مسلم بن الوليد بين طموح الشعر وتقلبات الدهر

مسلم بن الوليد الأنصاري الملقب بـ «صريع الغواني» أحد الشعراء الفلقين المولدين، الرائد الأول لتأسيس «شعر البديع» في العصر العباسي والمجدد الفني في قصائد الغزل والخمريات والرثاء الإنساني.

من هو مسلم بن الوليد؟ 

مسلم بن الوليد (140 هـ - 208 هـ) هو شاعر عباسي بارز، وُلد في الكوفة وعاش في بغداد. لُقّب بـ«صريع الغواني» لإجادته الغزل ووصف النساء، و«صنّاجة البديع» لكونه من أوائل المبدعين في توظيف المحسنات البديعية في الشعر العربي. 

لكنه ظَلَّ أمدًا من الزَّمن يحسُّ بالضِّيق وخيبة الأمل وسوء الطالع، إذ كان يرى مَن هم أقل منه نسبًا وشاعرية يتّصلون بالخلفاء والأمراء وينالون الهبات والعطايا، كأنَّ الدهر أغفل عن محاسنه والأيام أبت إلاَّ الازورار عن محامده. هذا ما نقله المبرّد حين قال:

«إنّ مسلمًا كان يمدح مَنْ دون الخليفة ولا يطمع فيه فكان يقول: أرى نفسي تذوب حسرات من أن يحوي جوائز الخلفاء من لا يوازيني في أدب ولا يماثلني في نسب، ولا يصح إلاَّ أن يكون شعره خادمًا لشعري».

قصة اقتراب مسلم بن الوليد من البلاط العباسي

لكنّ الزمن أبى إلاَّ أن يبتسم له، وأن يستبدل حسراته مسرّات، وأن يعوّضه عن الغفلة التي أحاطت به شهرةً ذائعة، وسيرورة شعر، وتألّقًا في مجالس الأعيان وعلى رأسهم الخليفة هارون الرشيد، الذي ما إن سمعه وعرف قدره حتى أدناه وأمر أن يتّخذ له مجلس خلوة بعد أن سمع أبياته التي يقول فيها:

أُجْرِرْتُ حَبْلَ خَلِيعٍ في الصِّبَا غَزِلٍ    وشَمَّرَتْ هِمَمُ العُذَّالِ في العَذَلِ
ماذا عَلَى الدَّهْرِ لو لانَتْ عَرِيكَتُهُ      ورُدَّ في الرَّأْسِ مني سَكْرَةُ الغَزَلِ
قَد كانَ دَهري وَما بي اليَومَ مِن كِبَرِ   شُربُ المُدامِ وَعَزفُ القَينَةِ العُطُلِ
إِذا شَكوتُ إِلَيها الحُبَّ خَفَّرَها          شَكوايَ فَاحمَرَّ خَدّاها مِنَ الخَجَلِ

الشاعر مسلم بن الوليد في حضرة الخليفة العباسي هارون الرشيد

ما لقب مسلم بن الوليد؟

يُروى أن الرشيد هو الذي لقب مسلم بـ«صريع الغواني»، وهو لقب عرف به لشدة تعلقه بالنساء وذكره لهن في غزله، لدرجة أنه صُدع وتُيِّم بهن، وقد نال هذا اللقب حين أعجبه قوله:

وَما العَيشُ إِلاّ أَن تَروحَ مَعَ الصِّبا ... صَريعَ حُمَيّا الكَأسِ وَالأَعيُنِ النُجْلِ

نشأة مسلم بن الوليد العصامية في الكوفة

أبو الوليد مسلم بن الوليد الأنصاري البغدادي شاعر عباسي كبير من فحول الشعراء، فارسي الأصل عربي الولاء؛ لأن جده كان مولى للصحابي أسعد بن زرارة الخزرجي الأنصاري، ولذلك يُنسب إلى الأنصار. 

وُلد في الكوفة لعائلة فقيرة، وكان أبوه الوليد يعمل فيها بالحياكة على نحو ما تروي كتب الأدب، وهو لذلك عاش مغمورًا فقيرًا بعيدًا عن دروب النّابهين من أهل العلم وذوي السياسة والأمر،. لكنّ الأب الكادح أراد أن يرى نفسه في وَلَدَيْهِ مسلم وسليمان، فأطلق لهما العنان لتحصيل الأدب واكتساب المعرفة في مجالس الكوفة وعلى يد علماء المسجد الكبير فيها.

ويُخبر مسلم عن نفسه أنّه بدأ يقول الشعر وهو في العاشرة من عمره، محتذيًا خطوات أخيه الأكبر سليمان مدفوعًا إلى الغد الأفضل بدعاء أبيه متأثرًا بتقواه منكبًّا على شعر الأوائل درسًا وتذوقًا، وبين هؤلاء فحول الجاهلية والعصر الإسلامي أمثال امرئ القيس وزهير والنابغة والأعشى وعمر بن أبي ربيعة والأخطل وجرير.

ولم يلبث الشاعر الناشئ أن آنس في نفسه القدرة وفي شعره الإثارة والقوة، فانتقل إلى بغداد وراح ينافس شعراءها -وبينهم أبو نواس- في حلبة الشاعرية والأدب فنال مجدًا واكتسب غنى ومالًا، وهو يتدرج في سُلَّم الشهرة منقطعًا أول الأمر إلى البرامكة وإلى يزيد بن مَزْيَد ومحمد بن منصور بن زياد والفضل بن سهل قبل أن يدخله ممدوحه يزيد على الرشيد في قصة طويلة، لينتزع منه كلمات الإطراء استحسانًا لشعره وطربًا بمعانيه وديباجته.

ريادة مسلم بن الوليد في هندسة اللفظ وتأسيس «شعر البديع»

عرَّف أبو الفرج بمسلم بن الوليد الملقب بصريع الغواني فقال: إنّه «شاعر متقدّم من شعراء الدولة العبّاسية منشؤه ومولده الكوفة وهو -فيما زعموا- أول من قال الشعر المعروف بالبديع. هو لقّب هذا الجنس البديع واللطيف وتبعه فيه جماعة، وأشهرهم فيه أبو تمّام الطائي، فإنّه جعل شعره كلّه مذهبًا واحدًا فيه. ومسلم كان متفننًا متصرّفًا في شعره».

وقال الأخفش نقلًا عن محمد بن يزيد: «كان مسلم شاعرًا حسن النّمط، جيّد القول، وكثير من الرواة يقرنه بأبي نواس».

قصائد مسلم بن الوليد في الخمر ومنافسة أبي نواس

أقرَّ له معاصروه بمضاهاة أبي نواس في الشراب ووصف مجالسه وبراعة صوره في هذا اللون من ألوان الشعر التي امتد رواقها ودانت قطوفها في العصر العباسي، فقد برع مسلم بن الوليد في «الخمريات» كواحدٍ من أبرز شعراء العصر العباسي الأوائل في هذا المضمار، وتميز شعره في الخمر بوصف مجالس اللهو، وتشخيص الخمر وإبراز عتاقتها، ومزجها بالحديث عن الحب والمجون. ومن أشهر قصائده في هذا الباب:

قصيدة «أديرا عليَّ الراح لا تشربا قبلي»: التي تُعد من أروع قصائده في وصف الخمرة، إذ يصفها قائلًا:

أديرا عليَّ الراحَ لا تشربا قبلي ... وليس على من لا يحل له قتلي

وما مانحة شرابها الملك قهوة ... مجوسية الأنساب مسلمة البعلِ

وقصيدة «أديري عليَّ الراح ساقية الخمر»: التي كثيرًا ما استهل بها قصائد المدح، ويناجي فيها الكأس قائلًا:

أديري عليَّ الراح ساقية الخمر ... ولا تسأليني واسألي الكأس عن أمري

كأنك بي قد أظهرت مضمر الحشا ... لك الكأس حتى أطلعتك على سري

وقصيدة «لا تسقني الماء القراح وهاتها»: التي تتميز بلغتها الرقيقة وتصويرها لصفاء الخمر، وفيها يقول:

لا تسقني الماء القراح، وهاتها ... عذراء صافية الأديمِ شَمُولًا

بعثت إلى سر الضمير فجاءها ... سلسًا على هذر اللسان مقولًا

وإلى جانب هذه الخمريات، فقد شهدوا له برقة الغزل وجودة النسيب والتشبيب. وقد بلغ من ذيوع شعره في هذا الباب من الأدب أن دُعي بـ «صريع الغواني» كما تقدّم. وفي هذا يقول الثعالبي أيضًا، إنّ مسلم بن الوليد سئل عن سبب هذا اللقب فقال:

إنّ ورْدَ الخُدودِ والأعْيُن النُّجْـ ... ـلَ وما في الثُّغورِ من أُقْحوانِ

واسودادَ الصُّدْغَين في أوضحِ الخَـ ... ـدِّ وما في الصدورِ من رُمّانِ

تركتْني لَدَى الغَواني صريعًا ... فلهذا أُدْعى «صريعَ الغَواني»

وقد وصف الدكتور سامي الدهان في مقدّمة شرحه ديوان مسلم بن الوليد طرفًا من أخبار الشاعر في الهوى فقال: «فقد كان -صريع الغواني- كلفًا بالهوى يتبعه في كلّ مكان. وكان زير نساء فيما بلغنا من هذه الروايات... وديوان مسلم يكرّر مرات كلمة الصريع والمتفاني في الحبّ والخليع في الهوى، ويمتلئ بأوصاف الغواني ما حسن وما لذّ، ما يدل على أن صاحب الشعر كان متيمًا يغريه الجمال بالفتنة.. والمرأة».

شعر مسلم بن الوليد في الغزل والجمع بين الوصل والهجر

تميز شعر مسلم بن الوليد في الغزل بالجمع بين عذوبة المعاني العذرية وتجديد الألفاظ وبديع الصور، حيث تأرجحت قصائده ببراعة فائقة بين لوعة الهجر وجمال الوصال، ليصبح ركيزة أساسية في فن الغزل العباسي.

ومن أبرز خصائصه الجمع بين التناقضات؛ فنقل المشاعر المتأرجحة بين ألم الابتعاد وبهجة اللقاء في حوارات شعرية رقيقة مع المحبوبة، مبتكرًا صورًا بديعية رشيقة لم تكن مألوفة قبله من خلال دمج المعاني اللطيفة بالألفاظ العذبة بأسلوب رشيق.

ومن أخبار حبّه ما رواه صاحب الأغاني عن تعلّقه بجارية ذات ذكر وشرف، وكان منزلها في مهبّ الشمال من منزله، وأنه كان يقول فيها:

أحبُّ الريحَ ما هبّت شَمالًا           وأحسدُها إذا هبّت جَنُوبا
أهابُكِ أن أبوحَ بذاتِ نفسي       وأَفرَقُ إن سألتُكِ أن أخيبا
وأهجرُ صاحبي حبَّ التجنّي       عليه، إذا تجنّيتِ الذُّنُوبا
كأني حيثُ أغضي عن سواكمْ    أخافُ لكم على عَيْنِي رقيبا

ومن لطيف قوله فيها:

تدّعي الشَّوقَ إن نأتْ         وتجنَّى إذا دنَتْ
واعدَتْنا وأخلفتْ              فأساءتْ وأحسنتْ
سرّني لو صبرتُ عَنْـ        ـها فتُجزى بما جَنَتْ
إنَّ سَلْمَى لو اتقَّت         ربّها فيَّ أُنجِزَتْ
زرعتْ في الحشا الهوى     وسقَتْه حتى نَبَتْ

حظوة الشاعر مسلم بن الوليد عند الوزراء والولاة

وليس شيءٌ أدلَّ على شاعرية مسلم بن الوليد والخصائص التي تميّزت بها، وبراعته في كثير من فنون القصيد.. من ثناء الرشيد عليه وإغداق العطاء له، حتى بات هذا النوال مدعاة الدهشة والاستغراب.

ولم تكن حاشية الرشيد أقل احتفالًا بمسلم وشعره، فالفضل بن سهل حين تقلّد الوزارة نفحه بثلاثين ألف درهم، وظلَّ يزيده من أعطياته حتى بعد أن كبر وتقدّم في السنّ. ولم يكتف بذلك بل ولّاه شؤون البريد في جرجان.

ويتميّز غزل «صريع الغواني» بالوجد الصارخ والشوق المتلهف، يرسم لنفسه فيه صورة راهب متبتل يعيش للحب ويصرف ليله في تعبّد تمثال من يحبّ، فيذكّرنا بامرئ القيس وعمر بن أبي ربيعة، وهو ينفي أن يكون في غزله ملمح من ملامح الغواية أو الإثم وأنه كان حريصًا على العفّة يؤكدها في شعره على غرار العذريين كمثل قوله:

قالَتْ: نَعَمْ أنْتَ تَهْوانا، فقلت لها      إِي والوصالِ الذي أرجو وأَطْلُبُ
لا هَنَّأَ اللهُ عَيْنِي مِنْكِ نَظْرَتَها         إليكِ إن كانَ لي في غَيْرِكُم أَرَبُ
فلو تَراني وخَدِّي فوقَ راحتها        وقد تدانَتْ ولما تفعلِ الرُّكَبُ
ثُمَّ افترقنا ولم نأثَمْ ونحنُ كذا       فَهْوى التَّلاقي وما من شأنه الرِّيَبُ

ولا يألو الشاعر يصف الجمال، وفعله في أعماقه وجوارحه ناسبًا إلى الشامتين والحسّاد ما يشاع عنه من أخبار الخلاعة والمجون. ولكن الدارسين لا يأخذون بهذه المزاعم.

ونحن نجد في غزله قسمات الحسن وهي تطلّ من ثغر المحبوب وخدّه ومقلته، وتنساب مع الأعطاف وهو يتهادى أو يميل. ويعنى مسلم بن الوليد بوصف رضاب الحبيبة ولا يجد لمذاقه مثيلًا إلّا الخمر والمدام. وتراه يشرب الصهباء من شفتي حسنائه حينًا ومن الكأس حينًا آخر، لا يرى في ذلك ما ينافي صدق اللواعج أو يخالف هوى القلب دون هوى الرغبة أو الشهوة، لأنه يرتفع بعاطفة حبّه فوق مراتب اللهو الرخيص وإن كان لا يجد للحياة معنى إلّا مع الأشواق والصبابة وهو القائل:

خُذْ من شبابِكَ للصِّبَا أيّامَه       هل تستطيع اللهو حين تشيبُ

ولعلّ ما ذهب إليه ابن دريد إنّما ينطبق أكثر ما ينطبق على غزله. فهو عنده يمزجُ «كلام البدوين بكلام الحضريين -مضمّنًا إياه المعاني اللطيفة- ويكسوه الألفاظ الظريفة». ففيه من البداوة جزالة ومن الحضارة رقّة وعذوبة.

كذلك قال عنه ابن شرف القيرواني: «وأما صريع الغواني فكلامه مرصّع ونظامه مصنّع، وغزله مستعذب، وجملة شعره صحيحة الأصول قليلة الفضول» وهاك بعضًا من روائع غزله الرقيق.

قصيدة مسلم بن الوليد في رثاء زوجته وانكسار الكأس أمام الدموع

عندما واجه مسلم بن الوليد فاجعة الموت في شريكة حياته، أبدع في رثاء زوجته قصيدةً خلدت حزنه العميق؛ حيث اعتزل الناس ورفض متع الحياة بعد وفاتها. وحين حاول أصدقاؤه التسرية عنه بكأس خمرٍ لعلّه ينسى ألم الفقد، أنشد قصيدته الشهيرة مبينًا استحالة الجمع بين البكاء والكأس:
بكاء وكأس كيف يتفقان؟ ... سبيلاهما في القلب مختلفانِ
دعاني وإفراطَ البكاء فإنني ... أرى اليوم فيه غير ما ترياني
غدت والثرى أولى بها من وليِّها ... وأمسى شتاتي بعدَها ليماني

مختارات من روائع قصائد مسلم بن الوليد

 لست أربى الحب عذرًا

خَلِيلَيَّ لَسْتُ أَرَى الحُبَّ عَارَا ... فَلَا تَعْذُلَانِي خَلَعْتُ العِذَارَا
وَكَيْفَ تَصَبُّرُ مَنْ قَلْبُهُ        ... يَكَادُ مِنَ الحُبِّ أَنْ يُسْتَطَارَا
لَقَدْ تَرَكَ الوَجْدُ نَفْسِي بِهَا ... تَمُوتُ مِرَارًا وَتَحْيَا مِرَارَا
كِلَانَا مُحِبٌّ وَلَكِنَّنِي        ... عَلَى الهَجْرِ مِنْهَا أَقَلُّ اصْطِبَارَا
إِذَا قُلْتُ: أَسْلُو، دَعَانِي الهَوَى ... فَأَلْهَبَ فِي القَلْبِ لِلشَّوْقِ نَارَا
وَأَحْوَرُ وَسْنَانُ ذِي غُنَّةٍ      ... كَأَنَّ بِوَجْنَتِهِ الجُلَّنَارَا
كَسَانِي مِنَ الحُبِّ ثَوْبَ الجَوَى ... فَصَارَ الشِّعَارُ وَصَارَ الدِّثَارَا
أَلَمْ تَرَ أَنِّي بِأَرْضِ الشَّامِ   ... أَطَعْتُ الهَوَى وَشَرِبْتُ العُقَارَا
شَرِبْتُ وَنَادَمَنِي شَادِنٌ ... صَغِيرٌ وَإِنِّي أُحِبُّ الصِّغَارَا
وَصِرْفٍ رُصَافِيَّةٍ قَهْوَةٍ ... تُمِيتُ الهُمُومَ وَتُبْدِي السُّرَارَا
فَمَا زِلْتُ أَسْقِيهِ حَتَّى إِذَا ... ثَنَى طَرْفَهُ نَشْوَةً وَاسْتَدَارَا
نَهَضْتُ إِلَيْهِ فَقَبَّلْتُهُ ... وَعَانَقْتُهُ وَحَلَلْتُ الإِزَارَا
وَقَدْ زَادَنِي طَرَبًا نَحْوَهُ ... مُضَاجَعَةُ اليَاسَمِينِ البَهَارَا
أَتَانِي لَهَا شِعْرُ ذِي قُدْرَةٍ ... عَلَى الشِّعْرِ قَدْ قَالَ فِيَّ اقْتِدَارَا
فَقُلْ لِـ «رِضَى» قَدْ رَضِينَا بِكُمْ ... وَإِنْ كُنْتُ لَسْتُ أُرِيدُ الخِيَارَا

أنا الشمس المضيئة

كِتَـابُ فَتًـى أَخِي كَلَفٍ طَـرُوبِ     إِلى خَـوْدٍ مُنَعَّـمَةٍ لَعُـوبِ
صَبَوْتُ إِلَيْكِ مِـنْ حَـزَنٍ وَشَوْقٍ     وَقَـدْ يَصْبُو الْمُحِبُّ إِلَى الْحَبِيبِ
وَقَــدْ كَـانَتْ تُجِيبُ إِذَا كَتَبْنَا        فَيَا سَـقْيًا وَرَعْيًا لِلْمُجِيبِ
نَخُـطُّ كِـتَابَهَا بِقَضِـيبِ رَنْـدٍ      وَمِـسْكٍ كَـالْمِدَادِ عَلَى الْقَضِيبِ
كِـتَابٌ فِـيهِ كَمْ وَإِلَى وَمَا إِنْ      أَقَـضِّي مِـنْ رَسَـائِلِهَا عَجِيبِي
نُـعَمِّيهِ عَلَـى ذِي الْجَـهْلِ عَمْدًا   وَلَا يَخْـفَى عَـلَى الْفَطِنِ اللَّبِيبِ
وَقَــدْ قَــالَتْ لِبِيضٍ آنِسَاتٍ        يَصِـدْنَ قُـلُوبَ شُـبَّانٍ وَشِيبِ
أَنَا الشَّـمْسُ الْمُضِيئَةُ حِينَ تَبْدُو  وَلَكِـنْ لَسْـتُ أَعْرَفُ بِالْمَغِيبِ
بَرَانِــي اللهُ رَبِّــي إِذْ بَرَانِـي       مُـبَرَّأَةً سَـلِمْتُ مِـنَ الْعُـيُوبِ
فَلَـو كَلَّـمْتُ إِنْسَــانًا مَـرِيضًا     لَمَـا احْتَاجَ الْمَرِيضُ إِلَى الطَّبِيبِ
وَخَلْقِي مِـسْكَةٌ عُجِـنَتْ بِـمَاءٍ     فَلَسْـتُ أُرِيدُ طِـيبًا غَـيْرَ طِيبِي
وَأَعْقِـدُ مِـئْزَرِي عَقْدًا ضَعِيفًا    عَلَى دِعْصٍ رُكَـامٍ مِـنْ كَثِيبِ
وَجِلْدِي لَوْ يَـدِبُّ عَلَيْـهِ ذَرٌّ       لَأَدْمَى الـذَّرُّ جِـلْدِي بِالدَّبِيبِ
وَرِيقِي مَــاءُ غَادِيَـةٍ بِشَهْدٍ       فَمَا أَشْهَى مِـنَ الشَّهْدِ الْمَشُوبِ
فَقُلْنَ لَهَا: صَدَقْتِ فَهَلْ عَطَفْتُمْ   عَلَـى رَجُـلٍ يَهِـيمُ بِكُمْ كَئِيبِ

هكذا انطوت صفحة حياة مسلم بن الوليد في غربته بـ «جرجان»، بعيدًا عن صخب بغداد ومجالس الكوفة التي احتضنت طفولته وشبابه، لكن صدى قوافيه لم يخفت برحيله.

لقد استطاع «صريع الغواني» بعبقريته الفذة أن يخلد اسمه في ديوان العرب، ليس فقط كعاشقٍ تيمته الحِسان وصرعه الهوى، بل كأستاذٍ ومجددٍ عبقري أرسى دعائم مدرسة فنية ألهمت فحول الشعراء من بعده وعلى رأسهم تلميذه أبو تمام. ليبقى شعره نافذةً مشرَّعة نطل منها على روح العصر العباسي بكل ما فيه من ترف، ومجون، وعواطف إنسانية نابضة بالصدق، انتصرت على عاديات الزمن وظلت حية تتناقلها الأجيال.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

مقالات ذات صلة