مسلسل «ونوس».. حكاية الشيطان الذي طرق الباب

مسلسل «ونوس» لم يكن دراما عادية تُعرض في رمضان، بل تجربة روحية وفكرية تحوّلت إلى مرآة تظهر صراع الإنسان مع ذاته ومع ماضيه. النص الذي كتبه عبد الرحيم كمال يقدّم إبليس على هيئة رجل أنيق، هادئ، يشبه الحقيقة المؤلمة التي نحاول نسيانها، أداء يحيى الفخراني لا يُنسى، فهو لم يجسِّد شخصية بل خلق كيانًا متكاملًا للشر المعاصر، هذا العمل يستحق أن يُقرأ ويُحلل بعمق؛ لأنه يشبه الأدب أكثر مما يشبه الدراما.

كانت الليالي الرمضانية من عام 2016 ممتلئة بالأسئلة، وكانت تلقي على المشاهد مثلما يلقي الشيطان وساوسه في النفس! ماذا لو عاد الأب الهارب؟ ماذا لو تجسَّد إبليس بشخصية رجل أنيق وهادئ لا يحمل سوطًا بل ابتسامة؟

هكذا بدأ مسلسل «ونوس»، ذلك العمل الدرامي الذي كتبه عبد الرحيم كمال، وأخرجه شادي الفخراني، وتقمَّص فيه يحيى الفخراني دورًا شيطانيًا لا يُنسى، وقد أداه بمنتهى البراعة ليعيد تكوين صورة «إبليس» على الشاشة بأسلوب لم تألفه الدراما العربية من قبل، وهو..

الشيطان في هيئة بشر!

لم يكن «ونوس» شخصية شريرة نمطية، لم يصرخ، لم يغضب، لم يهدد، بل كان ناعمًا كأفعى، وناعمًا أكثر في كلماته التي تغلغلت في صدور كل من سمعها. جاء بعد غياب الأب سنوات طويلة ليعيد فتح الجراح ويقلب استقرار العائلة رأسًا على عقب، كل ذلك وهو يهمس: (أنا مش شيطان...أنا الحقيقة اللي مش قادرين تواجهوها).

 هنا تكمن عبقرية الكاتب؛ لم يقدم لنا الشر بوصفه صدمة، بل جعله مألوفًا، قريبًا حتى يرتابك الشك بنفسك وتدور الأسئلة برأسك: مَن ونوس؟ هذه الهيئة الذي تجسد به ليس مخلوقًا من نار بل من منطق مشوَّه، من رغبات دفينة، من أسئلة نخفيها تحت الوسادة!

الشر في مسلسل ونوس

فهذا المسلسل لا يتحرك على إيقاع الحدث فقط، بل على إيقاع الفكرة، النص المكتنز بالحوارات العميقة، بالتأملات الوجودية، بالمشاهد التي لا تعتمد على الحركة بل على التوتر الداخلي، تتنوع الشخصيات حول محور «ونوس» لكن كلها تحمل جروحًا قديمة.

«يا تُرَى كان فين أبوك طول السنين دي؟» سؤال بسيط لكن تبعاته مأساوية. في كل شخصية من شخصيات الأبناء نجد نموذجًا لإنسان هش مكسور بطريقته، الكبير الذي باع كرامته، والفتاة التي تبحث عن مأوى في حضن أحدهم، والابن الصغير الذي يكبر مشوهًا بالأسئلة!

عبد الرحيم كمال في هذا النص لم يكتب حكاية عن الشر، بل عن الفراغ الذي يخلفه الغياب، وعن الندم الذي لا يعالجه الزمن، وعن الاختبار الذي يأتي حين تظن أنك قد نجوت، عن قصة حقيقية تدور في بيت واحد منا، عن أسئلة عميقة، وكثير منها دون إجابة واضحة، وعليك في آخر الحال القبول بالأمر الواقع والتعايش معه وإصلاح ما يمكن إصلاحه، إنها حقًا قصة واقعية تجسدها الدراما على نحو لافت ويشد الانتباه.

وهذه القصة العبقرية لا بد أن يؤدي بطولتها الممثل الرائع يحيى الفخراني الذي تجاوز حدود الأداء التقليدي، ولو تمعَّنا في أدائه للاحظنا كيف استخدم صوته، نبراته، ابتسامته المبطنة، حتى سكونه، ليصنع كائنًا يجعلك تنسى أنه «ممثل». لم يكن «ونوس» دورًا عاديًّا بل كان روحًا خبيثة تجسدت على الأرض.

فالرمزية في هذا المسلسل عميقة، «ونوس» ليس فقط شيطانًا بل هو الماضي الذي لم يُغلق، الحقيقة التي تم دفنها، الخوف الذي يتسلل خفية، ولعل أكثر ما يميز العمل هو قدرته على ترك المتفرج في حالة من التيه الأخلاقي، حيث لا أحد بريء تمامًا، ولا أحد مذنب بالكامل، والجانب الأهم في هذا المسلسل هو الرسالة الإنسانية التي تناولها.

على الرغم من كل الظلال السوداء التي يلقيها «ونوس» فإن المسلسل ينتهي على شعاع نور بسيط؛ فالخلاص ممكن، والغفران ممكن، ولكن بثمن! الاعتراف بالحقيقة، مواجهتها حتى لو كانت جارحة؛ فهي أول طريق النجاة، وبداية لحياة جديدة دون صراع داخلي يطفئ الإنسان والنفس مع مُضي الوقت. 

لقد علَّمنا «ونوس» أن الإنسان يمكن أن يهوي مرات كثيرة، لكن الطريق إلى الإنسان الآخر، إلى الأب، إلى الأخ، إلى الذات، لا يُقفل تمامًا، بل يظل الباب دائمًا وأبدًا مفتوحًا بأمر الله عز وجل، ولكن نحن الذين لا نراه بوضوح؛ لأن تركيزنا منشغل بتلك الأهواء التي لا جدوى بها.

وعلَّمنا أيضًا أن «الشيطان» لا يأتي دائمًا في هيئة مخيفة وقبيحة، بل ربما على هيئة «معين»، «ناصح»، «صديق» أو حتى أب، ومع الأسف ضعيف النفس مَن يُصدق هذا المسخ؛ لأننا لو فكرنا قليلًا لأدركنا أنها صورة مزيفة وليست الحقيقة.

صورة الشيطان الحقيقية

وفي النهاية... لا يمكن اختزال «ونوس» في قصة، أو رسالة، أو أداء، ولكن من وجهة نظري المتواضعة بصفتي إنسانًا قبل أن أكون متفرجًا، هذا العمل العبقري ينتمي إلى تلك الطبقة القليلة من المسلسلات التي تشبه الأدب أكثر مما تشبه الدراما، مسرحية شيطانية على خشبة الروح نُجبر فيها على مراجعة كل ما نظن أنه راسخ... ونتساءل:

هل نحن مَن دعوناه؟ أم أنه كان يسكننا منذ البداية؟ 

في النهاية، لا يمكن التعامل مع «ونوس» أنه مسلسل فقط، بل تجربة تأملية تحفزنا على مواجهة أسئلتنا الأعمق، إنه عمل يليق بأن يُدرَّس في مدارس الدراما والفكر؛ لأنه يجمع بين الإبداع الفني والطرح الفلسفي. وفي حين نغلق الشاشة بعد الحلقة الأخيرة، يبقى صوته يهمس فينا.. «أنا مش شيطان.. أنا الحقيقة اللي مش قادرين تواجهوها».

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.