بادئ ذي بدء ما التعلق؟ هو شعور قوي شديد بحبل مرتبط بالشيء المتعلق به.
هو شبيه بالشخص الذي يقف على كرسي صغير واضع رقبته بين حبل المشنقة، فإذا اهتز الكرسي مات، فتصبح حياته مُعلقة على ثبات هذا الكرسي.
لماذا التعلق؟
يتعلق الإنسان بسبب الاحتياج المبني على غريزته، فالغرائز مثل: حق الحياة والنجاة من الموت، تأمين الحياة من مأكل وملبس ومسكن، الحب المتبادل -أحب وأتحب-. فيتعلق الإنسان بما يسد احتياجاته فيتمسك بحياته، ويبحث عن الملاذ الآمن مع من يحب. وبذلك تتشعب الغرائز وتتغير نسبتها.
فمن يجد خطورة على حياته لا يفكر في غيرها، ومن يجد الحياة يبحث عن مقوماتها مثل المال ليحصل على المأكل والملبس والمسكن على حسب ماذا يريد أن تكون إمكانياتك، واحتياج الحب نابع من غريزة البقاء والجنس والأمان في وجود الطرف الآخر باختلاف صفته زوج أو زوجة أو ابن أو ابنة أو صديق... إلخ.
باختصار هو البحث عن سد احتياج معين.
اقرأ أيضًا: التعلُّق.. أسبابه ووسائل علاجه
أنواع التعلق
سأبدأ من الأقل خطورة إلى الأكثر خطورة:
1- التعلق بشيء
وهذا ما يُطلق عليه كلمة (الإدمان) -تخيل أن الإدمان هو أقل نوع من التعلق-، فالمادة المخدرة تخلق شعورًا معين للمدمن، وعليه كلما خرجت هذه المادة من جسده يعود إليها مشتاق. وتكون بدايتها هروب من الواقع، فإذا شعر بغضب يلجأ إليها، حتي تصير عادته، ويصبح كلما حبسه أمر -حتي وإن كان جيدًا يلجأ إليها-، وعندما يفيق يشعر بالاشمئزاز من نفسه فيعود إليها، فيصبح في حالة غليان كلما تخلص من حالة عاد يتقلب ليصل إليها.
ومن الممكن أن يتعلق بشيء صحي مثل الرياضة لأن الرياضة تحقق له شعورًا معينًا.
2- التعلق بفكرة
التعلق بفكرة معينة ويتشبث بها، مثل التعلق بفكرة أنني أريد أن أصبح مهندسًا ولا أستطيع، فتصبح هذه الفكرة مسيطرة علىّ، فأتزوج لأنجب طفلًا أعده للهندسة؛ بغض النظر عن ميول وإمكانيات هذا الإنسان المنفصل عني فكريًّا، والمختلف كليًّا في إمكانياته، ولذلك إذا أخفق في الهندسة أشعره بأنه فاشل؛ لأنه لم يحقق فكرتي التي أنا متعلقة بها، ولا أبالي بهدم علاقتي بطفلي ولا علاقته بنفسه فيما بعد.
أو متعلق بدور الضحية، فأشعر بأنني مسلوب الإرادة فأوجه الاتهام إلى كل من حولي فيما يتعلق بي.
أو متعلق بدور البطل؛ فأجلد ذاتي على خيبات الآخرين وأحمل نفسي ما لا طاقة لي به.
3- التعلق بغير الحاضر
أي التعلق بالماضي أو بالمستقبل. فالمتعلق بالماضي هو الشخص الذي يتعلق بالذكريات سواء الأليمة أو السعيدة، ولا يسمح لنفسه عيش لحظته الراهنة، ولذلك لا يستطيع التركيز والأداء والتفكير في الحاضر بالطريقة الأمثل؛ لأنه متعلق بالذكريات، أنا كنت وكنت وهو كان وكان. فيتملكه شعور الحزن أو الفرح المزيف. وهذا لا يجدي نفعا، فالماضي لابد أن يكون ماضيًا ليس إلا.
أما عن المتعلق بالمستقبل فيضيع عمره كله في النظر عما ليس في يده، فيصبح أعمى عما لديه ويمتلكه شعور الخوف والقلق.
4- التعلق بشخص
وهذا الأسوأ على الإطلاق؛ لأن كرسي المتعلق بشخص متقلب وغير ثابت، فهو لديه مزاج متغير، أو ظروف تتحكم به تحكمًا كبيرًا، أو أفكار مسيطرة، وتعلقات مختلفة. فضلًا على شعور المتعلق به بالمسؤولية غير المرغوب بها والحمل؛ لأن يعلق الشخص سعادته وحياته على المتعلق به.
فهو سر وجوده في الحياة، ولا يترك له منفس هواء ويغرقه في المشاعر؛ فيشعر بالملل، وهذا بعيد كل البعد عن الحب الحقيقي الصحي الذي هو ماء الحياة، الماء أساس الحياة -أجل-، ولكن يوجد ما يسمي بالغرق الجاف، فإذا أسرفت في شرب الماء مات جسدك.
وبالتعلق بشخص تخلق بيدك موت العلاقة الحتمي؛ لأنه سيحاول الهروب الدائم منك، وتشعر بشعور عميق بالإهانة، والشقاق، فستكرهه لأنه آذاك.
اقرأ أيضًا: إدمان العلاقات والتعلق بالأشخاص
7 خطوات للتخلص من التعلق
1- تبني فكرة "من تعلق بشيء عذب به" عن ابن القيم -رحمه الله-.
2- تعلق بالله فقط؛ لأنه الثابت الوحيد في الحياة، فهو الذي لا يتغير ولا يتبدل ولا يموت. فاجعل موتك وحياتك وعلاقاتك كلها لله.
3- واجه نفسك بالحقيقة، واسأل نفسك الأسئلة التالية:
- ما احتياجك الذي تريد أن تسده؟
- لماذا تريد هذا الاحتياج؟ وماذا يحقق لك؟
- ما حقيقة الشيء المتعلق به؟ سواء إن كان في المخدر أو التدخين أو فكرة أو إنسان.
ومن هنا ترى عوراته ونواقصه، فيقل لديك حدته، وتنزع من على عينك نظارة المحب، أو كما نقول بالعامية (مراية الحب عامية) لا تري إلا ما تريد أن تراه؛
- فماذا تريد أن ترى؟ وهذه أصعب مرحلة.
اقرأ أيضًا: إدمان العلاقات العاطفية من منظور علم النفس
4- اعلم ما واجباتك نحو نفسك ونحو جميع من وما حولك، وتعلم فن الإتقان والتعامل. فالتعلق المرضي هو ما يُلهيك عن واجباتك. وحينئذ سأذكر دائرة النجاح، فالنجاح كالكعكة اللذيذة حتي تستطيع أكلها عليك بتقسيمها إلى أجزاء، ولكل فرد له كعكته الخاصة مثال:
كعكة نجاح هدير الخاصة
- الله ثم واجبي الديني الخاص بالعبادات.
- هدير: اهتمامي الخاص بنفسي على المستوى الأخلاقي والفكري والجسدي والصحي والنفسي والعلمي.
- أبنائي: كل ابن على حِدَةٍ.
- زوجي
- عائلتي: كل فرد على حدة.
- أصدقائي: كل فرد على حدة.
- عملي ومقسم أيضًا على أجزاء.
- بيتي
- المال
بعد كل هذا هل تعتقد أنني سأهتم بجزء واحد فقط وأترك البقية؟
كلا بالطبع، وكلما زادت اهتماماتي قل تعلقي؛ لأنني أقسم مصدر سعادتي على كل هذه الأجزاء، فإذا لم أحصل على ما أرغب من جزء وكما أتوقع أجده في جزء آخر، وأحيانًا كثيرة جدًّا أحصل على نسبة من السعادة من كل جزء، وبذلك أجد السعادة التي أرغب بها كما يرضيني.
وهنا أتذكر مثل (فرق تسد) ففرقت مصادر سعادتي وحصلت عليها كاملة. ووسعت نظرتي للحياة وابتعدت عن حياتي واكتشفت أنني أمتلك مميزات مناسبة لي.
5- تحديد هدف الحياة ورسالتها؛ اسأل نفسك:
- ما حكمة الله في خلقي؟
- فيم أجد شغفي؟
- ما دوري ومكانتي التي تختلف في مكان إلي آخر؟
6- التخلص من كل ما يسبب لي التعلق؛ فإذا تعلقت بشخص تركك، تخلص من كل ما يذكرك به، وأعلم أن البدائل لا حدود لها.
7- العب مع عقلك لعبة "بص العصفورة" أو ما يسمي بتشتيت العقل عما يجبرك في تذكره، فركز في لحظتك الراهنة، وكيف تستغلها أفضل استغلال.
يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.