مشكلة اليقين الرياضي.. مشكلة في نتائج الرياضيات أم في منهجها؟

إن هذا الواقع الحسي الخارجي بمفهومه الكلاسيكي كان ينطبق على المكان المسطح الخالي من الانحناءات، ثم إن الفكر المعاصر غير نظرته لتلك المفاهيم، التي سادت لقرون انطلاقًا من نقد داخلي، مس أحد جوانب الرياضيات، الذي له ريادة كبيرة في تحديد ذلك المنهج، ألا وهو جانب الهندسة، هذا النقد أفضى إلى ظهور ما يعرف بالهندسات غير الإقليدية ذات الميزة الفرضية، أو ما يعرف بالمنهج الفرضي الاستنباطي، الذي يعتمد على مجموعة من الشروط الضرورية ويعدها أساس له.

إن هذه التطورات الحاصلة في الرياضيات عرفت بما يسمى «أزمة أسس الرياضيات»، التي مهدت لظهور تيارات واتجاهات مختلفة، حاولت إعطاء حلول لتلك الأزمة. 

اقرأ أيضاً علم الرياضيات.. كيف بدأ تاريخ ذلك العلم المتكامل؟

علاقة الهندسة غير الإقليدية بهندسة إقليدس

إن كتاب «الصول» لإقليدس سواء من جانب الموضوع أم من جانب المنهج، لم يأت من فراغ، فلقد شمل التراث الرياضي لدى قدماء المصريين والبابليين وشعوب أخرى، وصنفها ما أدى لظهور الرياضيات كعلم نظري مع اليونان، ولقد أصبح المنهج الإقليدي منهجًا رياضيًا، لا بديل له في القرون اللاحقة إلى حدود عصر التنوير.

ورغم انبهارهم بهذا المنهج في مجال الهندسة، فإنها خضعت لنقد داخلي، بدأ هذا مع المسلمة الخامسة لإقليدس، فقد أدرك الرياضيون من وقت سابق أن مسلمة التوازي غير واضحة، مثل باقي المسلمات الأخرى، فحاولوا أن يقدموا برهانًا على صحتها؛ لتكون مثل باقي المبرهنات.

اقرأ أيضاً ما مفهوم علم الجبر ؟

إسهامات نصر الدين الطوسي في إثبات مسلمة التوازي

وأسهم في هذا الأمر رياضيون من مختلف الحضارات، فإذا نظرنا إلى الحضارة الإسلامية نجد الرياضي «نصر الدين الطوسي»، الذي حاول أن يجد برهانًا على تلك المسلمة، ومحاولته تعتمد على ما يأتي: «إذا تحرك خط مستقيم قائم على مستقيم آخر.

وكان قيامه على ذلك الخط في حركته، فإنه يفعل بطرفه الآخر خطًا مستقيمًا وإن الخط الحادث مواز للخط الساكن، ويستنتج من ذلك أن الخط المستقيم الحادث متساوي الأبعاد عن الخط المستقيم المعلوم، والبرهنة التي استخدمها كانت كالآتي: إذا وقع خط مستقيم على خطين مستقيمين وصير زاويتين داخليتين ليستا في جهة واحدة أقل من قائمتين، فإن الخطين اللذين أخرجا في تلك الجهة التقيا، ومثاله:

الخط (أ ب) وقع على الخطين (ج د) (هـ ز)، فحدثت زاويتان (ج ح ط) و(هـ ط ح)، وهما أقل من قائمتين».

وفي القرن الحديث الأب «ساكيري Saccheri»، الذي كان له رأي عن المسلمة الخامسة لإقليدس، ورأيه هذا كان إيذانًا بصنع الهندسات غير الإقليدية.

برهن عليها بطريقته الخاصة، ومجمل قوله في برهانه هذا هو أن عدم استطاعته إثبات بطلان تلك المسلمة يتضمن في ذاته صحتها، وبهذا قبلت ثماني وعشرين مسلمة لإقليدس، ورفت المسلمة الخامسة، فرغم تأييد الرياضيين منهج إقليدس، فإن مبادءه وأصوله خضعت للنقد الداخلي في تلك المدة.

المراجع:

محمد ثابت الفندي، فلسفة الرياضة، ص 54.

محمد محمد قاسم، المدخل إلى فلسفة العلوم، ص 345.

ياسين خليل، التراث العلمي العربي، المجلد 1، المركز العلمي العراقي، بغداد، ط1، 1431 هـ- 2010 مـ، ص_ص248_252.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة