الحروب لا تحتمل أيّ نوع من التهريج، فقدرتك الجسدية على الاستهزاء بمعاناة إنسانٍ أياً كان ميوله أو معتقداته، وقدرتك النفسية على مشاركة ذلك الاستهزاء ليس مبرراً لك.
الحروب هي دمار نفسي وجسدي ليس لمجرد الأرض وإنما للإنسانية، فخروجك من ساحة الحرب جندياً وأنت تشاهد جثث وأشلاء أصدقائك ليس بالأمر الهين، وإذا كنت مدنياً فرؤية أهلك يفتقرون لصدقة تؤمن لهم يوماً دون صرخة جوع أو عطش ليس بالأمر الهين، الحرب خراب أياً كانت مقاييسها وقوانينها، أيّاً كان موقعها فهي دمارٌ للإنسانية، أنت نفسك لا تقوى على مشاهدة أفلام الحروب، ورؤية تلك الجثث من خلف الشاشات، أنت تعلم أنها ليست حقيقة، فما بالك لو كان الأمر هو لأحد أصدقائك أو أسرتك، واسألوا أهل الطب فهم أكثر من يعلمون معنى خروج الروح دون قدرتك على استرجاعها أو حتى منعها.
ربما يُمحى هذا الاستهزاء إذا وقفت أمام إنسان يلفظ روحه الأخيرة، وربما كانت تلك من أصعب الأشياء التي حدثت أمامي شخصياً، فالأمر لا يدعو للسخرية، وليس من شأننا التعاطف مع جانب ضد الآخر بعيداً عن أن كلماتك لن تهم أحداً، ولن تصل لأحد، ولكن يمكنك اختزال تلك الكلمات في سبيل التعاطف مع أرواح بشر على وشك أن تُزهق دون سبب يدعو لذلك.
ولنا في سوريا حكايات، فما رأيناه في إخوتنا السوريين والفلسطينيين ربما يدعونا لاحترام معنى الإنسانية للمسلم والمسيحي ومن ليس له ملة على الإطلاق.
يودع الجنود زوجاتهم وأبنائهم، ثم يرحلون إلى الموت المُقدم، يعلم أنها رحلة ذهاب بلا رَجعة، ولكنه ما زال يمتلك ذلك الأمل بالحياة، ذلك الأمل أن تبقى روحه عالقة بذلك الطفل الصغير، ذلك الطفل الذي سيُحكي له عن والده الذي مات في الحرب، حرب سيقرأ عنها في كتب التاريخ، حرب ربما لا يتذكرها حين يكبر، ولكنه ما زال يحيا على أثرها حتى اليوم، كل يوم يستيقظ لينظر إلى صورة ذلك الرجل الذي يرتدي بزته الخضراء التي التقط بها صورته الأخيرة وهو يحمله بين كفيه، كان يعلم أنها الصورة الأخيرة لهما، ربما لو لم تنشب تلك الحرب لما شاب شعر أمه وما تحملت تلك المسؤولية كلها على عاتقها، ربما لم يكن على ذلك الطفل أن يعمل منذ سن الخامسة عشر حتى يساعد أمه في مصاريف عيشها، ربما أكمل تعليمه الجامعي، ربما استطاع أن يحيا على أرضه التي سمع عنها ولم يرها حتى اليوم. قصة تعددت أسماء أصحابها بين محمد وأحمد وجورج وتشيكوف، ما زال ذلك الأثر عالقاً بعقول وقلوب هؤلاء الأطفال الذين فقدوا كل شيء منذ صغرهم.
أشخاص قد يحمل بعضهم سلاح السلام تنديداً بظلام الحروب حتى لا يحظى غيرهم بما حظوا به، وربما يحمل آخرون سلاحاً نارياً لاسترداد حق ذلك الرجل الذي يراه في الصورة ولم يره علانية حتى اليوم.
فلن يكون حلمك أن تتزوج من روسية أو أوكرانية صفراء، وتحيا معها على أثر حرب، لن تكون أنت سعيد الحظ الذي يرغب بالزواج من لبنانية أو سورية أو فلسطينية تجيد طهي ورق العنب والشاورما، فهؤلاء قد ذاقوا مرارة الموت آلاف المرات، ليس لأنهم لا يمكنهم تمثيل دور الزوجات، بل لأنك لن تكون الرجل في هذه العلاقة، فكفانا استهزاءً بأحزان الآخرين.
وأنا شخصياً أتمنى السلامة لكل شعوب العالم ما عدا شعب واحداً نعلمه جيداً، فالقاتل سيُقتل ولو بعد حين.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.