبقى مدينة دمشق وما في جنوبها بيد الإخشيديين، ويأخذ سيف الدولة حلب وحمص وأنطاكية.

أدباء وشعراء في قصر الحلبة

جمع سيف الدولة في "قصر الحلبة" خيرة رجال الثقافة، واجتمع في بلاطه الأدباء والشعراء واللغويون والنحويون والموسيقيون.

وكان سيف الدولة يسهم في مناقشاتهم، وكانت هذه الاجتماعات تشبه ما كان يجري في زمن هارون الرشيد وابنه المأمون، وقد قصد المتنبي سنة 948م مدحه بقصائد خلدت ذكراه مدى الدهر.

اشتهر من الشعراء ابن عم سيف الدولة أبو فراس الحمداني والشاعر النامي، والسلامي، وابن نباتة السعدي وغيرهم. واشتهر من مؤرخي الأدب أبو الفرج الأصفهاني الذي كتب لسيف الدولة كتاب الأغاني وقدمه له، فكافأه سيف الدولة عليه بألف دينار.

واشتهر من النحويين ابن خالويه وابن جني، واشتهر الفارابي بالموسيقى، الذي كان يعيش بأربعة دراهم في اليوم يأخذها من خزينة سيف الدولة، وغيرهم الكثير.

مدح سيف الدولة

ابن خالويه عدو أبي الطيب المتنبي في حلب، وهو الحسين بن أحمد بن خالويه بن حمدان، أبو عبد الله النحوي. ويُلقَّب بـ"النونين" لأنه كان يمد نون (الحسين) و(ابن) في آخر كتبه، ومولده في عام 898م في بلاد فارس، انتقل إلى الشام مارًا بالموصل وميّافارقين، ثم حمص، واستقر بحلب في عام 946م.

وقال القاضي ابن خلكان: "انتقل إلى الشام واستوطن حلب، وصار بها أحد أفراد الدهر في كل قسم من أقسام الأدب، وكانت إليه الرحلة". وتوفي في عام 980م.

نشأ ابن خالويه حريصًا على طلب العلم، مكبًّا على الإفادة، شغوفًا، يشهد مجالس العلماء، ويحضر منتديات الأدباء.

وكان لابن خالويه عناية بتقييد الفوائد عن الشيوخ ونسخ مؤلفاتهم وتدبرها ثم التعليق عليها بما يراه.

أخذ ابن خالويه العلم من علماء اللغة والنحو، وهم من مشاهير نحاة زمانهم، أخبارهم مستفيضة، وذكرهم منتشر واسع.

ويظهر أن ابن خالويه كان محبًّا في الإكثار من الشيوخ، كثير المباهاة بهم، وكان يزاحم مشاهير نحاة عصره ليتسنم ذروة المجد أمام الفارسي، وابن جني، وأبي الطيب اللغوي، وأبي الحسن الرماني وأضرابهم، ويضرب بسهم في منازلتهم في الساحات العلمية، والمجالس الأدبية والنقدية.

ويبدو أن غربته عن وطنه، سواء في العراق أو الشام، ثم صلاته الاجتماعية بعد ذلك، هيأت له الحرص على الطلب، والدأب على حضور مجالس العلم، مع ما تمتع به من الذكاء واللياقة واللباقة والحنكة، والدربة على مساءلة الشيوخ.

تمجيد البطولة في بلاط سيف الدولة

أنشد أبو الطيب المتنبي في مدح سيف الدولة مشيدًا بنصر الحدث:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم *** وتأتي على قدر الكرام المكارم

وتعظمُ في عين الصغير صغارها *** وتصغر في عين العظيم العظائم

يكلف سيف الدولة الجيش همه *** وقد عجزت عنه الجيوش الخضارم

ويطلب عند الناس ما عند نفسه *** وذلك ما لا تدعيه الضراغم

هل الحدث الحمراء تعرف لونها *** وتعلم أي الساقيين الغمائم

سقتها الغمامُ الغُرُّ قبل نزوله *** فلما دنا منها سقتها الجماجم

بناها فأعلى والقنا تقرعُ القنا *** وموجُ المنايا حولها مُتلاطِمُ

أفي كل يوم ذا الدُّمستُقُ مقدمٌ *** قفاهُ على الإقدام للوجه لائمُ

ألا أيها السيف الذي لست مُغمدا *** ولا فيك مُرْتابٌ ولا منك عاصمُ

هنيئًا لضرب الهام والمجد والعُلا *** وراجيك والإسلام أنك سالم

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة