70 عامًا من العلاقات الثقافية بين مصر والصين: كيف بدأت الحكاية؟

حين نحتفل بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين، فإننا لا نحتفل فقط بتاريخ سياسي بدأ رسميًا في الثلاثين من مايو عام 1956، وإنما نستعيد حكاية أقدم من ذلك، حكاية تشكلت عبر التعليم واللغة والكتاب والترجمة، ثم اتسعت تدريجيًا لتشمل السينما والفنون والمتاحف والمعارض والوفود الثقافية.

ولذلك فإن الحديث عن 7 عقود من العلاقات المصرية الصينية لا يمكن أن يبدأ من مكاتب الدبلوماسيين وحدها، بل من الأماكن التي بدأ فيها المصريون والصينيون يتعرف بعضهم إلى بعض، وفي مقدمتها الأزهر الشريف، الذي كان أحد الجسور المبكرة التي عبر من خلالها الطلاب والمبعوثون الصينيون إلى مصر.

وتشير المصادر المصرية والصينية إلى وصول أول بعثة تعليمية صينية إلى مصر للدراسة في الأزهر عام 1931، ثم اتخذ هذا التواصل صورة أكثر تنظيمًا في العام التالي، عندما أُنشئ قسم خاص لاستقبال المبعوثين الصينيين، وهو ما يكشف أن المعرفة المتبادلة لم تكن وليدة اللحظة التي أقيمت فيها العلاقات الدبلوماسية، وإنما كانت قد بدأت قبلها بسنوات طويلة، من خلال طلاب جاءوا إلى القاهرة ليتعلموا، وعلماء انفتحوا على ثقافة مختلفة، وكتب انتقلت من لغة إلى أخرى، وبدا معها أن المسافة الجغرافية الكبيرة بين القاهرة والصين يمكن اختصارها عندما تصبح اللغة والتعليم وسيلتين للقاء.

وتتجلى أهمية البدايات الثقافية، فالسياسة تستطيع أن تعلن قيام علاقة بين دولتين، لكنها لا تستطيع وحدها أن تصنع معرفة حقيقية بين شعبين، أما الطالب الذي يعيش في بلد آخر، والمترجم الذي ينقل كتابًا، والفنان الذي يقدم عملًا لجمهور لا يعرف لغته، والكاتب الذي يحاول أن يجعل القارئ يرى عالمًا بعيدًا من خلال الكلمات، فكل هؤلاء يصنعون علاقة أكثر هدوءًا، لكنها أكثر عمقًا واستمرارًا، لأنهم ينقلون الإنسان إلى الإنسان قبل أن تنقله الاتفاقيات من حكومة إلى حكومة.

1956: عندما أصبحت العلاقة الثقافية جزءًا من علاقة أكبر

في الثلاثين من مايو عام 1956، أقامت مصر والصين علاقاتهما الدبلوماسية رسميًا، وكانت مصر أول دولة عربية وإفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع جمهورية الصين الشعبية، ومنذ تلك اللحظة دخل التواصل بين البلدين مرحلة جديدة، لم يعد فيها التبادل الثقافي مجرد مبادرات متفرقة أو صلات تعليمية، وإنما أصبح جزءًا من علاقة رسمية تتسع بمرور السنوات وتشمل مجالات متعددة.

ومع ترسخ العلاقات الرسمية، أخذ التعاون الثقافي أشكالًا أكثر تنظيمًا، فدخل التعليم والفنون والسينما والإعلام وتبادل الوفود ضمن مسارات التعاون بين البلدين، وأصبح التعريف بالثقافتين المصرية والصينية جزءًا من الصورة العامة للعلاقة، ولم يعد المواطن في القاهرة يتعرف إلى الصين من خلال الصور البعيدة وحدها، كما لم تعد مصر بالنسبة إلى الجمهور الصيني مجرد بلد قديم على ضفاف النيل، وإنما بدأت كل دولة تظهر للأخرى على أنها مجتمع حي له أدبه وفنونه وذاكرته وتجاربه الحديثة إلى جانب تراثه الحضاري.

وأهم ما يميز هذه المرحلة أن الثقافة لم تكن منفصلة عن التاريخ، فمصر والصين تنتميان إلى حضارتين قديمتين، لكن التشابه في قدم الحضارة لا يعني التشابه في التجربة، ومن هذا المنطلق جاءت الثقافة لتفتح مساحة للتعرف إلى الاختلاف، فالهدف الحقيقي من التبادل الثقافي ليس أن يكتشف كل شعب أنه يشبه الآخر تمامًا، وإنما أن يفهم كيف استطاع شعب آخر أن يصوغ حياته وأسئلته وفنونه من داخل تجربته الخاصة.

من صورة الصين البعيدة إلى الصين التي عرفها القارئ العربي

كانت صورة الصين في الوعي العربي على مدى زمن طويل مرتبطة بما يصل من أخبار بعيدة عن بلد ضخم، وبما ترويه كتب الرحلات والحكايات عن سور الصين العظيم والحرير والخزف والغرائب، لكن هذه الصورة بدأت تتغير تدريجيًا عندما أصبح الأدب الصيني حاضرًا في الترجمة العربية، وأصبح القارئ العربي قادرًا على الاقتراب من الإنسان الصيني لا على أنه شخصية بعيدة في كتاب عن بلد غريب، وإنما على أنه بطل يعيش الحب والخوف والفقد والحلم والصراع مع الحياة.

ومع هذا التحول، ظهرت أهمية الترجمة بما يتجاوز كونها مجرد عملية لغوية، فالترجمة الأدبية تعيد بناء عالم كامل في لغة أخرى، والمترجم لا ينقل الكلمات وحدها، وإنما ينقل العادات والإشارات الثقافية وطريقة التفكير والإحساس بالمكان والزمان، ولذلك فإن كل كتاب صيني يصل إلى القارئ العربي يمكن أن يكون نافذة جديدة، وكل عمل عربي يترجم إلى الصينية يمكن أن يمنح القارئ الصيني فرصة لرؤية مصر بعيدًا عن الصور السياحية أو الأخبار السياسية.

وقد شهدت العقود الماضية نموًا في حركة الترجمة بين العربية والصينية، وإن كان المتخصصون يرون أن هذه الحركة لا تزال بحاجة إلى مشروعات مؤسسية أكثر اتساعًا واستدامة، وهو ما أشار إليه الباحث والأكاديمي محسن فرجاني في حديث له عن العلاقات المصرية الصينية، عندما أكد أن تاريخ الترجمة من الصينية إلى العربية ما زال أقل امتدادًا من تاريخ الترجمة العربية من لغات أوروبية أخرى، وأن تطوير هذا المسار يمكن أن يمثل أحد أهم مجالات التعاون الثقافي في المستقبل.

الترجمة: الجسر الذي لا يكتفي بنقل الكلمات

ربما لا يوجد مجال يكشف معنى العلاقة الثقافية بين القاهرة وبكين مثل الترجمة، لأن الترجمة تبدأ في المكان الذي تنتهي فيه معرفة الإنسان بلغته وحدها، وحين يترجم الأدب الصيني إلى العربية، فإنه لا يقدم للقارئ المصري والعربي معلومات عن الصين فحسب، بل يمنحه فرصة لرؤية العالم من زاوية مختلفة، وحين ينتقل الأدب المصري والعربي إلى الصينية، يحدث الأمر نفسه في الاتجاه الآخر.

والأدب تحديدًا يستطيع أن يصل إلى مناطق لا تصل إليها البيانات الرسمية، فالقارئ الذي يقرأ رواية عن أسرة صينية قد لا يتذكر بعد سنوات اسم المؤسسة التي نشرت كتابًا عن الصين، لكنه قد يتذكر الشخصيات والمشاعر والمواقف التي جعلته يشعر بأنه عاش ساعات داخل بيت في مدينة صينية، وهذه هي القوة الحقيقية للأدب: أنه يحول الثقافة من معلومة إلى تجربة.

ولهذا فإن المستقبل الثقافي للعلاقات المصرية الصينية لا يحتاج فقط إلى زيادة عدد الكتب المترجمة، وإنما يحتاج أيضًا إلى اختيار أعمال تستطيع أن تقدم صورة حقيقية ومتنوعة عن المجتمعين، وأن تفتح المجال أمام الأدب المعاصر إلى جانب التراث، وأن تمنح الأجيال الجديدة فرصة للتعرف إلى الصين ومصر من خلال أصوات كتاب وفنانين ينتمون إلى أجيال مختلفة.

السينما: حين تتحول الصورة إلى لغة مشتركة

إذا كانت الترجمة تجعل القارئ يعبر إلى ثقافة أخرى عبر الكلمات، فإن السينما تمنحه فرصة العبور عبر الصورة، ولذلك كان المجال السينمائي أحد المسارات المهمة في العلاقات الثقافية المصرية الصينية، فالفيلم يستطيع أن يقدم المدينة والشارع والبيت والملابس والموسيقى والعلاقات الإنسانية في وقت واحد، ولذلك فإن مشاهدة فيلم من ثقافة مختلفة يمكن أن تكون في حد ذاتها تجربة ثقافية متكاملة.

وفي السنوات الأخيرة شهد التعاون السينمائي بين البلدين تطورات جديدة، ولم يعد الأمر مقتصرًا على عرض الأفلام الصينية أمام الجمهور المصري أو إقامة أسابيع سينمائية، وإنما بدأ يأخذ شكلًا أكثر مؤسسية، وفي سبتمبر 2026 تبادل مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومجموعة الصين للإعلام نسختي مذكرة تفاهم لتعميق التعاون السينمائي، وذلك خلال احتفال أقيم في القاهرة بمناسبة مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين.

وتكشف هذه الخطوة عن اتجاه مهم، وهو الانتقال من مرحلة التعريف بالسينما إلى مرحلة التعاون في صناعتها وتبادل الخبرات حولها، فالسينما اليوم ليست مجرد أفلام تعرض في المهرجانات، وإنما صناعة ضخمة تشمل التدريب والإنتاج والتوزيع والتقنيات الجديدة والإعلام والمنصات الرقمية، ومن ثم فإن التعاون المصري الصيني في هذا المجال يمكن أن يفتح مساحات واسعة أمام أجيال جديدة من صناع السينما.

كما شهد التعاون في مجال الأفلام الوثائقية اهتمامًا متزايدًا، مع اتجاه إلى إنتاج أعمال تتناول التاريخ والتجارة وحركة البشر والثقافات المشتركة، وهي موضوعات تجعل الكاميرا أداة للبحث في العلاقات الإنسانية، لا مجرد وسيلة لتسجيل الأحداث، فالوثائقي عندما يذهب إلى الأماكن ويستمع إلى الناس ويستعيد الذاكرة يمكن أن يصنع أرشيفًا بصريًا للعلاقة بين البلدين.

2016: عام الثقافة المصرية الصينية

إذا كانت سنة 1956 هي لحظة تأسيس العلاقات الدبلوماسية، فإن عام 2016 كان من أبرز محطات الاحتفاء الثقافي بهذه العلاقة، فقد خصص البلدان العام ليكون عامًا للثقافة المصرية الصينية، بالتزامن مع مرور ستين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية، وشهدت تلك المناسبة برنامجًا واسعًا من الأنشطة الثقافية والفنية.

وكان اختيار عام للثقافة يحمل دلالة مهمة، لأنه وضع الثقافة في قلب الاحتفال بالعلاقة بين البلدين، فلم تعد الثقافة مجرد نشاط مصاحب للسياسة والاقتصاد، وإنما أصبحت وسيلة للتعبير عن عمق العلاقة نفسها، وفي هذا الإطار جاءت الفعاليات الفنية والمعارض والأنشطة التي هدفت إلى تعريف الجمهور في كل بلد بثقافة البلد الآخر.

وكانت تلك التجربة بمثابة تأكيد على أن العلاقات التي تمتد 6 عقود تحتاج إلى تجديد أدواتها باستمرار، لأن كل جيل جديد يحتاج إلى أن يكتشف العلاقة من جديد، وما كان مناسبًا لجيل عاش في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي قد لا يكون كافيًا لجيل يعيش عصر الإنترنت والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي.

القاهرة وبكين: حضارتان تلتقيان من جديد

من أجمل الصور التي ظهرت في فعاليات عام 2026 ذلك الاهتمام بحوار الحضارات، ففي يونيو، استضاف المتحف القومي للحضارة المصرية بالقاهرة منتدى للتبادل الثقافي المصري الصيني بعنوان «الحوار بين حضارات المدن القديمة، القاهرة ـ هانغتشو»، بمشاركة مسؤولين وخبراء وباحثين وممثلين عن جامعات ومراكز فكرية من البلدين، وركز المنتدى على أصول الحضارات ودور المتاحف ونشر المعرفة والتأمل في التاريخ.

وهذه الفكرة تتجاوز الاحتفال بالماضي، لأن المتحف في العصر الحديث لم يعد مجرد مكان لحفظ القطع الأثرية، وإنما أصبح مساحة للحوار، وعندما تلتقي القاهرة وهانغتشو حول موضوع الحضارات القديمة، فإن السؤال لا يكون فقط عما تركه أجدادنا، وإنما عما يمكن أن نتعلمه من الطريقة التي حافظت بها الحضارات على قدرتها على التجدد.

وفي هذا الإطار تتجلى قيمة الثقافة في العلاقات الدولية، فهي تستطيع أن تجعل التاريخ مادة للحوار بدلًا من أن يكون مجرد موضوع للفخر، فالحضارة ليست ملكًا لأصحابها وحدهم، وإنما جزء من التراث الإنساني المشترك، وكلما تعرف شعب إلى حضارة شعب آخر، أصبح أكثر قدرة على فهم خصوصيته واحترام اختلافه.

معرض الكتاب: الثقافة عندما تلتقي بالقارئ

لا يمكن الحديث عن العلاقات الثقافية المصرية الصينية من دون التوقف أمام الكتاب ومعرض القاهرة الدولي للكتاب، لأن المعرض يمثل أحد أهم الأماكن التي يمكن أن تلتقي فيها الثقافة الصينية بالقارئ المصري والعربي، بعيدًا عن الإطار الرسمي للمؤتمرات والندوات.

وجود الثقافة الصينية في معرض للكتاب يعني أن العلاقة لا تبقى داخل المؤسسات الثقافية، وإنما تصل إلى القارئ مباشرة؛ إذ يستطيع أن يتصفح كتابًا أو يشتري رواية أو يتعرف إلى شاعر أو مفكر أو يكتشف تاريخًا مختلفًا، وهذا النوع من اللقاءات هو الذي يصنع المعرفة اليومية التي تتراكم مع الوقت لتصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية.

وفي المقابل، يمثل حضور الأدب والثقافة المصرية في الفعاليات الصينية فرصة للقارئ الصيني للتعرف إلى مصر من مصادر متعددة، فمصر ليست فقط الأهرامات والنيل، كما أن الصين ليست فقط سور الصين العظيم، وكلما تنوعت الكتب والأفلام والفنون التي تنقل الحياة اليومية، أصبح التصور المتبادل أكثر عمقًا وأقل اعتمادًا على الصور النمطية.

التعليم: العلاقة التي تبدأ من الطالب

منذ المبعوثين الصينيين الذين جاءوا إلى الأزهر، ظل التعليم واحدًا من أهم أبواب التواصل بين البلدين، لأن الطالب الذي يذهب إلى بلد آخر لا يعود غالبًا بالمعلومات العلمية فقط، وإنما يعود أيضًا بذكريات وعلاقات وتجارب إنسانية يمكن أن تستمر طوال حياته.

وفي الاتجاه المقابل، أصبح تعلم اللغة العربية في الصين أحد مسارات التقارب الثقافي، وهو ما يعكس أن العلاقة لا تقوم على أن يتعرف طرف واحد إلى الطرف الآخر، وإنما على حركة متبادلة، وقد ارتبطت مصر أيضًا بتاريخ دراسة العربية في المؤسسات الأكاديمية الصينية، وهو ما يجعل اللغة نفسها جزءًا من تاريخ العلاقات الثقافية بين البلدين.

وفي عصرنا الحالي تغيرت طبيعة التعليم، فلم يعد الطالب مضطرًا دائمًا إلى السفر كي يتعرف إلى لغة أو ثقافة أخرى، فقد أصبحت المنصات الرقمية والفصول الافتراضية والمواد التعليمية الإلكترونية أدوات أساسية في نقل المعرفة، وهو ما يفتح أمام العلاقات المصرية الصينية مجالًا جديدًا للتعاون، خصوصًا في تعليم اللغات والترجمة والبحث العلمي والدراسات الحضارية.

الفن: عندما تتكلم الشعوب من دون ترجمة

يوجد جانب آخر من العلاقة الثقافية ربما يكون أكثر قدرة على الوصول إلى الجمهور العام، وهو الفنون، فالموسيقى والرقص والفنون الشعبية تستطيع أن تتجاوز مشكلة اللغة، وعندما تقدم فرقة فنية مصرية عرضًا في الصين أو تقدم فرقة صينية فنونها أمام الجمهور المصري، فإن التواصل يحدث مباشرة عبر الإيقاع والحركة والصورة.

ولا يعني ذلك أن الفنون تلغي الاختلاف الثقافي، بل على العكس؛ فقيمتها الحقيقية أنها تسمح للجمهور بأن يرى الاختلاف ويستمتع به، فالفن لا يطلب من المتلقي أن يتخلى عن هويته حتى يفهم الآخر، وإنما يدعوه إلى الاقتراب منه واكتشافه.

ولهذا كانت الأسابيع الثقافية والفرق الفنية والمعارض والفعاليات المشتركة جزءًا مهمًا من المسار الطويل للعلاقة، لأنها تخلق لقاءات مباشرة بين الجمهورين، وتجعل الثقافة شيئًا يمكن رؤيته وسماعه ومشاركته، ولا مجرد مادة تقرأ في الكتب.

2026: سبعون عامًا، ولكنها ليست نهاية الحكاية

إذا كان عام 1956 يمثل بداية العلاقات الدبلوماسية، فإن عام 2026 يمثل لحظة مناسبة لإعادة قراءة ما تحقق خلال سبعين عامًا، لكن الاحتفال الحقيقي لا ينبغي أن يتوقف عند استعادة الماضي، وإنما يجب أن يطرح سؤالًا أكثر أهمية، وهو: ماذا نريد للعلاقات الثقافية المصرية الصينية خلال العقود المقبلة؟

السؤال ضروري لأن العالم تغير بصورة هائلة، والجيل الذي يتعرف إلى الصين اليوم لا يفعل ذلك بالطريقة نفسها التي كان يتعرف بها إليها قارئ في منتصف القرن العشرين، فالمنصات الرقمية جعلت العالم أكثر قربًا، والذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على ترجمة النصوص وإنتاج الصور وتحليل اللغات، وأصبح الشباب يتعرفون إلى الثقافات الأخرى من خلال الفيديوهات القصيرة والألعاب والمسلسلات والمنصات الاجتماعية بقدر ما يتعرفون إليها عبر الكتب.

وهذا يعني أن الثقافة المصرية الصينية تحتاج إلى أدوات جديدة، لا أن تتخلى عن الكتاب والترجمة والمسرح والسينما، وإنما أن تضيف إليها أشكالًا جديدة من التواصل، مثل المحتوى الرقمي المشترك، والترجمة الرقمية، والمشروعات الشبابية، والتعاون في الصناعات الثقافية، وإنتاج المحتوى الذي يخاطب الأجيال الجديدة بلغتها.

الثقافة لا تعني الاحتفال فقط

أحيانًا تختزل العلاقات الثقافية في الاحتفالات الرسمية، بينما القيمة الحقيقية للثقافة تبدأ بعد انتهاء الاحتفال، فالندوة تنتهي، والمعرض يغلق أبوابه، والحفل يسدل ستاره، لكن الكتاب الذي قرأه شخص قد يغير نظرته إلى العالم، والفيلم الذي شاهده قد يدفعه إلى البحث عن بلد آخر، والطالب الذي درس لغة جديدة قد يصبح بعد سنوات مترجمًا أو أستاذًا أو جسرًا بين مجتمعين.

ولهذا فإن نجاح العلاقات الثقافية لا يقاس فقط بعدد الفعاليات التي أقيمت، وإنما بما تتركه هذه الفعاليات من أثر طويل المدى: هل ظهرت ترجمات جديدة، وهل تعرف القراء إلى كتاب جدد، وهل نشأت مشروعات فنية مشتركة، وهل اقترب الشباب من ثقافة الطرف الآخر، وهل أصبحت المعرفة المتبادلة أكثر دقة وعمقًا؟

وبناء على ذلك، يصبح من المهم أن تتحول الذكرى السبعون إلى بداية مرحلة جديدة، لا مجرد محطة للاحتفال بما مضى، وأن يكون الهدف هو الانتقال من التعارف إلى الفهم، ومن الفهم إلى التعاون، ومن التعاون إلى إنتاج ثقافي مشترك يستطيع أن يعيش بعد انتهاء المناسبة.

من النيل إلى النهر الأصفر: جسر صنعه الإنسان

على امتداد 70 عامًا من العلاقات الرسمية، وما يزيد على ذلك من التواصل الثقافي والتعليمي، أثبتت التجربة المصرية الصينية أن المسافات الجغرافية لا تمنع التقارب عندما توجد إرادة حقيقية للمعرفة، فتفصل بين القاهرة وبكين مسافة هائلة، لكن الطالب والمترجم والكاتب والفنان والباحث استطاعوا أن يصنعوا طرقًا أخرى للعبور.

بدأت الحكاية من طلاب صينيين في الأزهر، ثم جاءت العلاقات الدبلوماسية عام 1956 لتمنح التواصل إطارًا رسميًا، وبعدها اتسعت الدائرة لتشمل التعليم والفنون والسينما والكتاب والترجمة والمعارض والمهرجانات، ثم جاءت محطات مثل عام الثقافة المصرية الصينية في 2016، لتؤكد أن الثقافة ليست هامشًا في العلاقة بين البلدين، وإنما أحد مكوناتها الأساسية.

واليوم، في الذكرى السبعين، تبدو الحكاية أكثر اتساعًا من مجرد تاريخ للعلاقات بين دولتين، إنها حكاية عن شعبين يكتشف كل منهما الآخر عبر الكتب والصور والأفلام واللغة والفنون، وحكاية عن حضارتين قديمتين تحاولان أن تجعلا من ماضيهما نقطة انطلاق نحو المستقبل، لا مجرد ذكرى محفوظة في المتاحف.

ولعل أجمل ما يمكن أن تقوله سبعون عامًا من الثقافة المصرية الصينية هو أن العلاقات بين الشعوب لا تعيش بالاتفاقيات وحدها، وإنما تعيش عندما يصبح الآخر حاضرًا في الذاكرة: في كتاب نقرأه، وفيلم نشاهده، ولغة نتعلمها، وفنان نكتشفه، ومدينة نريد أن نزورها، وشخص لم نلتق به من قبل، لكننا نشعر أننا نعرف شيئًا من عالمه.

ولهذا فإن السؤال عن بداية الحكاية لا ينتهي عند عام 1956، فذلك العام كان بداية العلاقات الدبلوماسية الرسمية، أما الحكاية الثقافية فقد بدأت قبل ذلك، واستمرت بعده، وما زالت تكتب فصولًا جديدة، وربما يكون الفصل الأهم هو الذي لم يكتب بعد: فصل الأجيال الجديدة التي ستقرر كيف تريد للقاهرة وبكين أن تلتقيا في الثقافة والمعرفة والفن خلال السبعين عامًا المقبلة.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.