مسلسل سره الباتع.. أهم أحداثه وانتقادات تدور حوله

حل شهر رمضان علينا، وبدأت المنافسة الشرسة لهذا الموسم الدرامي الأكثر إنتاجًا ومشاهدة؛ ففي الأيام القليلة الماضية حصل عدد كبير من المسلسلات على شعبية واسعة على وسائل التواصل الاجتماعي، فقد تركت بعض بصماتها من الحلقات الأولى سواء من خلال الأداء الجيد أم من خلال الجدل حول أحداثها، وأصبح الجمهور العربي والمصري تحديدًا طرفًا حقيقيًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فقد وضعَ المتفاعلون كلَّ حلقة ومشهد تحت المجهر بدءًا من تسلسل المسلسل، وطريقة كتابة أسماء الممثلين، وانتهاء بالمظهر وأداء الفنان، والحوار ونطقه وكذلك العناصر الفنية للفيلم، والتحرير والإخراج والموسيقى.

ها هو مسلسل (سره الباتع) للمخرج خالد يوسف استقطب جميع الأنظار، وتفاوتت التعليقات بين المدح والنقد رغم أنه لا يزال من السابق لأوانه الحكم على الأعمال حتى نهايتها.

في هذا المقال سنناقش أي مرحلة من تاريخ مصر رصدها مسلسل (سره الباتع)، وكيف كانت العوامل الفنية والإخراجية لهذا المسلسل التاريخي، لكن قبل البدء أريد منك فقط أن تجهز مشروبك المفضل لكي تشاركنا رأيك في المقال بعد قراءته.

اقرأ أيضاً مراجعة مسلسل "سره الباتع" وما لا تعرفه عن الحملة الفرنسية

ما قصة مسلسل "سره الباتع"؟

بداية عزيزي القارئ إذا فتشنا بين غياهب التاريخ فعلى الأرجح سنجد أن أشخاصًا عملوا على جمع كل ما أوتوا به من قوة لطرد أي مستعمر دخيل على أرض الكنانة مصر؛ بالأحرى هذا يقود عدد كبير من المبدعين في عالم الفن سواء كتّاب أو مخرجين أو حتى ممثلين في السينما أو التلفزيون إلى محاولة تأريخ هؤلاء الأشخاص الذين قادوا رعيتهم للحفاظ على وطنهم الأصغر وهو قريتهم أو منطقتهم وكذلك وطنهم الأكبر مصر.

ليس سرًا أن المؤلف أسامة أنور عكاشة والمخرج إسماعيل عبد الحافظ قدما للدراما العربية عددًا من الأعمال التي رصدت تلك المشكلة من قبل، فمسلسل المصرواية يشير إلى أن العمدة فتح الله الحسيني حثَّ أهالي قريته على الوقوف ضد تركيا أو الدولة العثمانية حينذاك من استعمار قريتهم، فوقفوا يدًا واحدة حتى لا يستعمرهم أحد.

ها هو عام 2023 جاء وعاد معه تلك الحكاية من جديد بمسلسل (سره الباتع)، ولكن هذه المرة من تأليف الكاتب الكبير والروائي يوسف إدريس في قصته القصيرة التي نشرت ضمن مجموعة تحت اسم (حادثة شرف) عام 1958.

كانت هذه الحكاية تتحدث عن قصة مواطن مصري مطارد قتل أحد جنود الحملة الفرنسية، وأصبح رمزًا للمقاومة ليعالج المخرج خالد يوسف القصة في مسلسل (سره الباتع) في دراما رمضان لهذا العام الحالي.

دعني أخبرك عزيزي القارئ أن أحداث قصة مسلسل (سره الباتع) تدور حول مرحلتين زمنيتين؛ الأولى لشاب مصري يثيره فضوله وشغفه ليبحث عن سبب تبرك أهل قريته بضريح أحد الأشخاص الذي سيكون في النهاية السلطان حامد الذي كان خارقًا للعادة وانتقم من الفرنسيين، والثانية هي الرجوع إلى الوراء لمدة 225 عامًا وتحديدًا إلى زمن الحملة الفرنسية بدءًا من عام 1798، ضع في حسابك أن الحركة الشعبية المصرية جعلت الانتصار على الفرنسيين النتيجة النهائية للاحتلال، فكان المواطن حامد أحد الشباب الذين عملوا على إرهاب الفرنسيين، ومع الوقت تحول إلى بطل شعبي.

مسلسل (سره الباتع) يرسخ بكل قوة حكاية الشعب المصري وقائده الذي رحل، ومِنْ بعدِه اتحد الجميع حتى ينالوا من المحتلين الفرنسيين ليخرجوا من مصر بعد 3 سنين بعد ثورتي القاهرة الأولى والقاهرة الثانية.

دعنا نقول إن مسلسل (سره الباتع) حافظ على السياق التاريخي لأحداث الحملة الفرنسية على مصر، وبالفعل عاشت مصر هذه المرحلة الاستعمارية الشرسة.

أتدري وفقًا لمصادر التاريخ أنه لم تكن أهداف فرنسا الاحتلال فقط، إنما كانت تهدف إلى المكوث في مصر، فقد كان يطمح نابليون إلى تكوين إمبراطورية عظيمة موطنها مصر، فأعدّ عدته جيدًا لذلك، ولكن في النهاية ستذهب آماله سدى ويغادر القاهرة.

لك أن تتخيل أننا الشعب الوحيد رغم احتلال فرنسا لنا قرابة 3 سنوات لم نتأثر بلغة خصمنا وحافظنا على هويتنا، إن كل ذلك يدعو حقًا للفخر في كل الأحوال.

أريد أن أنبهك عزيزي القارئ إلى أنه لم يكتف صناع المسلسل بمجرد نقل الفكرة بصريًا أو رصدها في قالب تلفزيوني درامي فقط، إنما نقلوا بالطبع روح المؤلف يوسف إدريس، ونقل المخرج التشابه بين السلطان حامد وبين رئيس الجمهورية الحالي عبد الفتاح السيسي حينما أنقذ مصر من حكم الإخوان عام 2013، كما أنقذَ من قبلُ البطلُ الشعبيُ حامد قريتَه من احتلال الفرنسيين.

المفاجأة كانت أن قصة المسلسل كانت ستقدم عام 2011، يبدو أن الأحداث التاريخية في هذه المدة جعلت فكرة مسلسل (سره الباتع) طي النسيان، ولكن في النهاية قدمت خلال هذا العام 2023.

على كل حال تبدو الصورة رائعة؛ لأنها ستقدم لمحة تاريخية مميزة عن مصر، لكن هذه الصورة لم تخل على الإطلاق من النقد، بل طال المسلسل نقدًا لاذعًا تارة وتارة جيدًا سواء أكانت من ناحية الشخصيات أم الحوار أم التفاصيل الأخرى المكملة لإخراج المسلسل بطريقة جيدة، سنتابع كيف ذلك في بقية المقال.

لك أن تعرف أن هذا المسلسل يشهد إنتاجًا ضخمًا وأداء رائعًا لعدد من النجوم، وخاصة من شباب الممثلين وكبارهم والكومبارس، إنه عمل أشبه بخلية النحل، يشارك في العمل عدد من الفنانين كأحمد السعدني، وأحمد فهمي، وحنان مطاوع، وخالد الصاوي، وريم مصطفى، وأحمد عبد العزيز، وحسين فهمي، وأحمد وفيق، وصلاح عبد الله، وبيومي فؤاد، وعمرو عبد الجليل، وعفاف مصطفى، وهالة صدقي وإخراج خالد يوسف.

اقرأ أيضاً مسلسل "سره الباتع".. ملخص أحداثه ومواعيد عرضه

مسلسل "سره الباتع" وحب الوطن

اعتدنا على أن الدراما حينما تقدم نوعًا من الأعمال الوطنية فإنها تعمل على خلق الحس الوطني بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عند المشاهدين، فهذه النوعية من الدراما تكون معتمدة على تقديم ذلك من خلال الحقائق والأدلة والشواهد، وكذلك توضيح أفعال أعداء الوطن والآثار السلبية التي يتركها المستعمر في البلاد، كل ذلك يسهم في زيادة حب الوطن، وزيادة الحماس للدفاع عنها ضد أي عدو مهما كان، ومهما بلغت قوته.

ها هو مسلسل (سره الباتع) يطرح عددًا من القضايا الوطنية والدينية التي كانت سائدة في هذه المدة، أتدري عزيزي القارئ يوجد عدد من الآراء تقول إن مصر تعود إلى عهد الفراعنة وأن هذه هويتهم، والبعض الآخر يقول إنما مصر بنيت فقط في عهد محمد علي باشا حاكم مصر، وكل من هذه الآراء تحاول الانتصار على بعضها البعض، فالمسلسل يطرح ويعالج مثل هذه القضايا الشائكة.

لك أن تعرف أن المؤلف يوسف إدريس يعمل جاهدًا على نقل علاقة الشعب المصري الوطيدة بقادته الذين يبذلون كل غال ونفيس من أجل دحض المستعمرين، فالسلطان في نظر يوسف إدريس هو بمثابة ملك أو رئيس وعلى الرعية اتّباعه، لكنَّ المسلسل ينقل ذلك إضافة إلى حالة الروحانيات الطاغية على الشعب المصري والزعماء.

فليس سرًا أن (سره الباتع) ينقل إلينا قصة السلطان حامد الذي كان شخصًا صالحًا ومحبوبًا طرد المستعمرين من قريته فأصبح وليًا صالحًا من أولياء الله الصالحين من وجهة نظر الشعب المصري فأحيط بنوع من القدسية والاحترام.

اقرأ أيضاً مسلسل المداح بين الحقيقة والخيال

اللغة البصرية لمسلسل"سره الباتع"

دعني أخبرك عزيزي القارئ أن السيناريو كان متنوعًا أمام ما يزيد عن 12 نجمًا من أصحاب الأرصدة الكبيرة سواء في السينما أم التلفزيون ليمنح كل منهم فرصة جيدة لمسايرة الأحداث التاريخية للمسلسل.

دعنا نتفق أن التحدي صعب جدًا أمام هؤلاء النجوم لإبراز الجوانب الدرامية للمرحلة التاريخية حتى يُصدِّقها المشاهدون.

أريد أن أقص عليك أمرًا، إن أداء الشخصيات كان يحتاج دائمًا إلى دراسة تفاصيل الحركة ولغة الجسد ونبرة الصوت، وهذا ما قد نجح فيه عدد من ممثلي المسلسل مثل أحمد السعدني، لكن فشلت فيه عدة شخصيات كهشام الجخ الذي كان أداؤه مفتعلًا للغاية في الحلقات الأولى من المسلسل.

ندرك تمامًا أن مثل هذا العمل هو صناعة ملحمية بحتة، وظهرت بوادرها أثناء معركة الجيش الفرنسي ضد المماليك، فقد استطاع طاقم العمل حشد أكبر عدد هائل من المجموعات كأمثال الجنود الفرنسيين والمماليك بالإضافة إلى الجنود المصريين.

كان الكادر واسعًا كأنه صورة مرسومة في تصوير الجيش الفرنسي بتنظيمه الواضح، وكذلك تسليحه بالمعدات اللازمة مقارنة بلقطات لمحاربي المماليك، فيظهرون وهم في حالة من العشوائية وعدم النظام، لك أن تتخيل أنهم كانوا حاملين للسيوف فقط أمام المدافع الفرنسية، ربما يكون الأمر مضحكًا جدًا، لكنه على الأغلب كان ليظهر مدى قوة الفرنسيين، لكن دعني أخبرك أن هذه القوة وهذا النظام لم يساعداها على الانتصار، فسيطردون من مصر في نهاية المطاف.

لقد أظهرت اللقطات بتنوعها المفارقة بين الجيش الفرنسي وبين جيش المماليك، بين جيشٍ درسَ نقاط قوة وضعف عدوه، وآخرَ ضعيفٍ في ساحة الحرب، وكان ينقص هذه اللقطات أن تكون أكثر تناسقًا في إيقاعها ومراعاة سرعتها وبطئها بما يتلاءم مع المشاهد والأحداث.

دعني أخبرك عزيزي القارئ أن المشاهد الداخلية كانت حقًا رائعة، ولمَ لا؟ وقد أبدع المخرج خالد يوسف في التلاعب بالديكور الخاص بالعقارات كمنازل نخبة من المجتمع كالتجار وعمدة البلد، فكان كل شيء مستخدم يعود إلى مرحلة القرن 17 خلال الهجوم الفرنسي، فكانت البيوت من الطين والنخل والخشب، كل ذلك قبل مرحلة إعادة إعمار مصر من جديد بعد خروج فرنسا منها.

لكن وسط هذا الجمال كان مشهد قتل هشام الجخ أو الطالب صابر الأزهري مبالغًا فيه، فالمظاهرات للحداد عليه كانت جد مفتعلة، فأسقطت المخرج خالد يوسف في بئر عدم رصد غضب الأهالي، واعتمد على لقطات واسعة بدلًا من أن يرصد لقطات تقريبية لوجوه الأهالي لنقل البكاء ومشاعرهم، فكان هذا المشهد مبالغًا فيه.

نجح خالد يوسف في خلق حالة جيدة من التواصل بين هذه الحالة الغاضبة وبين أحداث ثورة 25 يناير 2011 حينما ظهرت حملة تؤكد امتداد الطغيان والقتل وسيل الضحايا المصريين الذي لا ينتهي، ونقل أجواء المظاهرات التي تلت أحداث الثورة وبين أحداث يونيو.

اقرأ أيضاً تعليق هالة صدقي على مسلسل جعفر العمدة

انتقادات تطول مسلسل "سره الباتع"

دعنا عزيزي القارئ نأخذ وقتنا ونتحدث بعمق في هذه النقطة لرصد آراء الجمهور على السوشيال ميديا عن المسلسل الذي يؤرخ مرحلة تاريخية مهمة من تاريخ مصر العظيم.

بداية كانت آراء الجمهور لاذعة بشدة بدايةً من التعليق عن الملابس والديكور وأحجام اللقطات وغيرها.

مثلًا في مشهد لإحدى الشخصيات يرتدي حذاء رياضيًا حديثًا، هل هذا يعقل؟ كيف لمثل هذا الحدث العظيم أن يُغفل عنه؟ لماذا لم تُدرس الملابس خلال هذه المرحلة بكل تفاصيلها وبعناية؟

حدّث ولا حرج؛ ها هو قائد الحملة الفرنسية نابليون بونابرت الذي يمثله الفنان أيمن بيشوي لم يكن مناسبًا لتأدية الدور، فالسر يكمن في أن أيمن أقصر من نابليون الذي احتل مصر وهو بعمر 29 عامًا.

وكارثة ثالثة هي أن ملامح ممثلي الجنود الفرنسيين كانت ملامح مصرية لا تشبه ملامح الفرنسيين، هذا الأمر خلق حالة من الانفصام بين الشخصية الحقيقية وبين شخصية الممثل، وبالتالي خداع المشاهد.

ليس سرًا على أحد أن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت كالمقصلة، فإذا أخطأت لن تنجو من ضربها لك، فباتت تجبر صناع العمل الفني على التدقيق الشديد سواء كان العمل دراميًا أم سينمائيًا، والاهتمام بالتفاصيل أيًا كان نوعها.

وفي هذه المدة الأخيرة نجد أن كل الأعمال الدرامية فيها نوع من الأخطاء ونقص في التفاصيل التي ربما قد تغيب عن القائمين عليها حتى العالمية منها، أعلم تمامًا أننا بشر، لكن في الأحداث التاريخية تحتاج أن تؤرخ تأريخًا صحيحًا.

لذا إذا كنت مُخرجًا أو مؤلفًا لعمل معين عليك أن تتقن العمل جيدًا من خلال مراجعته جيدًا، وتدقيقه، فالعمل الجيد لا بد أن يلقى الاهتمام وبذل الجهد لصالح العمل في النهاية حتى ينال رضا الجمهور ويحظى بسمعة حسنة.

مواقع التواصل الاجتماعي الآن ملأى بنقاد ليسوا متخصصين، وهم على كل حال كثر، وهؤلاء يعملون على تصيد الأخطاء التي يمكن التغاضي عنها ما دام العمل الفني رائعًا، ولكن كيف ذلك وأصبح من يحمل أي هاتف يأخذ لقطة ويعيد مشاهدتها مرات ومرات حتى يجد أي خطأ؛ لذلك حافظ دائمًا على رصد التفاصيل رصدًا دقيقًا ومدروسًا حتى لا تقع فريسة لهؤلاء.

كان مسلسل (سره الباتع) أحد المسلسلات التي نالت غضب الجمهور، وكل شيء بالأدلة بالنسبة لهم؛ فأحد الأشخاص مثلًا علَّق على نقطة أن الفنان أحمد فهمي هو راوي المسلسل، وهو أصلًا فنان كوميدي، لذا هو بعيد تمامًا عن هذا اللون التراجيدي، يمكننا القول لماذا لم يكن مثلًا أحمد السعدني أو صلاح عبد الله؟ لم لم يؤدّيا هذا الدور؟

كان من ضمن الأخطاء التي وقع بها طاقم العمل عندما طُرح البوستر الدعائي للمسلسل قبل رمضان الذي كان مقسمًا إلى جزئين يجمع فيهما بين مرحلة الحملة الفرنسية وبين وقتنا الحالي، الكارثة أن مئذنة جامع محمد علي ظهرت في الخلفية، وهو خطأ تاريخي لا يغتفر؛ لأن الحملة الفرنسية كانت بين عامي 1798 و1801، أما جامع محمد علي فلقد أنشئ بين عامي 1830 و1848.

كان في المسلسل مشاهد لأحمد السعدني ظهر فيها مرتديًا ملابس قطنية أسفل جلبابه في حين أن مصر لم تعرف القطن إلا بعد زراعته في عهد محمد علي؛ أي في القرن 19.

دعني أقول إن الجانب السلبي للسوشيال ميديا هو أنها أشبه بمن يقف بالمرصاد، فقد عملت على خلق توتر، وبالتالي من الممكن أن تصل الحال للمتابعين إلى مقاطعة العمل وعدم مشاهدته مرة أخرى خاصة إن كان العمل تاريخيًا.

كان يجب على صانعي مسلسل (سره الباتع) أن يتقنوا العوامل المساعدة الأخرى كالديكور والملابس ولغة الحوار التي تناسب الحدث الذي كان منذ قرنين وربع، وكذلك كان عليهم مراعاة اللغة واللهجة والمفردات حتى تكون ملائمة للعصر الذي تقال فيه لتتحقق المصداقية في العمل.

انتقادات أخرى لمسلسل "سره الباتع"

أتدري عزيزي القارئ أن مسلسل (سره الباتع) اعتمد فيه المخرج على اللهجة العامية المصرية، هذا طبعًا لم يمثل أزمة، إنما الأزمة حقًا هي استخدام اللغة العامية بالزمن الذي كانت تقال فيه، فلا تكون عامية مطلقة، فليست العامية المصرية الحالية مثل العامية التي كانت تنطق في تسعينيات القرن الماضي مثلًا، فلهجة الريف قديمًا غير الآن، فقد كان أحد المشاهد يقول فيها أحد الممثلين: "مدد يا سلطان حامد مدد" بكل سخرية.

ليس غريبًا أن تجد عملًا يجمع بين لغتين عامية وفصحى، ها هو مسلسل الإمام الشافعي فعل ذلك، حتى قصة المؤلف يوسف إدريس التي أخذ منها مسلسل (سره الباتع) كُتبت تارةً بالعامية وتارة بالفصحى، المهم أن تُوظَّف اللغة في المكان الصحيح.

على المخرج أن يعمل جاهدًا على الاهتمام بالممثل حتى يخرج منه كل إبداع ملائم للعمل، هذا ما فعله مخرج (سره الباتع)، ولكن دون مجاملة لم يكن موفقًا في كل اختياراته.

إن العمل الجيد لا يكتمل فقط بالكتابة الجيدة أو بالإخراج الرائع، إنما يحتاج إلى الاهتمام بعوامل أخرى من إضاءة، وتصوير، واختيار الزوايا المناسبة، كل هذه العوامل تسهم في عمل فني متكامل، فانتقالات خالد يوسف بالكاميرا والمونتاج تشعرك بالملل، وكأنه لم يقدم إضافة في الإخراج، لكن طبعًا ظهرت براعة خالد يوسف الإخراجية في بعض الكوادر لا محالة كتصوير ساحة الحرب الفرنسية، فكان المشهد رائعًا عند رصد شكل الجنود وهم منظمون.

إن كنت تظن أن مسلسل (سره الباتع) حظي بانتقادات كبيرة، دعني أخبرك أنه حظي بنصيب من الإيجابيات، فالبعض عدَّه رسالة جيدة وإحياء للتراث ولتاريخ نضال المصريين في مواجهة المستعمر الأجنبي، فمن الجيد عودة هذه الأعمال.

عليك أن تدرك عزيزي القارئ أن الدراما الوثائقية والأفلام والبرامج الوثائقية هي التي لا بد أن تكون موثقة تاريخيًا توثيقًا دقيقًا 100% دون تعديل أو تغيير، لكن الدراما التاريخية والمستوحاة من أحداث تاريخية مثل مسلسل (سره الباتع) فلا مانع من وجود مساحة لخيال المؤلف وإضافاته، لكن لا بد أن تشكل نسبة العمل المعتمِدة على مراجع تاريخية سليمة ما يقارب 80% دون التغيير في تفاصيل المرحلة التاريخية، لكن توجد مساحة للابتكار حتى إن لم تكن موفقة فلا بد من تشجيع من يعود بهذه الأعمال الهادفة ونعطيه آراءنا حتى يراعي الدقة والوضوح في العمل.

أتدري أن نتفيلكس مثلًا تصنع الآن مسلسلًا عن الملكة إليزابيث، وتؤرخ للمرحلة التي حكمت بها، لم يعلق أحد مثلًا على أن لون الفنجان الذي كانت تشرب به القهوة كان أبيض في ذهبي، وليس أسود في فضي رغم أنه تاريخ معاصر، فما المانع من ترك مساحة من الإبداع سواء للمؤلف أم المخرج، ولكن دون أن نتلاعب بالحقائق.

في النهاية نستطيع القول إن مسلسل (سره الباتع) تجربة جيدة، وخطوة للأمام في مشوار المخرج خالد يوسف بعد أن انقطع لسنوات عن الفن وجميع العاملين في المسلسل، فهو عودة رائعة للأعمال التاريخية، لكن مع كل هذه الانتقادات لا يزال موجودًا في السباق الرمضاني، برأيك هل سيخرج أم أنه سيربح في النهاية؟ نحن بانتظار رأيك.

ملاحظة: المقالات والمشاركات والتعليقات المنشورة بأسماء أصحابها أو بأسماء مستعارة لا تمثل الرأي الرسمي لجوَّك بل تمثل وجهة نظر كاتبها ونحن لا نتحمل أي مسؤولية أو ضرر بسبب هذا المحتوى.

ما رأيك بما قرأت؟
إذا أعجبك المقال اضغط زر متابعة الكاتب وشارك المقال مع أصدقائك على مواقع التواصل الاجتماعي حتى يتسنى للكاتب نشر المزيد من المقالات الجديدة والمفيدة والإيجابية..

تعليقات

يجب عليك تسجيل الدخول أولاً لإضافة تعليق.

هل تحب القراءة؟ كن على اطلاع دائم بآخر الأخبار من خلال الانضمام مجاناً إلى نشرة جوَّك الإلكترونية

مقالات ذات صلة
نبذة عن الكاتب